في ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي تعيشها مدينة اللاذقية، برزت مبادرة مجتمعية تهدف إلى تمكين النساء وتعزيز دورهن في مواجهة تحديات المعيشة. فقد أطلقت مؤسسة الغيث الخيرية مجموعة من الدورات التدريبية المخصصة لتعليم النساء صناعة المنظفات، لتتحول هذه الخطوة إلى نافذة أمل لعدد كبير من السيدات اللواتي يبحثن عن مصدر دخل إضافي أو وسيلة لتخفيف أعباء الحياة اليومية.
وانطلقت الدورات بدايةً في أحياء علي جمال والغراف في اللاذقية، على أن تشمل خلال الفترة المقبلة حي الدعتور وأحياء أخرى في المدينة. المبادرة لم تقتصر على جانب مهني فقط، بل حملت بعداً اجتماعياً وإنسانياً من خلال إتاحة الفرصة للنساء من مختلف الأعمار والخلفيات، وخاصة الأرامل والمطلقات والمعيلات لأسرهن.
المدربة مريم إسقاطي، المشرفة على التدريب، أوضحت لموقع تلفزيون سوريا أنّ الهدف الأساسي كان "تمكين النساء عبر تزويدهن بخبرات عملية تؤهلهن لدخول سوق العمل، أو على الأقل تمنحهن القدرة على تحقيق اكتفاء ذاتي داخل منازلهن". وأضافت أن الأولوية في القبول أعطيت للنساء اللواتي يواجهن ظروفاً معيشية صعبة، مؤكدة أن جميع الدورات كانت مجانية بشكل كامل مع توفير الأدوات والمواد اللازمة.
وبيّنت إسقاطي أنّ مدة الدورة بلغت شهراً كاملاً، بمعدل ثلاث جلسات أسبوعياً، واستمرّت كل جلسة لساعتين. وأشارت إلى أن الأيام والمواعيد حُدّدت بالتوافق مع رغبة المتدربات لتسهيل مشاركتهن، خاصة اللواتي يتحملن مسؤوليات أسرية كبيرة.
خبرة طويلة وتجارب ناجحة
تحدثت إسقاطي عن تجربتها في مجال التدريب منذ عام 2015، حيث درّبت مئات النساء في اللاذقية وما زالت كثيرات منهن يعملن حتى اليوم في صناعة المنظفات.
وقالت:"هذه المهنة بسيطة لكنها تحقق دخلاً مقبولاً، كما أن منتجاتها مطلوبة دائماً سواء في السوق أو داخل المنزل. نحن لا نقتصر على تعليم صناعة الصابون وسوائل الجلي فقط، بل نغطي مجموعة واسعة من المواد مثل منظفات الأرضيات والحمامات والمعطرات."
واعتبرت أن أهمية هذه التدريبات تنبع من كونها تلبي حاجات النساء أولاً، وتستجيب للواقع الاقتصادي الصعب الذي يعانين منه. كما أشارت إلى أن التدريب لم يكن مجرد تلقين نظري، بل اعتمد على التطبيق العملي المباشر، ما جعل المشاركات يشعرن بالثقة بأنفسهن وبقدرتهن على ممارسة العمل بمفردهن بعد انتهاء الدورة.
أصوات المشاركات
المشاركة غالية شاخشرلي، وهي خريجة قسم الكيمياء وأم لثلاثة أولاد، روت قصتها لموقع تلفزيون سوريا قائلة إنها اضطرت لترك دراستها الجامعية مؤقتاً بعد الزواج، لكنها أصرت على إكمالها لاحقا رغم الصعوبات. وبعد التخرج وطنت وقتها لأولادها، لكنها مع دخول اثنين منهم المدرسة، قررت أن تعيد النظر في مسيرتها الشخصية.
وأضافت: "شاركت في الدورة لأنها قريبة من تخصصي ولأنني أحببت أن أتعلم شيئاً عملياً أستفيد منه. بعد أن أنهينا التدريب، جلبت المواد والأدوات اللازمة وبدأت أطبّق في المنزل. نجحت في صناعة سائل الجلي والمعطر وشعرت بسعادة كبيرة لأنني حققت شيئاً بيدي."
وأكدت شاخشرلي أن التجربة أعطتها دافعاً لتفكير أكبر في المستقبل: "أطمح لتوسيع عملي وتحويله إلى مشروع صغير، رغم أنه يحتاج لرأس مال وتجهيزات إضافية. لكن ما تعلمته اليوم خطوة أولى مهمة."
من جانبها، تحدثت نسرين اللاز (48 عاماً) وهي أم لطفلين، للموقع عن مشاركتها في الدورة بعد أن علمت بها عبر صفحة الجمعية على "فيسبوك". وقالت: "سجلت وتم قبولي، وكنا 12 متدربة. بدأنا بالتعليم النظري ثم انتقلنا إلى التجريب العملي. تعلمت صناعة الصابون وجل العملاق ومعطر الأرضيات ومزيل الدهون، وكان أسلوب المدربة لطيفاً وصبوراً"
وأشارت اللاز إلى أن قرب مقر الجمعية من منزلها سهّل مشاركتها، لافتة إلى أنها باتت تصنع معظم المنظفات التي تحتاجها عائلتها. وأوضحت: "حضّرت خمسة لترات من سائل الجلي بكلفة 40 ألف ليرة سورية، في حين سعرها في السوق يصل إلى 60 ألفاً. الفرق لم يكن في السعر فقط، بل أيضاً في الجودة، إذ إن المنظفات المنزلية أكثر فعالية وتدوم فترة أطول."
أهمية اجتماعية واقتصادية
لا تقتصر أهمية هذه الدورات على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد لتشمل الأثر الاجتماعي والنفسي. فالمشاركات أكدن أن التجربة منحنهن شعوراً بالثقة والقدرة على الإنتاج، في وقت تعاني فيه الكثير من النساء من البطالة أو من الاعتماد الكلي على دعم الآخرين.
تقول شاخشرلي إن مبادرات كهذه ليست مجرد وسيلة للرزق، بل أيضاً فرصة للنساء لتحقيق ذواتهن وإثبات قدرتهن على مواجهة التحديات. أما نسرين اللاز، فترى أن الدورة حققت لها اكتفاء ذاتياً خفف من الضغوط المادية، وأتاح لها المشاركة بفعالية أكبر في إدارة شؤون أسرتها.
لمهن المنزلية بديلاً عملياً
تأتي هذه المبادرات في وقت يواجه فيه المجتمع السوري صعوبات معيشية متفاقمة، حيث ينعكس الغلاء وارتفاع الأسعار بشكل مباشر على الأسر، وخاصة النساء المعيلات. وفي ظل غياب فرص العمل الرسمية، تشكّل المهن المنزلية بديلاً عملياً يمكن أن يسد جزءاً من الاحتياجات.
ورغم نجاح هذه الدورات في تحقيق أهدافها التعليمية، إلا أن المشاركات ومعظم القائمين على المبادرة أجمعوا على أن الخطوة التالية يجب أن تتضمن برامج لدعم المشاريع الصغيرة وتمويلها، بحيث تتحول المهارات المكتسبة إلى مصدر دخل مستدام. فصناعة المنظفات أو الخياطة أو غيرها من الحرف البسيطة يمكن أن تصبح مشاريع قائمة بذاتها إذا ما توفرت لها الإمكانيات الأولية.