دير الزور.. خريطة السيطرة تخلق مراكز اقتصادية جديدة

تاريخ النشر: 17.12.2020 | 06:01 دمشق

آخر تحديث: 18.12.2020 | 09:55 دمشق

دير الزور - ورد فراتي

شهدت أواخر العام 2017 الضربة القاصمة لتنظيم الدولة شرقي سوريا، بعد نجاح الحملتين العسكريتين ضده، والتي شنت أولاهما قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة داعمة مجلس دير الزور العسكري -التابع لقوات قسد- للسيطرة على أجزاء محافظة دير الزور الواقعة على الضفة اليسرى لنهر الفرات (منطقة الجزيرة)، بينما شن الثانية الجيش الروسي داعماً ميليشيات إيران وقوات النظام للسيطرة على مناطق المحافظة على الضفة اليمنى (منطقة الشامية)، لينتهي بذلك وجود التنظيم فعليا مقتصراً على جيوب صغيرة في منطقة الجزيرة كان آخرها في مخيم الباغوز على الحدود السورية العراقية والذي سيطرت عليه قوات قسد في آذار عام 2019، وجيوب أخرى ما تزال نشطة في البادية السورية الممتدة من الضفة اليمنى لنهر الفرات في الشمال الشرقي وحتى الحدود الأردنية جنوباً وصولاً إلى عمق البادية في محيط مدينة تدمر غرباً.

 

 

مرفق1 - توزع مناطق السيطرة في سوريا - حزيران 2018.jpg
توزع مناطق السيطرة في سوريا – حزيران 2018

 

أثناء الحملتين للسيطرة على محافظة دير الزور ركز الطيران الحربي – طيران التحالف وطيران روسيا- على استهداف الجسور الواصلة بين ضفتي نهر الفرات، الذي شكل بعد خلوه من الجسور حاجزاً طبيعياً يفصل قوات الحملتين عن بعضهما، لتصبح حاضرة الشرق السوري مقسومة بين منطقتين يسيطر على كل منهما قوى مختلفة، ولتبدأ منذ ذاك الحين التغيرات البنيوية الاجتماعية والاقتصادية في شكل المحافظة التي عُزِلَت مراكزها الإدارية الرئيسية جنوب النهر (شامية)، عن ريفها الممتد شماله (الجزيرة).

بركان اقتصادي

كانت منطقة الجزرات التابعة لناحية الكسرة في ريف دير الزور الغربي من أوائل مناطق الريف التي تمكنت قسد من السيطرة عليها من تنظيم داعش أواخر شباط عام 2017، قبل أن تكمل معاركها شرقاً، وتضم منطقة الجزرات عدداً من القرى أبرزها (جزرة ميلاج – جزرة البو حميد)، حيث تشير إحصاءات مكتب الإحصاءات المركزي للعام 2004 في سوريا أن أكبر هذه القرى لم يتجاوز عدد قاطنيها الـ 6000 نسمة.

تحولت منطقة الجزرات بسبب تحييدها المبكر عن المعركة إلى نقطة استقطاب لأفواج النازحين والمهجرين من أبناء أرياف المحافظة ومدنها على جانبي النهر، لتتوسع أعداد قاطنيها بشكل كبير وصل 5-6 أضعاف في فترة قياسية، ترافق مع نشوء سوق كبير فيها بشكل شعبي وعشوائي من قبل تجار المنطقة، لتلبية احتياجات الأهالي التي كانت تتزايد كلما ابتعدت المعارك عنهم وتحولوا إلى الاستقرار.

 

مرفق2 - خريطة ريف دير الزور تظهر عليها منطقتا الجزرات والبصيرة.PNG
خريطة ريف دير الزور  تظهر عليها منطقتا الجزرات والبصيرة

 

ثم ومع توالي السيطرة على قرى وبلدات منطقة الجزيرة، تتابع توسع مراكزها السكنية التي لجأ إليها أهل الضفة المقابلة (منطقة الشامية)، هرباً من قوات النظام التي منعت الأهالي من العودة إلى منازلهم، ثم سمحت بذلك لكن وفق شروطها التي تتضمن "تسوية الوضع والخدمة في صفوف جيش النظام"، ومع استمرار عزوف الغالبية الساحقة منهم عن العودة، أصبح أغلب سكان المحافظة يعيشون في شطرها على الضفة اليسرى لنهر الفرات.

ولأن المراكز الأساسية للمحافظة التي كانت تشكل أسواقها الرئيسية مدن دير الزور والميادين والبوكمال كلها تقع في مناطق سيطرة النظام، فقد حمل تجار هذه المدن والبلدات أعمالهم إلى الضفة الأخرى، التي بدأت تظهر فيها الأسواق الكبيرة، خاصة مدينة البصيرة التي تعتبر حاضرة ريف الزور في الجزيرة.

بمكانها المميز عند نقطة التقاء نهر الخابور بالفرات، وبتوسطها تجمعاً لبعض أكبر قرى المحافظة في منطقة الجزيرة، فقد بلغ عدد سكان البصيرة 40 ألفاً في تعداد العام 2004، ثم تضاعف مرات بعد استيطان أعداد كبيرة من أهالي منطقة الشامية فيها، وانتقال أسواق مدينة الميادين ومحيطها من منطقة الشامية إليها.

