ذكرى عبد القادر عبدللي..

تاريخ النشر: 09.03.2018 | 21:03 دمشق

بمناسبة الاحتفال الذي يقيمه تلفزيون سوريا ومكتبة الشبكة العربية للأبحاث والنشر غداً السبت 10  آذار مارس، في الذكرى السنوية الأولى لرحيل عبد القادر عبدللي، أتذكر الوقائع التالية:

في أحد الأيام من سنة 1987، وكنتُ أسكن في شقة بالغة الصغر والتواضع بحي المساكن الشعبية الجنوبية بمدينة إدلب، وإذا بعبد القادر عبدللي يأتي لزيارتي، هكذا، ببساطة، وعَرَّفني على نفسه، وجلس.

كنت، يومذاك، أقيم في مدينة إدلب مع أنني لستُ من أبنائها الأصليين، بل قادماً إليها من معرة مصرين، وكنتُ كاتباً مبتدئاً لا يوجد في رصيدي الإبداعي سوى بضع قصص وزوايا ساخرة منشورة في صحف محلية، ومجموعة قصصية صغيرة عنوانها "حكى لي الأخرس"، وشهرة محدودة في أوساط المثقفين، وبعض الأصدقاء في حلب والعاصمة.

اكتشفت خلال تلك الزيارة أنني أمام رجل ممتلئ بالفن، والأدب، والمشاريع، والأفكار، والتطلع للمستقبل. 

في اليوم التالي للزيارة اتصل بي عبد القادر ودعاني لزيارته في منزل والده بحارة "المنشر" الواقعة في شمالي المدينة، فركبتُ دراجتي النارية ذات العجلتين وذهبتُ إليه. اتفقنا أن نخوض ميدان الترجمة على نحو مشترك، فيترجم عبد القادر بعض الأعمال الأدبية التركية، وأتولى أنا موضوع الصياغة الأدبية باللغة العربية ثم تقديم ما نترجمه للصحف ودور النشر.

اقترح عبد القادر أن نبدأ بترجمة مجموعة حكايات لعزيز نسين تحمل عنوان "في إحدى الدول"، وهي حكايات مهمة جداً، لأنها ذات طبيعة سياسية مصاغة على طريقة الأساطير، ثم رواية زوبُك (zübük) التي يحبها الأتراك ويتداولون فصولها في جلساتهم، وقد حولت إلى فيلم كوميدي لعب فيه دور البطولة النجم التركي "كمال صونال". وخلال أيام قليلة سلمني عبد القادر دفترين ممتلئين بترجمة حكايات "في إحدى الدول"، ثم، وخلال زمن قياسي، أنجز ترجمة رواية "زوبُك".    

لاقى العملان اللذان ترجمَهما عبد القادر احتفالاً فاق ما كنا نتوقعه نحن الاثنين، فحينما أرسلنا إحدى قصص مجموعة "في إحدى الدول" للنشر في مجلة اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا "لوتس" سرعان ما طلبت منا إدارة المجلة إرسال كامل المجموعة لنشرها في الاتحاد مع مقدمة كتبها عزيز نسين خصيصاً للطبعة العربية. ثم صدرت زوبك عن دار الأهالي التي كان يديرها الراحل حسين العودات، ثم حولها رفيق الصبان إلى عمل تلفزيوني أخرجه هيثم حقي، وكان من بطولة دريد لحام وآخرين.

"بعد نجاح تجربة عبد القادر الأولى في الترجمة، بدأت تأتيه من بعض دور النشر عروضاً مفتوحة غير مشروطة، تقول له: أنت اختر كتاباً، وترجمه، ونحن نتبناه. وهذا ما كان بالفعل"

في تلك الفترة كتبنا، عبد القادر وأنا، رسالة إلى عزيز نسين ضمناها أسئلة صحفية، حول تجربته، ورأيه بالأدب التركي والآداب الأخرى، وذكر لنا، في معرض إجاباته، أن الكثير من أعماله ترجمت إلى العربية، من قبل عدة مترجمين، وأنه سمع من أصدقاء مثقفين عرب أن أفضل ترجمة لأعماله هي تلك التي أنجزها عبد القادر عبدللي.

