تتصاعد في محافظة دير الزور دعوات شعبية وحقوقية لتفعيل مسار العدالة الانتقالية، وسط مشاعر غضب واحتقان اجتماعي بسبب ما يراه ناشطون إفلاتًا من المحاسبة لعناصر سابقين في أجهزة النظام المخلوع وميليشياته، رغم عودة الحياة إلى بعض مناطق المدينة.
خلال الأيام الأخيرة، شهدت دير الزور عمليات اغتيال متفرقة استهدفت أشخاصًا يُشتبه بانخراطهم سابقًا في أجهزة النظام أو في ميليشيا الدفاع الوطني، دون أن تلقى تلك العمليات اهتمامًا واسعًا، بينما قوبلت أنباء عن إفراجات قضائية بحق موقوفين كانوا على صلة بالنظام السابق، بردود فعل غاضبة من أبناء المنطقة، وخصوصًا العائدين من التهجير.
إفراج لعدم وجود ادّعاء
بالمقابل، تتحول كلّ حالة إفراج عن شخص متهم بدعم النظام المخلوع إلى قضية رأي عام، ما يدفع قوى الأمن الداخلي إلى إصدار توضيحات متكررة حول أسباب إخلاء السبيل، وغالبا ما يكون الجواب واحدا: "لا يوجد ادعاء شخصي".
هذا الأمر تكرّر في شائعة طالت ملف "أ . ي"، وهو موظف سابق في أجهزة الأمن ثم قيادي في ميليشيا الدفاع الوطني بدير الزور، حيث أوضح مصدر في قوى الأمن الداخلي لموقع تلفزيون سوريا، أن الإفراج عن بعض الأشخاص المتهمين بالانتماء إلى جيش النظام المخلوع أو ميليشياته يتم وفق القانون، في حال عدم وجود ادعاء شخصي أو أدلة مادية تُدينهم. وأضاف أن الجهات القضائية تفتح باب تقديم الشكاوى بحق هؤلاء علنًا، لكن غياب الادعاءات يفرض الإفراج عنهم.
وفي المقابل، يرى ناشطون أن هذا المبرر لا يقنع الأهالي، لا سيما أن كثيرين منهم فقدوا أبناءهم نتيجة تقارير كيدية واعتقالات عشوائية، كان من ورائها أشخاص معروفون لا يزالون يعيشون في المدينة بحرية. ويرى بعضهم أن تجاهل هذا الملف قد يفتح الباب أمام نزعات انتقامية تقوّض الاستقرار الهش في دير الزور.
ويقول المحامي العام بدير الزور، القاضي قاسم الحميد، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ المفرج عنهم ممّن كانوا ينتمون إلى جيش النظام المخلوع وميليشياته، كانوا قد أجروا تسوية، ولديهم ما يثبت ذلك، ولا يوجد مسوّغ قانوني لاحتجازهم أو توقيفهم إن لم يدّعي أحد عليهم ويقدّم الأدلّة.
ويضيف أنّه من الناحية القانونيّة لا يمكن توقيفهم، لذلك يتم الإعلان عن فتح باب تقديم الشكاوى بحقّهم، إلّا أنّه لا يتقدّم أحد بشكوى، ممّا يضطرنا إلى إخلاء سبيلهم، وتلك مسألة قانونية لا نستطيع تجاوزها.
من جانبه يقول الناشط قتيبة الوكّاع، لموقع تلفزيون سوريا، إن "غياب العدالة الاجتماعية كان من أبرز أسباب انطلاق الثورة السورية، وإن الإنصاف يشكّل جوهر مبادئها، ويضيف أن كثيرين من أبناء الثورة لا يشعرون بالإنصاف عندما يشاهدون عناصر النظام المخلوع أو "شبّيحته" يتنقّلون بحرية في المناطق التي أسهموا في تدميرها، أو بمحاذاة قبور ضحاياهم من الإخوة والأصدقاء الذين كانوا سببا في قتلهم، أو على الأقل وقفوا إلى جانب قتلتهم، ويرى أنه من الطبيعي أن يولّد هذا المشهد حالة غضب قد تقود إلى نزعات انتقامية".
"لا نريد قتلة بيننا"
يعيش سكان دير الزور في مساحة جغرافية محدودة، ما يجعل من الصعب تجاهل وجود شخصيات متورطة في الانتهاكات السابقة. يقول قائد سابق في إحدى فصائل الثورة لموقع تلفزيون سوريا إن "ما يحدث في دير الزور من استهدافات فردية ما زال محدودًا، لكنه قد يتفاقم إن لم تتحقق محاسبة حقيقية"، مضيفًا أن "المدينة لا تنسى، وكل شيء فيها معروف".
