"دم الأخوين" لـ فواز طرابلسي.. جدلية حيوية تفاعلية بين الفن والواقع في الحرب

تاريخ النشر: 16.09.2021 | 08:14 دمشق

آخر تحديث: 16.09.2021 | 09:50 دمشق

علاء رشيدي

إن الحضور المكثف والتنوع للآداب والفنون في تحليل الكاتب (فواز طرابلسي) لموضوع العنف في الحروب الأهلية في كتابه "دم الأخوين: العنف في الحروب الأهلية"، يسمح لنا بقراءة الكتاب كونه يتناول الفن والأدب في الحروب الأهلية.

وفي هذا المجال، فإن تتبع الأعمال الفنية والأدبية في الكتاب لا يقتصر على دراسة الإنتاجات الفنية والأدبية باعتبارها فقط تمظهرات أو تعبيرات عن حضور العنف في المجتمع، بل يصل الكتاب إلى تلك العلاقة المعقدة بين الفن، الواقع، والحرب، ليجعل منها لعبة مرايا ثلاثية، تجعل أيضاً من الواقع نتاجاً للمخيال الفني والأدبي.

الأعياد الشعبية والطقوس الاحتفالية تعبير عن العنف ومشاركة فيه

ولدراسة هذه العلاقة الخاصة بين الفن والواقع والحرب التي يتناولها الكتاب، لابد من توسيع أطر التصنيفات الفنية لاعتبار الطقوس والأعياد الشعبية والدينية كأعمال فنية. فبالاعتماد على كتابات (رينيه جيرار) عن (العنف والمقدس) وكتابات (ميخائيل باختين) عن الكرنفال، يحلل الكتاب طقس عيد البربارة المنتشر الاحتفال به في عدد من المناطق اللبنانية، يحتوي عيد البربارة بصيغته اللبنانية على معظم عناصر الاحتفال الكرنفالي، ويقارنه الكاتب بالصيغة غير الاستهلاكية التي يجسد فيها الروائي البرازيلي (خورخي آمادو) احتفالات البلاد الكرنفالية: "خلال تلك الأيام الاستثنائية، الانقلابية، يحكم الفقراء أنفسهم بأنفسهم، أو على الأقل، يحكمهم واحد منهم. لكن في نهاية الكرنفال، يعمد المحتفلون إلى قتل الملك والملكة. يكون القتل جسدياً في بعض الحالات التي أصبحت مادة، ويكون القتل رمزياً في كل الحالات التي تتجسد بحرق صنمين يمثلان الملك والملكة، كما هو الحال في ختام كرنفال نيس المدينة الفرنسية الجنوبية، وفي الحالتين، الفعلي والرمزي، ممارسة القتل حبلى بالدلالات الملتبسة".  

هذه الطاقة التي تربط الطقس الشعائري بالعنف، يقرأ من خلالها فواز طرابلسي، أحداث عيد البربارة الأول في الحرب اللبنانية، ليبين العلاقة بين الطقس العيد وبين العنف: "في الأشهر الأولى من الحرب اللبنانية، اكتسى العنف طابع الاحتفال الكبير بعيد البربارة، في الاحتفال، انقلب النظام الاجتماعي وصار العيد أشبه بعملة إعادة توزيع عمومية للثروات. فكانت عمليات نهب مرفأ بيروت ووسط المدينة وأحياء الفنادق والقنطاري. تناوب المقاتلون من جانبي خطوط التماس على نهب وسط المدينة. تقنع العديد منهم بالأقنعة، ولم تكن الأقنعة تستخدم لمجرد التغطية على هوية المقاتلين الشبان. كانت الأقنعة بمثابة العودة إلى المسرح القديم الذي كان يشكل دوماً جزءاً من الحرب حسب تعبير (جوناثان راندل). لكن المسرحية، هذه المرة، لم تكن تمثل على خشبة المسرح، بل في شوارع الحياة". ما يقارنه الكاتب لاحقاً في نصه بمسرحية (هالة والملك، الأخوين رحباني)، حيث هالة الوحيدة غير المقنعة في بلدة من الخداع والفساد يرتدي كل سكانها الأقنعة.

