ليس فقد الأحبة وحده ما يترك جرحاً لا يندمل، فأن يعيش الإنسان من دون صورة تجمعه بمن رحلوا، أو ذكرى مادية يستعيد بها ملامحهم، أو وثيقة تحفظ حقيقة موتهم، هو فقدٌ آخر لا يقل قسوة. تلك هي حكاية يوسف خليل جعيداني، الرجل الستيني الذي خسر زوجته وخمسة من أبنائه في هجوم الغوطة الكيميائي في 21 آب/أغسطس 2013، ثم وجد نفسه بعد سنوات أمام معركة أخرى: الدفاع عن حقيقة ما جرى لعائلته، في مواجهة محاولات طمسها وتزييفها.
في بيت يوسف اليوم، لا ألبوم صور يفتح أبوابه للحنين، ولا إطارات معلقة تستعيد وجوه الراحلين. القصف والتهجير دمّرا ما كان يمكن أن يبقى من أسرته، لكن الوجوه بقيت محفورة في ذاكرته.
كانت زملكا، المتاخمة لعين ترما وحزة، المكان الذي عاش فيه يوسف مع أسرته تحت حصار الغوطة الشرقية. وفي حين كان الحصار يضيّق على السكان، بقي البيت مساحة للدفء العائلي. زوجة، وابنة في الثامنة عشرة كانت تستعد للجامعة، وابن في السابعة عشرة، وطفلة في الرابعة عشرة، وطفل في الثامنة، ورضيع لم يتجاوز تسعة أشهر، وابن في الحادية عشرة، عائلة كانت تشكل عالم يوسف بكامله.
ليلة لم تشبه القصف
عند نحو الساعة الثانية والربع من فجر 21 آب/أغسطس 2013، بدأت الهجمات الكيميائية التي استهدفت مناطق في الغوطة الشرقية، بينها عين ترما وحزة وزملكا.
لم يكن المشهد يشبه القصف التقليدي الذي اعتاده السكان. كان الموت هذه المرة أكثر خفاءً، اختناق، ورائحة غريبة، وأجساد تسقط من دون الجروح التي اعتادها الناس في الهجمات السابقة.
ومع وصول المصابين من المناطق المستهدفة الأولى إلى زملكا، تحولت النقاط الطبية والمراكز الميدانية إلى أماكن مكتظة بالضحايا. كان السكان والمسعفون يحاولون إنقاذ من يمكن إنقاذه، في حين كانت أعداد المصابين تتزايد بسرعة.
كان يوسف في منزله في زملكا عندما علم أن شقيقه في حزة تعرض للهجوم. خرج لمساعدته، وتمكن من إجلائه مع عائلته، قبل أن ينقلهم باتجاه سقبا وحمورية وعربين.
لم يكن يعلم أن عائلته التي تركها خلفه ستصبح بعد ساعات جزءاً من واحدة من أكثر المآسي دموية في تاريخ الحرب السورية.
أربع عشرة ساعة من البحث
عاد يوسف إلى زملكا، لكنه لم يجد أسرته في المنزل. يقول: "ظننت أنهم غادروا المكان كما فعل شقيقي، ولم يخطر في بالي حينها ما الذي حلّ بهم. كنت أعتقد أنهم لجؤوا إلى مكان أكثر أماناً، لذلك بدأت أبحث عنهم وأنا أتمسك بهذا الأمل".
بدأ البحث عنهم بين الشوارع والمراكز الطبية والمدارس التي تحولت إلى نقاط لتجميع الضحايا.
استمرت رحلته من الليل حتى نحو الخامسة من مساء اليوم التالي. كان ينتقل بين زملكا وسقبا وحمورية، يتفحص الوجوه والقوائم المكتوبة بخط اليد، باحثاً عن أي أثر لزوجته وأطفاله.
وفي مشفى حمورية الميداني، وجد ابنه زكريا، البالغ من العمر 11 عاماً آنذاك، حياً بعدما تلقى الإسعافات الأولية "أمضيت ساعات طويلة وأنا أبحث عن عائلتي، كنت أتمنى أن أجد أحداً منهم حياً. وعندما وجدت زكريا، شعرت للحظة أن الأمل عاد إليّ، لكنني سرعان ما عرفت أن بقية عائلتي رحلوا".
لكن الأمل الذي حمله العثور على ابنه لم يدم طويلاً، علم يوسف أن زوجته وأبناءه الآخرين قضوا في الهجوم، بعد تعرضهم للغاز السام. ستة من أفراد أسرته ينتظرون دفنهم في ذلك اليوم في "مقبرة الشهداء"في حمورية.
لم يكن أمام الأب الذي فقد عالمه دفعة واحدة سوى أن يحمل أجساد أحبائه إلى مثواهم الأخير، ثم يبدأ حياة جديدة لا تشبه شيئاً مما سبق.
«الموت كان في الهواء»
لا تزال ذاكرة العاملين في المجال الطبي تحتفظ بتفاصيل تلك الساعات. يقول المسعف رمزي إسماعيل، الذي كان يعمل في المجال الطبي آنذاك، إن الساعات الأولى للهجوم شهدت استنفاراً واسعاً، إذ اندفعت الكوادر الطبية وسيارات الإسعاف إلى صالات الأفراح والساحات العامة التي جُهزت على عجل لاستقبال المصابين، بعدما تجاوزت أعدادهم قدرة المشافي والنقاط الطبية على الاستيعاب.
ويستعيد رمزي مشاهد من إحدى صالات الأفراح في حمورية، حيث افترش الضحايا الأرض بعد نقلهم من زملكا وعين ترما، فيما انشغل المسعفون بمحاولة إزالة آثار الغاز عن أجساد المصابين بالمياه، وسط شحّ حاد في المستلزمات والمعدات الطبية.
