نشرت صحيفة ذا ناشيونال تقريراً تحليلياً تناول مستقبل العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وسوريا في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، مسلطةً الضوء على التحديات الأمنية والسياسية التي تعيق انخراط أوروبا في جهود إعادة الإعمار.
وفيما يلي الترجمة الكاملة للتقرير:
علاقات تاريخية وقرب جغرافي وخبرة سياسية جعلت من أوروبا شريكاً طبيعياً لسوريا في مساعي إعادة الإعمار بعد الحرب، ولكن على الرغم من إعادة العلاقات مع القيادة الجديدة في دمشق بُعيد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، سعى الاتحاد الأوروبي بشكل كبير للبناء على هذه البداية الواعدة، وخاصة في المجال الاقتصادي.
غير أن التهديدات التي تكتنف الأمن في سوريا داخلياً على عدة جبهات وأصعدة ما تزال أكبر العقبات التي تعترض سبيل الشركات الأوروبية التواقة للاستثمار في سوريا، ولكن في الوقت الذي مصلحة الاتحاد الأوروبي الاقتصادية منصبةٌ على مجال مساعدة دمشق في معالجة تلك التهديدات، يتعين على بروكسل إجراء تصحيح مهم في مسار سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه سوريا على المدى الطويل.
بداية واعدة أعقبها انكفاء
كان الاتحاد الأوروبي من أوائل الكيانات التي بدأت برفع العقوبات عن سوريا بعد هروب الأسد، كما أن مساعيه لإحياء اتفاقية التعاون مع دمشق أتى بمثابة وعد بالوصول إلى الأسواق الأوروبية. وتعهد الاتحاد أيضاً بإقامة "مركز للمساعدة التقنية" في العاصمة السورية وذلك بهدف رفد الجهاز الإداري للدولة ودعمه.
وخلال الشهر الماضي، أكد وفد ترأسته رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، أهمية إعادة إعمار سوريا بالنسبة لاستقرار القارة الأوروبية. وعبر رصد مبلغ تجاوز 722 مليون دولار ستقدم كمساعدات لسوريا خلال الفترة ما بين 2026-2027، قدم الاتحاد الأوروبي نفسه كشريك أساسي في تنظيم عمليات العودة الآمنة والطوعية لملايين اللاجئين واللاجئات السوريين، بما أن ذلك يعتبر ضرورة استراتيجية بعد الضغوطات التي تعرضت لها أوروبا بالنسبة لمسألة الهجرة.
إلا أن شيئاً من حالة الزخم هذه تعثر، ليس فقط بسبب مشكلات تعود للتركة السورية نفسها، ولكن أيضاً بسبب ما يصفه النقاد بالموقف الذي يبالغ في تفادي المخاطر الذي يتخذه الأوروبيون. فالاشتباكات التي قامت مؤخراً بين القوات المسلحة السورية وفصيل مسلح يتزعمه الكرد، وهو قوات سوريا الديمقراطية، وذلك في شمال شرقي سوريا، دفع الصيارفة الألمان لإلغاء زيارة وفدهم إلى دمشق، فحرفوا بذلك المساعي لإعادة دمج النظام المالي لسوريا بالعالم عن مسارها.
وبطريقة مماثلة، وبعد فوز شركة إيطالية بمناقصة لإعادة تأهيل أحد الموانئ السورية، قررت أن تدير أمور المرفأ عن بعد، خوفاً من احتمال تعرضها لمخاطر على الأرض. وعواقب ذلك جلية وواضحة، إذ ابتداء من مطار دمشق ووصولاً إلى مرفأ طرطوس وقطاع الطاقة، أصبحت شركات أخرى تنتمي لدول أخرى معظمها من العناصر الفاعلة الإقليمية، تسارع لحصد تلك الفرص، وهذا ما سيدفع بأوروبا نحو الهامش.
أوروبا تسهم في انعدام الاستقرار بسوريا
يعود أحد أسباب هذا الحذر إلى التهديدات الأمنية التي لم تصل إلى حل في سوريا، وعلى رأسها خطر عودة تنظيم الدولة، إلا أن هذا الخطر يمثل التهديد الذي يجب على الاتحاد الأوروبي أن يتخذ باتجاهه مزيداً من الخطوات الاستباقية، فقد انضمت عدة دول أوروبية عضو في الاتحاد الأوروبي للتحالف الدولي الذي تترأسه الولايات المتحدة لمحاربة هذا التنظيم الإرهابي، غير أن تعنت هذه الدول ورفضها إجلاء مواطنيها الذين انضموا لذلك التنظيم في بداياته قبل أن يحتجزوا في مخيمات وسجون بسوريا بعد انهيار ما عرف بدولة الخلافة، يفاقم حالة انعدام الاستقرار في سوريا.
والتحدي الذي يجابهه الاتحاد الأوروبي في هذه المسألة جزء منه قانوني، وذلك لصعوبة محاكمة العائدين من هؤلاء نظراً لعدم توفر أدلة تثبت انضمامهم للتنظيم إلى جانب عدم وجود قوانين تجرم الانضمام لجماعات إرهابية أجنبية في بعض الدول الأوروبية وذلك خلال السنوات الأولى من الصراع. ويرى بعض المحللين أن ترك هؤلاء في سوريا يمنع وقوع هجمات على أوروبا، في حين يخشى عامة السياسيين الأوروبيين من انتقادات حادة تطولهم من منافسيهم في اليمين المتطرف، في حال قيامهم بأي خطوة بخصوص هذه القضية.
ولكن يجب على السياسيين السعي لإيجاد حلول قضائية بالنسبة للمتهمين بارتكاب جرائم جسيمة.
العراق كمهندس لما بعد النزاع
وإضافة لما سبق، تحدث خبراء عن إمكانية تحقيق حالة ضبط ومراقبة أكبر في حال إجلاء هؤلاء المواطنين ومحاكمتهم، وهذا ما سيخفف التهديدات على الداخل الأوروبي عند حدوث أي عملية هروب أو ظهور حالة تطرف في المخيمات السورية المكتظة بالبشر. فهذا المنطق هو الذي دفع العراق ليس لاستقبال مواطنيه فحسب بل أيضاً لاستقبال مواطني الدول الأخرى في سجونه.
حددت بغداد قرارها ضمن إطار الالتزام بالتوصل إلى حل بالنسبة للتهديد الذي يمثله تنظيم الدولة، ورأت في ذلك "انتقالاً من دولة رسمت معالمها تبعات النزاع، إلى دولة تسهم بشكل فاعل في هندسة ما يأتي بعد ذلك" وذلك بحسب ما ذكره فرهاد علاء الدين مستشار الشؤون الخارجية لدى رئاسة الوزراء العراقية، في مقال كتبه ونشرته صحيفة ذا ناشيونال الإماراتية مؤخراً.
وبما أن تنظيم الدولة يمثل تهديداً عظيماً لاستقرار سوريا، وما يترتب على ذلك من تبعات قد تصل إلى بقية دول العالم، لم يعد بوسع قادة أوروبا إبقاء رؤوسهم مدفونة في الرمال.
فعبر الخضوع لقيادة إقليمية، والالتزام بالمسؤولية الدولية المشتركة، قد تحقق أوروبا مطامحها الاقتصادية وتسهم في خلق الظروف اللازمة لنشر الأمن والازدهار في سوريا على المدى البعيد.
المصدر: The National