العنف القاتل للبشر، العنف الكاره للحياة

تتميز الحروب الأهلية عن الحروب الدولية، بحضور طاغٍ لشخصية القناص لأنه يلعب دوراً أكبر في الصراع المسلح بين المدن، الأحياء وعلى الأبنية. يدرس المؤلف حضور القناص في الفن من خلال رواية (حكاية زهرة، حنان الشيخ) التي ترى فيها الروائية بأن القناص لا يكتفي بقتل الأبرياء، إنه يغتال الحياة ذاتها. في رواية حنان الشيخ حكاية زهرة، يمكن قراءة انجذاب زهرة الجنسي إلى القناص على اعتباره رغبة لديها بالتوجه نحو الموت. مهما يكن، فإن رغبة زهرة تفضح حقيقة القناص ذاته. ما تجهله زهرة أنها إذ تجامع القناص، تحكم على نفسها بالموت. فمن المجامعة تولد حياة تحملها زهرة في أحشائها. تحلم زهرة بأن القناص سيتزوجها ذات يوم. أما القناص، فما في الحقيقة سوى العنة والعقم. هي العنة التي تولد العنف، كما تشير حنة أرندت. لهذا، فإن زهرة حين تحمل من القناص تحكم عليه بالإعدام، لأنها تحمل في أحشائها نقيضه، الخصوبة والحياة. إن قناصاً خصيباً ليس بالقناص. لن يقع القناص في الفخ. بحذر، بلا رحمة، وبسرعة خاطفة، يقنص القناص المرأة التي تحمل الحياة في أحشائها، تلك الحياة التي هي موته.

"الحرب مصرفي، ذهبه اللحم الحي"- أسخيليوس

تستكشف رواية الكاتب الألباني (إسماعيل كاداريه) بعنوان (نيسان المكسور) مجموعة الأعراف المركبة والبالغة التعقيد التي يرتكز عليها القانون الألباني القائم على المبدأ القائل بأن العنف نمط من التبادل، تبادل الدم بين الجماعات، يخضع لقواعد عرفية هي الأكثر صرامة وشكلانية يلتزم بها المعنيون حتى أدق تفاصيلها. يعين القانون الألباني شكليات الانتقام، وطقوسه ومواعيده، ويقرر تحليل الدم وتحريمه وفقاً لحالات ومواقيت معينة، هي الأشهر الحرم، على غرار السائد عادةً وعرفاً في أي مجتمع رعوي قائم على الغزو. ويعين القانون أيضاً أثمان الدم، أو الفديات، ومن يعينها ويقبضها، ويطلق عليهم الروائي لقب "أسياد الدم"، وهم أولئك الذين يقبضون ثمن الدم وثمن استعادة الدم على الصعيد المادي، والرمزي والسلطوي. في رواية (نيسان المكسور)، يرد توصيف عناصر هذا الاقتصاد السياسي للثأر خلال تبادل أحاديث بين عريسين جداءا لدراسة العادات والتقاليد في الأطراف الريفية الألبانية، تقول (ديان) في الرواية: "الدم المراق، الدم المستعاد، إنك تتكلم عن هذه الأمور كما لو أنها عمليات مصرفية".