ويرى أن عودة بعض العناصر السابقين إلى نشاط اجتماعي أو سياسي دون مساءلة، يُعد استفزازًا لمشاعر العائدين الذين خسروا ذويهم، ويزيد من خطر الفوضى الأمنية، محذرًا من أن "التهدئة الاجتماعية لن تستمر إذا شعر الناس أن العدالة مستحيلة".
قد يعكس الوضع في دير الزور المزاج العام في سوريا المطالب بالاستعجال في تحقيق العدالة الانتقالية، لكن ما يميز المحافظة هو بنيتها الاجتماعيّة القائمة على الروابط العشائريّة، حيث حذر ناشطون وقياديون سابقون من تدهور الوضع الأمني ودخول المدينة في دوامة استهداف عناصر النظام السابقين، ما لم يُتخذ إجراء سريع لمحاسبتهم أو كبح سلوكياتهم التي باتت تستفز العائدين، ومعظمهم من أبناء الثورة، كما يقولون.
يقول قائد سابق في الفصائل التي تشكّلت إبان الثورة السوريّة، فضّل عدم ذكر اسمه، لموقع تلفزيون سوريا، إن "ما يحدث في دير الزور من عمليّات استهداف لعناصر في النظام المخلوع، أقل بكثير مما يحدث في المحافظات الأخرى، فالجميع يدرك حساسية موقع دير الزور، وخاصة محاذاتها لقوّات سوريا الديمقراطيّة، ويؤكد أنّ أحداً لا يريد انزلاق المدينة نحو فوضى جديدة، لكن قدرة التهدئة ليست بلا حدود، خصوصا مع وجود مقاتلين سابقين يرون يوميّا من تسببوا بقتل ذويهم ما زالوا يتجولون أمامهم بكل راحة".
ويشير إلى أنه "يعرف أشخاصا لعبوا أدوارا مباشرة في اعتقال مدنيين عبر تقارير أمنيّة كاذبة، كما يعرف نساء ورجالا عملوا كأدوات استخبارية لدى رؤساء الفروع الأمنيّة، وهؤلاء معروفون للجميع، من دون أن تطولهم أي محاسبة حتى الآن".
ويتابع قائلاً: "ما المطلوب منا؟ هل نعود إلى تشكيل مجموعات لمحاسبتهم خارج إطار القضاء؟ صبرنا طال كثيرا، ولا أعرف كم سيستمر. لا نريد أن يعيش قتلتنا بيننا".
ويحذر من أن "الاستهداف المحدود الذي تشهده المدينة اليوم ضد عناصر النظام السابقين قد يكون مجرد بداية، وأن غياب المحاسبة العلنية سيترك الباب مفتوحا أمام دوامة أوسع من الانتقام".
"التذكير بالجرائم"
على وسائل التواصل الاجتماعي، أطلق ناشطون حملات لتوثيق انتهاكات النظام المخلوع في دير الزور، عبر إعادة نشر مقاطع مصورة وتصريحات قديمة لشخصيات ظهرت داعمة للقتل والاعتقال، كما نشروا معلومات عن بعضهم دون ذكر الأسماء الكاملة، في محاولة للضغط باتجاه تحريك المساءلة.
لكن ناشطين آخرين يرون أن الحل لا يكون بمطاردة الجميع، بل بمحاسبة المتورطين الرئيسيين. ويقول "أبو بكر"، وهو ناشط في المجتمع المدني، إنّ "العدالة لا تتحقق بملاحقة عنصر بسيط، بينما يبقى كبار الفاعلين خارج أي مساءلة". ويرى أن المحاسبة يجب أن تبدأ من القيادات التي أشرفت على الانتهاكات، وأن يُفتح ملف العدالة الانتقالية بشكل جاد ومؤسسي. ويتابع "أعداد عناصر الدفاع الوطني وحدهم كانت تتجاوز 2000 متطوع، عدا عن عناصر الجيش والبعثيين والمناصرين الآخرين، وبالتالي لا يمكن محاسبة الجميع".
ويعتقد أن التركيز يجب أن يكون على كبار الفاسدين والداعمين للنظام المخلوع، مضيفا: "ما الفائدة من محاسبة متطوع بلا تأثير، بينما يعيش قياديون معروفون وغيرهما من كبار الفاسدين في دمشق دون مساءلة، ودون أي متابعة، أنا أرى أنّ ملاحقة قائد ميليشيا الدفاع الوطني، وقائد كتائب البعث؟ وغيرهم أهم بكثير".