دور المجتمع المدني في اللجنة الدستورية

تاريخ النشر: 14.01.2022 | 05:15 دمشق

تعكف مجموعة من أعضاء اللجنة الدستورية، من فئة ما يُدعى بـ (كتلة المجتمع المدني)، منذ شهر أيار من العام الفائت، على إجراء حوارات ومباحثات فيما بينها، بهدف إنتاج تصوّر مشترك ربما يفضي إلى كتابة دستور لسوريا المنشودة، علماً أن (كتلة المجتمع المدني وعددها خمسون) هي إحدى الكتل الثلاث (معارضة – نظام – مجتمع مدني) التي من المفترض أن تعمل متشاركة لإنتاج دستور، فما الذي يجعل من الكتلة الأخيرة تنزع نحو العمل منفردةً، بعيداً عن الكتلتين الأخريين؟

يجيب عن هذا السؤال عدد من أعضاء الكتلة المذكورة بأن ما دفعهم بهذا الاتجاه هو يقينهم بأن طرفي (المعارضة – النظام) كلاهما متورط بارتكاب جرائم بحق المواطنين السوريين، مثلهما كمثل بقية القوى الموجودة على الجغرافية السورية رغماً عن السوريين، وبالتالي فإن جميع تلك القوى هي متساوية، من حيث ارتكابها جرائم على الأرض السورية، وتبقى الفئة التي تمثل (المجتمع المدني) كطرف محايد نظيف اليد، غير منحاز سوى إلى القانون والمبادئ الأخلاقية والإنسانية، هي صاحبة الأولوية في كتابة دستور للسوريين.

ما ينبغي تأكيده أن كاتب هذه السطور لا ينظر إلى (اللجنة الدستورية) سوى أنها إحدى الكوارث التي يراكمها الروس فوق رؤوس السوريين منذ أواخر أيلول 2015 وحتى الوقت الراهن، وبالتالي فإن مناقشة إحدى جزئيات هذه (الكارثة) لا يعني إقراراً بتقبّلها من باب أنها باتت أمراً واقعاً، بل من أجل بيان المزيد من كارثيتها. وهذا ما يتيح لنا التوقف عند أكثر من مسألة، لعل أبرزها:

أولاً: لعل ادّعاء مجموعة من كتلة المجتمع المدني بالمساواة بين كافة أطراف الصراع في سوريا، ينسجم بل يتماهى مع طبيعة فكرة (اللجنة الدستورية) الأصل، والتي هي مُنتج روسي تم تصديره من سوتشي أواخر العام 2018 ، حيث أرادت روسيا الالتفاف على مضمون القرارات الأممية ذات الصلة بالعملية السياسية، فدعت حشداً من السوريين، وأكدت لهم أن المشكلة ليست في نظام الأسد، بل لديكم – أنتم السوريين- كشعب غير متجانس، بل متناحر عرقياً وطائفياً وإثنياً، وقد أفضى هذا الاحتقان المجتمعي إلى انفجار بركاني ملأت مقذوفاته القاعدية والداعشية والنصراوية جميع الأرض السورية، في الوقت الذي يقف فيه بشار الأسد وجيشه وميليشياته، وبمؤازرة حلفائه الروس والإيرانيين، في مواجهة هذا "البركان الإرهابي"، بغية احتوائه أو القضاء عليه. وبهذا يكون نظام الأسد قد ظفر بصك براءة مما اقترفه بحق السوريين، وبات طرفاً كباقي الأطراف المتصارعة، والتي ينبغي عليها مجتمعةً – وفقاً للرؤية الروسية – أن تمضي إلى كتابة دستور يصون حقوق الأقليات بحسب لافروف، ولا يؤدي إلى انتقاص من صلاحيات رأس النظام بحسب لافرينتييف.