حيوية الصورة المستمرة عبر الواقع

بما يشبه الفصل المخصص لدراسة الصورة في الحرب الأهلية، يكتب المؤلف عن معرض الفنانة اللبنانية (زينة معاصري) عن (ملامح النزاع: الملصق السياسي في الحرب الأهلية اللبنانية)، وهو يدرس البوسترات والملصقات البصرية التي أنتجتها الأطراف المتقاتلة في الحرب الأهلية اللبنانية، وبالإضافة إلى المعرض فإن الفنانة تحلل في كتاب هذه الإنتاجات البصرية من حيث الشكل والمحتوى. وتجد بأن ما يميز ملصقات الحرب الأهلية هي التحفيز على التغلب على العدو وتحطيم معنوياته، وتنفخ النرجسية الجماعية والتعبئة لمزيد من الأسباب الدافعة إلى الموت. وكما هو الكرنفال، فإن للصورة أيضاً حيوية مستمرة في الفاعلية داخل الواقع، في نظريته عن "الصورة الفعل"، يثير مؤرخ الفن الألماني (هورست بريدكامب) مفهوم "حيوية الصورة". ويطرح مقولة أن الصور تتمظهر في أشكال متجددة باستمرار من "الإحيائية، الحيوية"، ومن الأمثلة التي يدرسها بريدكامب عل ذلك صورة شهيرة لثائر روماني يوجه حربته إلى صورة لتشاوشيسكو. فلمَ كان الثائر لا يستطيع توجيه الطعنة إلى وجه الديكتاتور الروماني فعلياً، وجه فعل القعبا إلى الصورة. وكذلك وزعت وكالات الأنباء صورة متظاهرين مصريين يدوسون بالأرجل صورة كبيرة للرئيس حسني مبارك خلال الإضراب العام الشهير يوم 6 مايو 2008 ضد غلاء المعيشة في مصر. وسابقاً، كان فلسطينيون قد عبروا عن معارضتهم صدام حسين، بإطلاق النار على صورته في قريتهم، يتابع المؤلف: "إنسان يقتل صورة، الأمر نفسه يمكن أن يقال عن قائد الدبابة العراقي الشهير العائد من حرب الكويت في آذار 1991 حين وجه مدفع دبابته ليفجر جداراً عليه صورة صدام حسين في مدينة البصرة الجنوبية، وأطلق الفعل الرمزي انتفاضة من عشرات الألوف من أهالي جنوب العراق ضد نظام صدام".

المنحوتات الطينية في التعبير عن الفقد، الألم، والموت

تحت عنوان (كاثي كولفتس: وجوه الأمومة في وجه الطغيان والموت) يتوقف المؤلف عند الأعمال النحتية لهذه الفنانة التي هيمنت صورة الموت على نتاج سنواتها الأخيرة. رسمت أعمالاً بالفحم وحفرت أخرى على الحجارة والخشب والمعدن. جسدت الموت تجسيداً في عدة أعمال: (امرأة تستقبل الموت، فتاتة في حضن الموت، الموت يحصد مجموعة أطفال، الموت يتعارك مع امرأة، الموت على الطريق العام، الموت في الماء، نداء الموت، الموت صديقاً). لقد فقدت الفنانة ابنها الذي مات في الأسابيع الأولى من الحرب العالمية الأولى. ففتحت بأعمالها الفنية جرحها الشخصي على جراح الآخرين، ونحتت لابنها نصباً بسيطاً ومؤثراً: أب وأم راكعان عند قبر ولدهما. الأب مكتف الديني كأنه يعتصر الأمل، والأم تمد يداً نحو قبر غير مرئي، لتودع الغائب أم لتستحضره؟، ويتابع المؤلف: "أما عن الحرب، قصد صورت كولفتس الشبان المتطوعين للقتال أشبه بمن استولت عليهم الجذبة، هائمين على وجوههم كأنهم لا يدركون أنهم مسوقون إلى الذبح. تلتبس الصورة أحياناً. في شطحات فحم قاسية، أمهات في حالة متأرجحة بين تسليم أبنائهن للحرب وبين ثنيهم عن الذهاب إليها. وأحياناً تتضح الصورة، بأن الأمهات يحمين أبناءهن من مفارز التجنيد". وصف أعمالها الناقد (غيرهارت هوبتمان): "خطوطها الصامتة تخترق النخاع العظمي مثل صرخة ألم".

