تعيش دول الخليج العربي في محيط إقليمي تتقدّم فيه قوى لا تنتمي إلى الدول، بل تعمل خارج مؤسساتها وحدودها. ميليشيات مسلّحة، وشبكات تمويل وتسليح وإعلام، تتجاوز الجيوش النظامية وتتحرك وفق حسابات محور إقليمي واحد هو إيران، التي جعلت من تلك الميليشيات أداتها الأساسية لبناء النفوذ منذ عام 1979.
وبات واضحاً اليوم، بعد الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، أن دول الخليج العربي تلقت خلال أضعاف ما تتلقته إسرائيل من صواريخ ومسيّرات إيرانية، وهذا وحده يكشف أن دول الخليج كانت وما تزال في قلب دائرة الاستهداف، حتى ولو لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب على إيران.
بهذا النموذج، لم يعد الصراع في المنطقة صراعاً بين دول متجاورة، بل صراعاً بين مشروع دولة يقوم على السيادة والقانون، ومشروع نفوذ عبر الوكلاء يعتمد على جماعات مسلّحة تتجاوز الحدود وتعيد تشكيل موازين القوة داخل الدول. وفي قلب هذا الاشتباك، تجد دول الخليج نفسها أمام تحدٍّ مباشر يمسّ أمنها واقتصادها واستقرارها الداخلي، فكل صاروخ أو مسيّرة تُطلق من ساحة عربية مرتبطة بالمحور الإيراني يحمل ضمنياً رسالة إلى الخليج، مهما كان الهدف المعلن مختلفاً.
ولفهم كيف وصلت المنطقة إلى هذا الشكل من التشابك، لا بد من العودة إلى اللحظة التي أعادت فيها إيران تعريف أمنها ودورها الإقليمي. فبعد ثورة 1979، حيث لم تُصغ طهران سياستها الخارجية بوصفها دولة تبحث عن توازن مع جيرانها، بل بوصفها مركزاً لمشروع يتجاوز الحدود، يقوم على فكرة أن حماية النظام لا تتحقق داخل إيران فقط، بل عبر الإمساك بخيوط التأثير في الدول المحيطة. ومن هنا بدأ الاستثمار المنهجي في بناء شبكات نفوذ قُدمت تحت شعارات “نصرة المستضعفين” و“الدفاع عن فلسطين”، كغطاء سياسي وأخلاقي سمح لها بالتغلغل في المجتمعات العربية. ومع الوقت، تحوّلت هذه الشبكات إلى جماعات مسلّحة موازية للدولة، تتلقى دعماً مباشراً من إيران وتعمل وفق أولوياتها، حتى لو تعارضت مع مصالح المجتمعات التي تنشط داخلها، ليصبح البعد العقائدي أداة عملية لإعادة تشكيل موازين القوة في عدد من الدول العربية.
ولفهم كيف وصلت المنطقة إلى هذا الشكل من التشابك، لا بد من العودة إلى اللحظة التي أعادت فيها إيران تعريف أمنها ودورها الإقليمي. فبعد ثورة 1979، حيث لم تُصغ طهران سياستها الخارجية بوصفها دولة تبحث عن توازن مع جيرانها، بل بوصفها مركزاً لمشروع يتجاوز الحدود
في العراق، أدّى صعود الجماعات المسلّحة المرتبطة بطهران إلى تقليص سلطة الدولة وتحويل القرار الأمني إلى مساحة تفاوض دائمة بين قوى داخلية وخارجية. وفي لبنان، أصبح سلاح حزب الله عنصراً حاكماً في توازنات الدولة السياسية والاقتصادية، إلى حدّ باتت معه الدولة عاجزة عن فرض قرارها في السلم أو الحرب.
أمّا في سوريا، فقد أتاح انهيار مؤسسات الدولة خلال الحرب فرصة لبناء حضور إيراني مباشر وغير مباشر، ولولا إسقاط نظام الأسد لكانت البلاد أمام نموذج لا يختلف كثيراً عن الحالة اللبنانية، حيث تحكمت الميليشيات بالقرار على حساب سلطة الدولة. وفي اليمن، قدّم صعود الحوثيين المثال الأوضح على قدرة جماعة محلية مسلّحة على تغيير شكل الدولة بالكامل وجرّ المنطقة إلى واحدة من أعقد أزماتها.
وعلى اختلاف ظروف هذه النماذج، إلا أنها تلتقي عند نتيجة واحدة: تآكل سلطة المركز، وتعدّد مراكز القوة، وتحويل القرار الوطني إلى حصيلة تفاهمات تُدار من خارج الحدود.
