ذكرى البعث في مملكة الخوف

تاريخ النشر: 08.03.2021 | 06:50 دمشق

مثل اليوم، قبل ثمان وخمسين سنة؛ كانت "ثورة آذار البعثية". بعض أوائل مَن فكّروا وحددوا أهدافها ربما كانوا صادقين، فاختاروا للبعث شعارات تدغدغ طموح جماهير خرجت لتوها من نير احتلال عثماني مديد وفرنسي قصير. اعتبر الأوائل (الوحدة) و(الحرية) و(الاشتراكية) ثالوثاً مقدساً؛ صدّقته وآمنت به نسبة لا بأس بها من الجماهير؛ ولكن تناوب على البعث مَن كرّه جماهير الحزب والجماهير الأوسع بذلك "المقدس" ونفّرهم منه؛ فكانت الارتدادات والنكسات بكل الاتجاهات؛ وكان الدمار والخيبة والتخلف والظلم والاستبداد؛ وربما كان ذلك هو المطلوب منه.

أن يكفر إنسان بمبدأ سامٍ كالحرية ليس منجزاً قليلاً في استهداف إنسانية الإنسان. وإن كانت الوحدة هي الدواء الأنجع والأنجح ليكون لأمة وجود بين الأمم؛ فإن نسفها بمختلف السبل والوسائل هو أيضاً نهاية لحلم نهضوي يرفع مقامها. أما الاشتراكية فقد تم تدمير جوهرها في العدالة، لتتحول إلى عدالة في الاستبداد والاضطهاد والابتزاز، ومن تكافؤ فرص ونمو وازدهار وديموقراطية إلى جشع وفساد وتخلف وفقر.

في هذا الفضاء السوري العربي- الكردي- السرياني- الآشوري- الأمازيغي- الكلداني- الشيعي- الدرزي- الأرثوذكسي- الكاثوليكي- الماروني-العلوي- الأرمني- السني، عشنا نحلم بالوحدة، حتى ولو كانت "وحدة غانيات". ورغم أن "البعث" جعل "الوحدة" أول أهدافه، إلا أنه حوّلها إلى فرقة وصِدام حتى ضمن الحزب الواحد في بلدين عربيين متجاورين؛ لتصل الأمور بسلطةٍ سوريةٍ أن تكتب على جواز سفر مواطنها {كل بلدان العالم إلا العراق} ولو استطاعت تلك السلطة أن تنسف وحدة البيت أو الأسرة السورية الواحدة، لما توانت عن ذلك؛ وللأسف أفلحت بفعلتها هذه أحياناً.

أقنعنا حافظ الأسد بالاكتفاء مؤقتاً بـ"التضامن العربي" نظراً للظروف؛ وسعى بكل ما يستطيع أن يكون هذا التضامن حالة من المؤامراتية بين بلد عربي وآخر

سكنت /الوحدة العربية/ القذافي، فجعلَنا نتقيأ عند سماع عبارة "وحدة"؛ وأخيراً أقنعنا حافظ الأسد بالاكتفاء مؤقتاً بـ"التضامن العربي" نظراً للظروف؛ وسعى بكل ما يستطيع أن يكون هذا التضامن حالة من المؤامراتية بين بلد عربي وآخر؛ ليصبح العربي آمنا جانب الأجنبي أكثر من جانب أخيه. عبر تضامنه العربي، هتك الأسد كرامة لبنان بدايةً فاتحاً الطريق أمام المسؤول "البعثي" الآخر صدام حسين ليفتك بالكويت. تآمر "القومي العربي الأول" مع إيران الفارسية، ليستنزف الأمة ويفتح أبوابها خراباً لكل المستبيحين. وكان أول مسيرته التدميرية لهذه الأمة قد ساهم عبر "لجنته العسكرية" بإعدام وحدة مصر وسوريا، وابتدع بعثه الخاص به عبر خلق سلطة عميقه تحوّل من خلالها إلى شبه إله مهمته إعدام الوحدة والحرية والإنسانية في سوريا ومحيطها العربي تحديداً.

