ذكريات مدينة: من دريد لحّام إلى هنري برغسون

تاريخ النشر: 18.12.2020 | 23:00 دمشق

آخر تحديث: 18.12.2020 | 23:16 دمشق

انتهى عام 1963 بشروره التي شهدت انقلاب حزب البعث في آذار وخسارة الأب جريدته وانهيار مصروف الصغير اليومي من ثلاثة فرنكات إلى فرنكين، وسيأتي العام التالي ليحمل للصبي بعض الأشياء التي ستترك في خيالِ الصغير آثارا عميقة. من هذه الأمور تعرّفه على الكوميديا.  هنالك لحظة محدّدة تكتشف فيها شيئا اسمه الضحك. لحظة تدرك أن الضحك ليس فقط ضحك الأطفال الناتج عن اللهو والمرح، بل هو فن قائم بذاته ينقلك من عالم الحياد إلى عالم الانغماس ومن حال العزلة إلى حال الجماعة، تماما مثل البكاء الذي هو بدوره ليس مجرّد بكائك لخصومة مع رفيق أو لعقوبة من أبيك، وإنما هو تعبير عن الحزن الكئيب الذي يعمّر الصدر ويدفعك إلى الانزواء والتأمل.

بطبيعة الحال لم يكن الصغير قادرا في تلك السنّ المبكّرة أن يكتشف ذاك كلّه، ولكنه يذكر بوضوح يشبه وضوح النهار ذلك اليوم الذي شاهد فيه فيلما اسمه "عقد اللولو" لشابّين بدأا يلجِانِ عالمَ النجومية في الكوميديا السورية: دريد لحّام ونهاد قلعي. كان وصول الفيلم على المدينة حدثا حقيقيا، تحدثت المدينة عنه كثيرا قبل وصوله إليها. ثمّة أفلام شكّلت نقاطا فارقة في عقل الصغير، وكان يحلو له أن يعتقد أنها علامات فارقة في تاريخ المدينة. من هذه الأفلام فيلم من أجل حفنة من الدولارات الذي تألّق فيه كلينت إيستوود، الذي سيظلّ دائما واحدا من الأبطال المفضلّين لدى الصغير، مثل ستيف ريفز ومارك فوريست. كان ذلك أول فيلم من أفلام الويسترن يشاهده الصغير، وسوف يدهش بالألوان وسرعة الحركة وشجاعة البطل وإصراره على ملاحقة الأشرار. سيسحر بعالم الغرب العجيب، بالأحصنة والمسدسات التي يتلاعب بها البطل أو يسحبه بسرعة البرق ويصيب من خصمه مقتلا قبل أن يدرك الخصم ذلك، وسيعجب أكثر بالتغيّر الذي يراه في طبيعة البطل، المرتزق الوافد إلى بلدة صغيرة، حيث تتغلّب نخوته الجماعية على أنانيته الشخصية، جاعلة من الرجولة قيمة أخلاقية كونية. في "حفنة من الدولارات". وسيظل مشهد الفصل الأخير حيث يظهر إيستوود من بين دخان القنابل لينال من الخبيث والدموي رامون (الممثل الإيطالي الراحل جيان ماريا فولونتي) أكثر أيقونات السينما بقاءً في الذاكرة.  ولكن أكثر ما سحر الصغير كانت الموسيقا التي ستظل راسخة في ذاكرته حتى يكبر ويبحث عنها وعن مؤلّفها، إينيو موريكوني، ويصفر بها من بين شفتيه، دون أي نجاح يذكر.

الفيلم الآخر الذي سيلهب مشاعر الصغير وخياله كان فيلم جَنْكْلي، ولعله أول فيلم هندي يفد إلى المدينة، وقد ظلّ يُعرض في صالة ستاركو أشهرا متوالية. ليس سهلا أن يبقى فيلم شهده ولد في الثامنة من عمره مرة واحدة خالدا في مخيلته ستة عقود.  ولكن سحر الألوان وجمال البطلين شامي كابور وسايرا بانو، والمناظر الطبيعية الخلّابة والموسيقا التي يتعرف عليها الصبي لأول مرّة وما يصحبها من رقص جميل آسر، كلّ ذلك أضاف قيمة على الحبكة المتقنة التي تصوّر شابا ثريا وسيما ولكنه جلف وقاس، وهو يتحوّل على يد فتاة ريفية جميلة إلى فتى وديع كريم ومحب، حتى بدأ المُقربون منه يحسبون أنه قد جنّ.