 

 

تسببت حالة النزوح الكبيرة إلى البصيرة بارتفاع أجرة كراء محالها حتى وصل بعضها إلى 400$ في الشهر الواحد، كما ارتفعت أسعار عقاراتها، وتوسعت أصناف التجارة فيها التي كانت مقتصرة على الأساسيات كالمواد الغذائية والطبية، لتشمل كل شيء تقريباً من قطع السيارات ومواد البناء والمفروشات وغيرها.

وبدا مع نهاية العام 2018 أن البصيرة تتحول إلى مركز للمحافظة في أجزائها الخاضعة لسيطرة "قسد"، آخذة مكان المراكز المهجورة على ضفتها الأخرى.

جُباة الإتاوات

لم تلبث قوات قسد أن فرضت سيطرتها على كامل منطقة الجزيرة في الربع الأول من عام 2019، حتى بدأ ضعف الجهاز الأمني في المنطقة -التابع لقوات قسد- يلقي بظلاله على ازدهارها، وبات شائعاً في المنطقة انتشار عمليات الخطف والابتزاز والاغتيال، بل إن بعض العصابات في المنطقة بدأت تنشط باسم "تنظيم داعش"! فارضة على تجار البصيرة أن يدفعوا لهم "الزكاة" التي تفرضها "دولة الإسلام" عليهم!، فلا يجرؤ على ردهم أحد، لعلمه بعمليات التلغيم والتصفية التي يحترفون عملها.

اقرأ أيضاً: خلايا لتنظيم "الدولة" يتجولون في بلدة البصيرة بدير الزور

وأوضح "وليد" وهو أحد تجار مدينة الميادين الذين نقلوا تجارتهم إلى البصيرة سابقاً، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، بأن البصيرة اليوم لا يعمل فيها إلا أبناء المنطقة، وأن 70% من التجار الذين نشطوا في سوقها سابقاً قد غادروها اليوم.

ولم تقتصر أسباب مغادرة التجار للبصيرة على الحالة الأمنية السيئة فيها، فضيق مساحة شارع السوق في البصيرة، وغياب الاستجابة لتنامي حجم التجارة فيها من قبل مجلسها المحلي -الذي لا يقيم أكثر أعضاؤه فيها بسبب الوضع الأمني- بإنشاء منطقة تجارية مثلاً، دفعت التجار لمغادرة المدينة بل والمنطقة كلها باتجاهات مختلفة، مثل مدينة الرقة التي قصدها "وليد" لإعادة افتتاح تجارته فيها، معللاً ذلك بأنها "أكثر أسواق المنطقة الشرقية ازدهاراً اليوم".

كما قصد تجار آخرون منطقة "الجزرات" التي حافظت على نشاط أسواقها، حيث تصل فيها أجرة كراء بعض المحال اليوم إلى 300$ ويزيد، بحسب "عبد الرحيم" التاجر الذي غادر البصيرة أيضاً لكن ليس إلى الجزرات، فقد اختار "عبد الرحيم" مغادرتها شرقاً إلى مدينة هجين، التي تشكل مركز ناحية تابعة لمنطقة البوكمال على الضفة المقابلة لها، وهي إحدى المناطق الثلاثة التي تستوطنها عشيرة الشعيطات في ريف دير الزور، حيث بلغ عدد سكانها 100 ألف تقريباً في إحصاء العام 2004، إلا أن أغلب قاطنيها كانوا قد غادروها سابقاً لاشتداد المعارك في محيطها وقريباً منها، قبل أن يعودوا إليها تباعاً بعد استقرارها، وبعد أن بدأ سوقها ينشط نتيجة حالة الاستقرار الأمني فيها، والحالة السيئة لأسواق البصيرة.

 

مرفق3- خريطة ريف دير الزور الشرقي تظهر عليها مدينة هجين مشاراً إليها.jpg
خريطة ريف دير الزور الشرقي تظهر عليها مدينة هجين مشاراً إليها

 

يقول "عبد الرحيم" إن سوق هجين اليوم يشهد حالة توسع مستمر، مع استعادتها تدريجياً لمكانتها القديمة كمركز تجاري، بل ويعتقد أن لها مستقبلاً واعداً حيث بدأت أجور كراء محالها بالتزايد حتى وصل بعضها إلى 200$.

ورغم الحالة الأمنية السيئة في منطقة البصيرة اليوم، إلا أن أعداد سكانها ما زالت أضعاف ما كانت عليه سابقاً، وسوقها ما يزال نشطاً نسبياً، أما أسواق الجزرات غربي البصيرة وهجين شرقها فهي في حالة ازدهار ونمو متزايد، حيث يقطن المنطقة اليوم معظم أهالي محافظة دير الزور من أبنائها الأصليين، ومن مهجري منطقة الشامية، التي عاشت مدنها وبلداتها ذروة ازدهارها الاقتصادي في الفترة 2013-2015، لكنها اليوم كالخرائب تئن تحت وطأة حكم ميليشيات إيران وقوات النظام، بعد أن فرغت أحياؤها من معظم ساكنيها، وتواضعت أسواقها التي كانت تاريخياً مراكز تجارة الشرق بعد أن خسرت أهم مصارف تجارتها في منطقة الجزيرة وإلى الأراضي العراقية، لتصبح بالكاد تغطي حاجة القلة المقيمة فيها.

مقالات مقترحة
لقاحات كورونا الصينية تصل إلى سوريا يوم غد الخميس
تركيا.. فرض غرامة مالية كبيرة على سوريين بسبب حفل زفاف في أنقرة
صحة النظام: ضغط على أقسام الإسعاف وارتفاع في أعداد مصابي كورونا