باسم الوحدة تبعثر ما كان يُسمى "الوطن العربي"، وتم مسخه سياسياً إلى "جامعة عربية" بلا حول أو قوة أو إرادة. باسم الحرية والتحرير، فلسطين لا تزال مغتصبة، والجولان يقايض بها رب البعث الجديد "الأسد" ليبقى في السلطة أبديا. وباسم الحرية، تم إعدام الحياة السورية لا الحرية السورية فقط. وباسم الاشتراكية، أصبح خط الفقر الطبيعي أمنية.

في سنوات الثورة السورية على الوريث ومنظومته الاستبدادية؛ وعندما كان يُلقى القبض على هاتف أو منادٍ بـ "الحرية" في مظاهرة سلمية: شاع ذلك السؤال التهكمي الاستغرابي الاحتقاري التجريمي: / بدكن حرية؟! /؛ وينهال عليه السائل بوابل من الوحشية، التي ما رأتها البشرية من قبل. أما الشعار الذي كان الأكثر استفزازاً لعصابات الأسد الإجرامية فكان: (الشعب السوري واحد).

لم يكن للبعث قيمة تُذكر في الدولة الأسدية إلا بما يكرّس سلطة الأسد المطلقة؛ فكان المطية الأساس في تنفيذ الاستبداد والإجرام. نصّب الأسد البعث قائداً للدولة والمجتمع في دستوره، ليكون بشخصه الحاكم المطلق "دستورياً" والمتحكم بالحياة السورية اجتماعياً وثقافياً وتعليمياً وتربوياً ونفسياً واقتصادياً وعسكرياً وسياسياً؛ ولتصبح حياة سوريا وأرواح أهلها ومصيرهم بيده حصرياً؛ والكل منفذ مطيع؛ وإذا فكّر أو اجتهد أحد، فمصيره الموت. فهو الصانع الأول والمقرر النهائي لكل منحى من مناحي الحياة السورية.

مهرت قيادة البعث بحافرها دخول الأسد الأب إلى لبنان ليجهز على المقاومة اللبنانية-الفلسطينية

باسم البعث أنهى حياة كل من هو بعثي حقيقي، وأتى على أهدافه تشويهاً وتدميراً. باسم البعث وأهدافه يجعل أحد رعاياه عالماً أو عميلاً أو ملاكاً أو فقيراً أو قاتلاً أو مفتياً أو وزيراً أو أميراً (حتى داعشياً) أو شبيحاً أو شهيداً أو مثقفاً أو سفيراً أو عميلاً أو خائناً أو ممثلاً أو نقيباً للفنانين أو المعلمين أو العمال أو الفلاحين أو أبناء وبنات الهوى.

باسم البعث، قتل جيش "حماة الديار" العقائدي شعب سوريا. وكما مهرت قيادة البعث بحافرها دخول الأسد الأب إلى لبنان ليجهز على المقاومة اللبنانية-الفلسطينية؛ وكما باسم البعث وأهدافه حمى "حدود" الكيان الصهيوني الشمالية في لبنان والجولان، كي يمنحه الصهاينة وأعوانهم سلطةً أبدية وراثية محصنة في سوريا، باسمه أيضاً سيكون ترشيحه لولاية جديدة للتحكم بالبشر والحجر في سوريا.

أخيراً بمناسبة "ثورة البعث”، أقول لهذا الحزب الغائب-الحاضر؛ لقد تم تحويله إلى أداة قمع وإذلال لسوريا وأهلها: أين كنت عندما أُعلن النفير، وبدأ ذبح سوريا؟! لقد كنت الرافعة، التي أعلت الأخفض إلى السلطة، والأقل أمانة إلى سدة المسؤولية؛ وكنت الشمّاعة التي عُلّقت عليها كل أسمال الفساد والإفساد والعبث بمصير العباد والبلاد؛ وكنت شاهد الزور على أول رصاصةٍ أطلقها سوري على سوري. إن كنت ميتاً، فأنت لم تعلنها، والأصح أن القائمين على قيادتك دفنوك، دون أن يعلنوا موتك. إن كنت ميتاً، وفي قبرٍ، فلن تجيب؛ ولكنني أعرف أنك ما زلت خارج القبر؛ "فالدفّان" لا يعرف إنك متّ أم لم تمت؛ فهو لا يعرفك أصلاً؛ "وكان قد سطا عليك دون أن يعرفك. هكذا كان قضاؤك وقدرك.

 لقد كنت شبحاً في مملكة الخوف؛ 

والى زوال، أنت وهذه الطغمة.