كان نجم دريد ونهاد وقد بدأ يبزغ منذ مطلع الستينيات، وسرعان ما راح اسمهما يذيع بعد عدة اسكتشات قدّماها على المسرح والتلفزيون

ثم جاء الفيلم الثالث، عقد اللولو، وهو أول فيلم سوري يشاهده الصبي. ظلّت العائلة تتحدّث عن الفيلم قبل وصوله بأسابيع، وفي زمن سبق الإنترنت والانتشار الواسع للتلفزيون، كانت الجريدة والكلمة الشفهية هما وسيلتا التواصل الرئيسيتان ومصدر المعلومة. ولا يذكر الصغير من الذي فجّر الخبر أولا، ولكنه يتذكر الحماس الكبير الذي كانت تبديه خالته وبناتها وأخواه بشّار وسحبان، وحتى أمّه أحيانا، عندما يبدأ الحديث عن الفيلم. كان الفيلم قد بدأ يعرض في دمشق وقد أخذ بلباب السوريين جميعا.

كان نجم دريد ونهاد وقد بدأ يبزغ منذ مطلع الستينيات، وسرعان ما راح اسمهما يذيع بعد عدة اسكتشات قدّماها على المسرح والتلفزيون. ومن بينها اسكتش اسمه عقد اللولو. ولعلّ هذا الفاصل الساخر قد لقي نجاحا كبيرا، إذ فكّر الشابان ومعهما بعض رجال الأعمال – وبينهم نادر الأتاسي وتحسين القوادري – الذين بدأ البعث يوجّه لهم ضربة إثر ضربة، بإنتاج فيلم سينمائي يدور حول الفكرة نفسها. وتمّ اختيار المطربة الصدّاحة صباح والمطرب السوري فهد بلان ليلعبا دور البطولة إلى جانب دريد ونهاد. 

في اليوم الموعود لبس الجميع أفضل ملابسهم، وهي العادة التي كانت سائدة في المدينة لمن كان يرتاد السينما. فالسينما لم تكن مجرد تزجية للوقت، بل كانت فعلا اجتماعيا وثقافيا مشهودا. وسار الموكب إلى سينما حمص حيث كان يعرض الفيلم. ويذكر الصغير الرهبة التي انتابته وهو يدخل السينما ويصعد إلى البلكون. اشترت الأم الشوكولاتة للجميع، فجلس في مقعده وقهو يقضم الشوكولاتة ويتلذّذ بكل قطعة منها، حتى بدأ الفيلم، فوجد نفسه يغرب في ضحك مديد، وهو يرى غوّار وحسني ويعجب بفتنة بدور (صباح) وشجاعة سالم (فهد بلان) وسلاسة الحبكة وجمال الألوان.

يحكي الفيلم عن الحبّ والجمال ولكن صانعيه التقطوا التحوّل الذي بدأ يحدث في سوريا فطعّموا الحب بصراع بين الفلاح الشجاع والإقطاعي. ولن يبقى من الفيلم في خيال الصبي سوى مشاهد قليلة، ولكنه سيتذكر طويلا أنه كان يضحك من قلبه ضحكات طويلة ومجلجلة، وسيذكر صوت صباح وشجاعة فهد بلان وطيبة غوّار الذي عاد من المهجر بعقد من اللولو وهو يعتقد أن صباح تنتظر عودته ليتزوجا، فإذا هي تستعد للزواج من غريمه فهد بلان. كان الفيلم مليئا بالمقالب المفتعلة والرسائل الساذجة، ولكنه ملأ قلب الصغير وأهله ومعظم الحماصنة الذين شاهدوا الفيلم بهجة وسرورا.

ثم سمع الصغير أخاه سحبان يقول كلمة جديدة عليه: "الكوميديا"، ويردفها بكلمات أخرى لم تبقَ طويلا في ذهنه. وفي اليوم التالي، جاء الصغير إلى سحبان يسأله عن معنى الكلمة. أجاب الأخ الكبير كلاما فهم الصغير منه أن الفن نوعان: كوميديا وتراجيديا. الكوميديا تهدف إلى إسعاد الجمهور وإضحاكه، والتراجيديا تهدف إلى تعليمه دروس الحياة.   