بعد نجاح تجربة عبد القادر الأولى في الترجمة بدأت تأتيه، من بعض دور النشر عروضاً مفتوحة غير مشروطة، تقول له: أنت اختر كتاباً، وترجمه، ونحن نتبناه. وهذا ما كان بالفعل، وفيما بعد، عندما نشطت عملية دبلجة الأعمال الدرامية التركية، كانت شركة الإنتاج المحظوظة هي التي يوافق عبد القادر على تبني ترجمة المسلسل الذي تنوي دبلجته.

إن هذا الأمر، حقيقة، لم يأت من فراغ، بل يرتكز إلى حقيقة أن عبد القادر لم يُقِمْ في تركيا إقامة الطالب العاقل الذي يدرس في منهاجه ويكتفي به، بل إنه أقام علاقات مع زملاء أتراك مثقفين يتابعون الشعر والرواية والمسرح والقصة القصيرة، والشهادات والمذكرات، ولذلك اشتهر باختياراته الذكية من عزيز نسين، وأورهان كمال، وخلدون طانر، ومظفر إزغو، وأورهان ولي، وياشار كمال، وحمدي طانبار، ومرات تنجل، وناظم حكمت، وفقير بايقورت، ولطيفة تكين، وإشق سوقان، وإليف شفق، وأوقاي ترياكي أوغول، وجنكيز تشاندار، وخليل إبراهيم، وثريا فلز، وحسين فرحات، وكان قد ترجم كتابين لأورهان باموق قبل حصوله على جائزة نوبل، وترجم له أعمالاً أخرى بعد نوبل، ومن المعروف أن باموق اشترط على دار نشر مصرية قبل توقيع عقود حقوق التأليف أن يكون المترجم هو عبد القادر عبدللي حصراً.

كنا، في البداية، نقف أمام تجارب عبد القادر التشكيلية مشدوهين، غير مصدقين أن ابن بلدنا هذا، الفنان المغمور الذي لم يبلغ الثلاثين من عمره، يمتلك ما يكفي من الشجاعة ليقتحم عالم الفن السوريالي، ويضع نفسه في خانة سيلفادور دالي الذي كان يمثل بالنسبة للثقافة الغربية نفسها، حالةً متطرفة، متفلتة من القوالب، والأصول، والمعايير الفنية التي أنجزتها البشرية عبر العصور.

قال لي الفنان ناصر نعسان آغا الذي جايلَ عبد القادر منذ أول معرض مشترك لهما في مدينة إدلب أواسط الثمانينات، إن صديقنا عبد القادر اشتغل لوحات سوريالية، ولكن ضمن آليات تفكير وإبداع خاصة به، بمعنى أن السياق الغربي الذي اشتغل عليه السورياليون لم يجرفه، ومن هنا اكتسب خصوصيته، وأهميته، إضافة إلى براعته من الناحية العلمية (التقنية).

وكتب الفنان حسام رجب: كانت طباع عبد القادر حادة، حينما يتعلق الأمر بالذين يَدَّعون الثقافة، يواجههم بعنف، ويعري زيفهم وكذبهم ورياءهم، ولكنه كان محاوراً هادئاً ومتفهماً كريماً، عطوفاً، صادقاً، شفافاً، حينما يحاور أصدقاءه الذين يعجبه إبداعهم.

الحديث عن مآثر صديق العمر عبد القادر عبدللي يطول، ويحتاج إلى مساحة كبيرة، ووقت أطول، ويكفي أن نقول إن عدد الأعمال التي أنجزها بلغ 81، عدا عن بضعة مسلسلات، وكتاب فرشاة من تأليفه، وكذلك كتاب "تركيا بعيوني"، كل هذا ولم يكن يتوقف عن الكتابة في الصحف، وكانت كتاباته في الشأن التركي بارعة ومؤثرة.

وفي الختام لا يسعني إلا أن أبعث بتحية لذكراه، مؤملاً أن تكون احتفالية موفقة، لا سيما وأنها تزامنت مع انطلاق "تلفزيون سوريا".