يقول إن المشافي سرعان ما تجاوزت قدرتها الاستيعابية، وإن العاملين اضطروا إلى استخدام وسائل بدائية في محاولة للتعامل مع حالات الاختناق. حتى المسعفون أنفسهم لم يكونوا بمنأى عن الخطر؛ فقد أصيب بعضهم بالإغماء والرجفان في أثناء التعامل مع المصابين.
ويستعيد رمزي مشهداً يصعب نسيانه: أجساد ترتجف، وزبد يخرج من الأفواه، وعائلات تصل إلى نقاط الإسعاف وهي مفككة بين قتيل ومصاب ومفقود.
كانت الكوادر الطبية تواجه كارثة تفوق إمكاناتها، في حين كان المدنيون يبحثون عن أي وسيلة لإنقاذ أطفالهم وأقاربهم.
من فقد العائلة إلى فقد الحقيقة
بعد نحو ثلاثة أشهر على المجزرة، وتحت وطأة الحصار والظروف المعيشية القاسية، اضطر يوسف إلى مغادرة الغوطة برفقة ابنه الناجي زكريا، عبر معبر مخيم الوافدين إلى عدرا العمالية، قبل أن يستقرا في مدينة التل، حيث عاشا هناك لسنوات محاولين بدء حياة جديدة بعد فقدان بقية أفراد الأسرة.
لكن المأساة لم تتوقف عند حدود الموت والنزوح، في عام 2018، ومع بلوغ زكريا سن الخدمة الإلزامية، احتاج والده إلى وثائق رسمية تثبت وضعه العائلي بهدف الحصول على إعفاء من الخدمة.
قال يوسف إنه اصطدم بمحاولة رسمية لفرض رواية أخرى عن وفاة أسرته. ويقول إن الجهات الأمنية والقضائية التابعة للنظام المخلوع رفضت تسجيل سبب الوفاة المرتبط بالهجوم الكيميائي، وإنه تعرض للتهديد والضغط من أجل توقيع ضبط شرطة يحمّل ما سماه "عصابات إرهابية مسلحة" مسؤولية مقتل أفراد عائلته.
وحتى بعد مرور أكثر من عقد، لا تزال المشكلة ذاتها تؤلمه: لا توجد صور تحفظ وجوههم.
ويقول يوسف إنه اعتُقل بعد ذلك واقتيد إلى فرع الخطيب، حيث بقي نحو شهر، وتعرض للتحقيق والتعذيب والابتزاز المالي، قبل الإفراج عنه بعد دفع مبلغ مالي، ليتمكن في النهاية من تأمين الوثيقة التي يحتاجها لحماية ابنه.
يقول يوسف: "لم تقتصر معاناتنا على فقد أحبائنا، بل اضطررنا إلى تزوير حقيقة رحيلهم بأيدينا، تحت التهديد والضغط، وتوقيع رواية لا تمت إلى ما حدث لعائلتي بصلة".
الناجي الذي كبر
كبر زكريا، الطفل الذي نجا من المجزرة. تزوج وأنجب طفلة، فدخل إلى بيت يوسف صوت جديد للحياة بعد سنوات طويلة من الصمت.
ومضى يوسف في بناء حياته من جديد، وأنجب أبناء آخرين، لكنه لم يعتبر ذلك بديلاً عن الذين فقدهم.
ففي ذاكرته ما زالت هناك ابنة كانت تحلم بالجامعة، وابن شاب، وطفلة، وطفل، ورضيع لم يكمل عامه الأول، وزوجة شاركته سنوات حياته. وحتى بعد مرور أكثر من عقد، لا تزال المشكلة ذاتها تؤلمه: لا توجد صور تحفظ وجوههم.
ذاكرة بلا صور
ربما يكون أكثر ما يختصر مأساة يوسف أنه لا يملك صورة واحدة لأفراد أسرته الذين فقدهم.
لكن غياب الصور لا يعني غياب الذاكرة. فهو يتذكر أعمارهم، وأحلامهم، وملامحهم، والأماكن التي عاشوا فيها، والليلة التي خرج فيها من منزله ثم عاد ليجده فارغاً: يقول يوسف لموقع تلفزيون سوريا "ما يؤلمني حتى اليوم أنني لا أملك صورة أعود إليها عندما أشتاق إليهم. أستعيد وجوههم من ذاكرتي" ويضيف: "أريد أن تبقى قصة زوجتي وأطفالي محفوظة، لأنهم لم يكونوا مجرد أرقام في مجزرة"
واليوم، يؤكد يوسف استعداده للمطالبة بحق عائلته أمام جهات العدالة المختصة، ويشدد على أن الوثائق التي انتُزعت تحت التهديد لا يمكن أن تمحو ما حدث، وأن الحقيقة لا تختزل في ورقة رسمية كُتبت تحت الإكراه.
كما يأمل أن تحظى عائلات ضحايا الهجمات الكيميائية وسائر ضحايا الحرب بالرعاية التي تحتاجها، بعدما تحملت سنوات من الفقد والنزوح والضيق الاقتصادي.
بالنسبة إلى يوسف، ليست العدالة مجرد محاسبة من قتل أفراد أسرته؛ إنها أيضاً استعادة حقهم في أن تُروى قصتهم كما حدثت.
فقد يستطيع القصف أن يهدم البيت، وقد تضيع الصور تحت الركام، وقد تُزوّر الأوراق تحت التهديد، لكن الذاكرة التي يحملها الناجون تبقى شاهداً.