ولئن بدا سلوك روسيا – سياسياً ودبلوماسياً – منسجماً مع مسعاها الميداني الذي أودى بحياة الآلاف من السوريين، فإن مسعى البعض من أعضاء كتلة المجتمع المدني نحو التماهي مع الرؤية الروسية لا يفضي إلى تعزيز المسعى الروسي وتبريره فحسب، بل إلى نسف فكرة الثورة بالأصل، وتوجيه إهانة كبيرة لتضحيات السوريين جميعاً، وذلك حين يتجاهل هؤلاء جذر المشكلة التي تكمن في نظام مستبدّ متوحّش جاثم على صدور السوريين منذ نصف قرن، وقد ازداد توحّشاً وضراوة حين باغتته أول صيحة نادت بالحرية، بل ربما ما لا يريد هؤلاء مواجهته هو أن قتل السوريين بالسلاح الكيماوي والبراميل المتفجرة، واعتقال مئات الآلاف من المواطنين وجميع الممارسات الوحشية بحق المعتقلين، ونزوح وهجرة نصف الشعب السوري خارج البلاد، هذه الشناعات جميعها هي حقائق أثبتتها تحقيقات دولية ووثقتها منظمات وجهات حقوقية عالمية، وليست من ادّعاءات مناوئي الأسد (الإرهابيين) كما يدّعي الروس، ربما كان من الصحيح أن ثمة انتهاكات لا يمكن تجاهلها لقوى الأمر الواقع على امتداد الجغرافية السورية، وهي انتهاكات لا يمكن تجاوزها أو تبريرها، بل هي مدانة وتوجب المساءلة والمحاسبة، ولكنها جميعها تداعيات للمشكلة الجوهرية التي تتمثل بالمصدر الأسدي للجريمة المستمرة، ثم أليس غريباً إصرار هؤلاء على حصر منبع الإرهاب بالشعب السوري وتجاهل الكثير من الحقائق التي تتكشف يوماً بعد يوم، مُفصِحةً عن الأدوار الخارجية في صناعة وإدارة ودعم التنظيمات الإرهابية على الجغرافية السورية؟ ألم يقم نظام الأسد ذاته، بنقل مجموعات داعش بالحافلات المكيّفة من حي الحجر الأسود في دمشق، في تموز 2018، إلى الريف الشمالي للسويداء، ليفترسوا في ليلة الخامس والعشرين من تموز، أكثر من 220 ضحية من أهالي السويداء، في خطوة كان يريد منها الأسد أن يضع الأهالي بين خيارين لا ثالث لهما: إما الانصياع لأوامر النظام ومشيئته بالتحكم بمصير السويداء، وإما معاقبتهم بالدواعش؟

ربما كانت إحدى تطلعات السوريين الهامة إبان انطلاق ثورته ، هي ولادة مجتمع مدني حقيقي يجسّد دوراً مجتمعياً مناصراً لمصالح المواطنين ورديفاً قوياً داعماً لرغبتهم في الانتقال من حكم التسلّط والتوحّش السلطوي إلى دولة القانون والعدالة والديمقراطية.

ثانياً: ربما لم يكن بوارد حسابات السوريين يوماً ما، أن في بلدهم مجتمعاً مدنياً يرقى – من حيث فاعليته وسلامة نشأته – إلى درجة أنه يسهم في صياغة مصير السوريين ومستقبلهم، بل ربما بات ما يعلمه السوريون بداهةً أن نظام الأسد في حقبتي الأب والابن، تمكّنت أدواته الأمنية من التوغّل، ومن ثم الإمساك والتحكّم بمفاصل العلاقات الاجتماعية حتى ضمن العائلة الواحدة، ولا يمكن أن يتيح المجال لانبثاق نشاط اجتماعي مدني ذي أطر مؤسساتية  ليعمل بعيداً عن هيمنة السلطة، فالسطوة الأمنية التي هي جزء من بنية السلطة وليست ظاهرةً طارئةً عليها، وسعي النظام الدائم إلى تسخير أي حراك مدني في خدمته، وبالتالي إلى إعادة إنتاجه، قد حال دون تبلور حقيقي لنشاط مدني ينبثق من الحاجات الأساسية للمجتمع، ويجسّد تطلعات المواطنين بعيداً عن مراكز القرار السلطوية، ولعلّ هذا وحده كافٍ للتأكيد على أن الوجود الفعلي لمفهوم (المجتمع المدني) هو وجود منقوص القيمة.

ثالثاً: هل يعني تشكيل جمعيات، بعد عام 2011، خارج الأرض السورية تعمل في الإغاثة أو الأنشطة الأخرى، وجود مجتمع مدني حقيقي؟ علماً أن القائمين على تلك الجمعيات أو المنظمات – وبحكم نشأة منظماتهم وقدرتهم على التشبيك أو بناء علاقات مع الجهات الراعية -  هم معروفون من جانب الجهات الداعمة لهم أكثر من المواطنين السوريين، فكيف سيحوزون على ثقة من سيمثلونهم أو يصوغون دستورهم؟ وخاصة إذا علمنا أن من يعيّنهم النظام من طرفه ضمن قائمة المجتمع المدني، هم من اختيار فروع المخابرات السورية وليسوا ممّن يختارهم المواطنون نتيجة لنشاطهم أو خدماتهم ذات النفع العام للمجتمع.

ربما كانت إحدى تطلعات السوريين الهامة إبان انطلاق ثورته ، هي ولادة مجتمع مدني حقيقي يجسّد دوراً مجتمعياً مناصراً لمصالح المواطنين ورديفاً قوياً داعماً لرغبتهم في الانتقال من حكم التسلّط والتوحّش السلطوي إلى دولة القانون والعدالة والديمقراطية، وهذا ما حاولت أن تجسّده نقابات المحامين والمهندسين في ثمانينيات القرن الماضي، ولكن النظام واجهها بالقمع، فسجن العديد من أعضاء تلك النقابات ونكّل بهم طيلة سنوات عديدة، أمّا أن يظهر مجتمع مدني يدشّن ولادته بخطوات صادمة لمن يدّعي تمثيلهم، فتلك مصيبة المصائب.