مسرح العدوان على الواقع بين موللر والماغوط

تحت عنوان (مسرح العدوان على الواقع) يدرس المؤلف مسرح الكاتب الألماني (هاينر مولر) الذي شبه نفسه بالفنان الإسباني فرانشيسكو غويا الذي عاش الانقسام الحاد بين إيمانه بمبادئ الثورة الفرنسية بالحرية والمساواة ورفضه الصامت لمرحلة العنف والديكتاتورية التي فرضها نابليون على أوروبا، فأصبح فنه كناية عن عدوان على الواقع، يكتب طرابلسي: "وأحسب أن هذا العدوان الذي يمارسه الفن والفنان على الواقع هو أكثر ما استهوى موللر عند المعلم الإسباني، بل يمكن القول إن هاينر موللر نفسه فنان يعتدي على الواقع من خلال المسرح". ويقارن المؤلف بين أسلوب بيكاسو في لوحة (غورنيكا) والتقنيات في مسرح موللر: "ومثل تقنية التصوير لدى بيكاسو، خصوصاً في مرحلته الأخيرة، يعبر كل شغل موللر المسرحي عن رغبة عميقة في الضغط، والاختزال، والصهر. والإبداع عنده فهل حشر، وقسر، وعنف". وعن هذه العلاقة الجدلية التفاعلية بين المسرح والواقع، يدرس المؤلف مسرحية (العصفور الأحدب) للكاتب (محمد الماغوط)، ويرى الكتاب أن هذا العمل المسرحي الذي كتب في عام 1960 يثبت أن الحياة مجدداً تتشبه بالفن، لأن النص يصدم بمقدار راهنيته المرعبة وبالتجربة السياسية التي ستعيشها سوريا منذ الستينيات والذي تستمر قدرته التعبيرية عن موضوعات اللحظة التاريخية السورية الراهنة.

 

العصفور الأحدب محمد الماغوط
العصفور الأحدب- محمد الماغوط (1934- 2006)

 

فالنص المسرحي يجري ضمن عالم رمزي تحت ظل حكم شمولي حيث يحلم الشاعر بالثورة، لكن النص أيضاً حافل بالعنف، بالجرائم المرتكبة بحق الطفولة، بمقدار العنف الوحشي الذي قد يبلغه الصراع الأهلي.

غورنيكا العابرة للمدن المدمرة

يتوقف المؤلف في الفصل الأخير عند لوحة (غورنيكا، بابلو بيكاسو، 1937)، ويبين كيف يمكن لعمل فني أن يعبر عن الحرب والعنف والألم في فترات تاريخية مختلفة، وفي صراعات مسلحة أخرى، وعن عدد من المدن التي عاشت تجربة الحرب والدمار. فقد استلهمت هذه اللوحة من عدد من الفنانين/ات حول العالم في التعبير عن الصراعات التي شهدوها. ففي حرب عام 2006 على لبنان، كتب (أحمد بزون) يدعو الفنانين/ات اللبنانيين إلى رسم غورنيكا لبنان لتكون بمثابة صرخة الاحتجاج التي لن ينساها العالم.

 

غورنيكا- بيكاسو
غورنيكا- بيكاسو

 

ويستعرض الكتاب عمل (غير نيقانا، جنى طرابلسي) عن مجزرة قانا، وعملاً للناقد والرسام البريطاني (جون برغر) بعنوان (غورنيكا بيروت، قانا صور، 2006). وكذلك استلهمت الغورنيكا في عمل للفنان الجزائري (عادل عبد الصمد) بنفس العنوان عن الحرب الأهلية الجزائرية. وفي عام 2009، نظم الفنان الفلسطيني (محمد الحواجري) معرضاً يستخدم تقنية التوليف الفوتومونتاج بعنوان (غورنيكا غزة) دمج فيها مشاهد من لوحات بيكاسو وديلاكروا ودالي وشاغال مع مشاهد من الحرب الإسرائيلية على غزة. ويتضمن الكتاب لوحة بعنوان (غورنيكا حلب) دون أن يذكر اسم الرسام، وكذلك تحضر لوحة للفنان (سعد حاجو) بعنوان (غورنيكا) يقف خلفها جندي يلبس لباسه الحربي كاملاً. وكذلك في عام 2005، صورة الفنان (يافشو زافوف) مأساة اللجوء السوري عبر البحر، من خلال إعادة تجسيد مقاطع من لوحة غورنيكا الأصلية، ولكن بإضافة الأجساد العائمة والغارقة والطافية على سطح البحر. ومع دراسة (طرابلسي) عن حضور الغورنيكا المستمر عبر التاريخ في التعبير عن الحرب والعنف والألم، تكتمل عناصر العلاقة الجدلية بين الواقع، الفن، والحرب في الكتاب.