كان لسحبان تأثير كبير على الصغير في طريقة النظر إلى الأمور وعيش الحياة يوما بيوم. وبينما كان بشّار مستشاره السياسي، كان سحبان مستشاره الثقافي والأدبي. سيعلّمه سحبان كتابة القصة ويساعده في نشر قصصه الأولى. وسيتعلّم من قصصه رشاقة العبارة وقوة الكلمة وكيف تتحول الجملة إلى نسمة تدخل روحك بدون استئذان. ساعدته ابتسامته الدائمة وضحكه العريض على تقبل مصاعب الحياة. وساعدته شجاعته في ثلاثة حروب على فهم أن لأي قضية ثمنا ينبغي التمتع بدفعه. أصيب سحبان في 1967 عندما ترك الجامعة ليدافع عن العاصمة. أرسله البعثيون دون تدريب ولا تغطية إلى الجبهة فأصيب بقدمه، وفي أيلول الأسود دخل الأردن ليدافع عن الفلسطينيين، وفي 1973 أصيبت دبابته ورشم كامل جسمه بوشم من الشظايا، لا يزال بعضها في عنقه حتى اليوم. تعلمت من سحبان الشجاعة: لم يكن أبدا عضوا في أي حزب معارض، ولكنه عارض سلطة البعث في كل كلمة وسلوك له. واستدعي مرارا للتحقيق ثم اضطر إلى الهرب من دمشق في ليلة ليلاء، تاركا خلفه دار النشر الخاصة به وكتبه وبيته، إلى قبرص ليعيش فيها سنوات. وحين سيكبر الصغير ويمتهن السياسة ويعتقل، لن يتخلف مرة واحدة عن زيارته، وفي كل زيارة كان يبث فيه القوة والأمل والقدرة على الصمود. ولكن سحبان ليس رجل سياسة. هو رجل الحياة: في كل ما يفعله ثمة دفقة حياة. كان أول من صحب الصغير وقد غدا فتى مراهقا إلى ديسكوتيك وأول من سيصحبه إلى خمارة فريدي وأول من عرّفه على امرأة. وكان مدخله إلى كوكبة من الأصدقاء. عن طريقه سيتعرّف على فاتح المدرس وسعد الله ونوس وناديا خضور ومصطفى الحلاج وصخر فرزات وعائشة أرناؤوط ونزيه أبو عفش وأحمد دحبور وتوفيق الأسدي ونبيل حفار، ولكنه سيكون مدخله لمعرفة دمشق حين جاءها في السابعة عشرة خائفا، مرتبكا، وتائقا في آن معا، فصحبه في شوارعها وحاراتها ومكتباتها ومقاهيها وباراتها. ولكن أهم من ذلك، دلّه على التقاط الروح في الأشياء. روح الكلمة، وروح المقهى، وروح اللوحة، وروح فنجان القهوة والجريدة والمنضدة التي تضع عليها كتابك بعد أن تنتهي من قراءته ليلا ثم تأوي إلى النوم.

سيظل دريد لحّام جزءا من ثقافة الصغير في الكوميديا ردحا طويلا من الزمن. وحين سيبدأ دريد ونهاد أول مسلسل لهما في 1967، كان الصغير يصحب أمّه إلى بيت ابنة خالة لها، كانت أول من أدخل التلفزيون إلى بيته في العائلة، فيتابع الحلقات بشغف عظيم وبنوع من الوجد والانخطاف.  لاحقا سيبدأ بالافتراق عن الفكاهة المصطنعة لدريد، ولكنه سيظل يحتفظ له بمكانة في قلبه، وحتى حين سينضمّ دريد إلى جوقة مؤيّدي النظام ولاعقي أحذية القتلة، لن يغيّر ذلك كثيرا من صورة غوار الذي كان يريد مبارزة سالم نفسه دفاعا عن حبّه.

لكي نفهم الضحك يجب أن نضعه في مكانه الطبيعي، أي المجتمع وأن نحدد وظيفته وفائدته الاجتماعية

في المعتقل، سيتذكّر الصغير وقد كبر دريد ونهاد كثيرا، وسيستعيد أفلامهما في الزنزانة، في محاولة منه لقتل الساعات الطويلة القاتلة، ثمّ سيذكرهما أيضا وهو يتعرّف لأول مرّة على الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون، في كتابه الضحك، حيث أدرك أنه لكي نفهم الضحك يجب أن نضعه في مكانه الطبيعي، أي المجتمع وأن نحدد وظيفته وفائدته الاجتماعية، يجب على الضحك إذن أن يستجيب، إلى متطلبات معينة في الحياة المشتركة وأن يحتوي على أهمية اجتماعية، وهو ما يبرّر لماذا تفشل النكات في إضحاك أشخاص من ثقافات ومجتمعات أخرى.