هذه التحوّلات لم تبقَ محصورة داخل حدود الدول التي شهدتها، بل امتدّت آثارها إلى الخليج مباشرة. فوجود جماعات مسلّحة مرتبطة بمحور خارجي في دول عربية متجاورة يعني أن خطوط التجارة والممرات البحرية ومنشآت الطاقة أصبحت جزءاً من معادلة الصراع، حتى عندما لا تكون دول الخليج طرفاً مباشراً فيه. ومع كل أزمة جديدة في العراق أو لبنان أو سوريا أو اليمن، يتبدّى أن الخطر لا يكمن في الجبهة نفسها، بل في قدرتها على التأثير في أمن الإقليم بأكمله، وتحويل الأزمات المحلية إلى أدوات ضغط تُستخدم لابتزاز دول الخليج أو تهديد مصالحها الحيوية.
هذا الواقع دفع دول الخليج إلى إعادة صياغة مفهوم أمنها الوطني بصورة جذرية. فالأمن لم يعد يُختزل في حماية الحدود أو تأمين المنشآت الحيوية، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الدولة على إدارة شبكة واسعة من العوامل الإقليمية والدولية التي تؤثر في استقرارها الاقتصادي والسياسي. ومن هنا برزت الحاجة إلى سياسات خارجية أكثر فاعلية، وإلى تنويع الشراكات، وتعزيز أدوات الردع والدبلوماسية، لضمان استمرار نموذج الدولة المستقرة في بيئة إقليمية تتسم بالاضطراب وتعدّد مراكز القوة.
فجوهر الإشكال لا يكمن في اختلاف المصالح بين دول متجاورة، بل في صدام بين منطقين متباينين لبناء الإقليم: منطق الدولة التي تستند إلى القانون والحدود والسيادة، ومنطق الشبكات العابرة للدول التي تُعيد تشكيل موازين القوة من خارج المؤسسات. وهذا التباين لا يهدد استقرار الدول فحسب، بل يخلق بيئة سياسية واقتصادية يصعب فيها بناء علاقات طبيعية أو صياغة تفاهمات دائمة، لأن طرفًا يتحرك وفق قواعد الدولة، بينما يتحرك الطرف الآخر وفق قواعد تتجاوزها. ومن هنا يصبح الخلاف مع السياسات الإيرانية خلافًا حول شكل النظام الإقليمي نفسه، لا حول ملف واحد أو ساحة واحدة.
في النهاية، يبدو أن مستقبل الاستقرار في الخليج العربي وسائر الدول العربية لن يُحسم في ساحات الصراع وحدها، بل في القدرة على ترسيخ نموذج الدولة القادرة على حماية مؤسساتها وصياغة قرارها الوطني بعيداً عن ضغوط المحاور. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في مواجهة جماعات مسلّحة هنا أو نفوذ خارجي هناك، بل في بناء منظومة إقليمية تعيد الاعتبار للقانون والسيادة وتضع حدوداً واضحة لاستخدام القوة خارج إطار الدولة.
وفي عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، يصبح الحفاظ على الدولة الوطنية بوصفها الإطار الوحيد القادر على إنتاج استقرار وتنمية شرطاً أساسياً لأي نظام إقليمي قابل للحياة. ومن دون هذا الأساس، ستظل المنطقة رهينة صراعات تتجدد، وجبهات تُفتح وتُغلق، في حين يبقى الأمن والتنمية رهينين لمعادلات لا تصنعها الدول بل القوى التي تتجاوزها.
وفي ضوء التطورات الراهنة، ولا سيما تجدد القصف الأميركي على إيران، يتأكد أن هذه المعادلة لم تتغير بعد. فالتوترات المتجددة تعيد التذكير بأن الصراع بين مشروع الدولة ومشروع المحور العابر للحدود ما يزال قائماً، وأن التحديات التي تواجه دول الخليج ليست ظرفية، بل جزء من بيئة إقليمية مستمرة تتطلب تعزيز قدرة الدولة على حماية قرارها الوطني وسط مشهد لا يهدأ.
حين يتحوّل تحليل البيانات إلى ادعاء مراقبة محاكمة السويداء
قراء نقدية في مشروع النظام الداخلي لمجلس الشعب السوري
دول الخليج العربي بين مشروع الدولة ومشروع المحور الإيراني
مخاض العدالة بين الأمعاء الفارغة ومرارة المظلومية
من عدرا إلى كاليفورنيا.. محاكمة مدير سجن عدرا السابق