يتابع أكثر من لاعب محلي وإقليمي زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، ونتائج القمة التي سيعقدها مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. الشرع في العاصمة الأميركية ليس بهدف التقاط الصور التذكارية، فالمقايضات ستكون صعبة، والتفاهمات ستكون أصعب، على طريق الانتقال بسوريا من حالة إلى أخرى. مرحلة ما بعد الزيارة ستكون أكثر أهمية مما قبلها بالنسبة إلى البلدين، وباتجاهين: سلبي في حال عدم حصول التفاهمات – وهو ما لن يحدث – وإيجابي عند الاتفاق على تفاصيل سياسية وأمنية كثيرة تنتظر هذا اللقاء.
قرار التوجه إلى موسكو قبل واشنطن خطوة استراتيجية محسوبة بدقة واحتراف من قبل فريق الرئاسة السوري، فنتائج التفاهمات السورية – الروسية سيكون لها صداها وارتداداتها في واشنطن. وعلى ضوء ذلك سيقدّم ترمب العروض والاقتراحات، وسيسمع الرد ويقيس مدى وجود فرص للوصول إلى تفاهمات تُترجم إلى التزامات ملموسة على طريق الاصطفافات الجديدة.
لن يعود الشرع محمّلًا بمشاريع الدعم والتمويل المالي الأميركي لإعادة إعمار سوريا، فترمب لم يُعَوِّد أحدًا على ذلك باستثناء إسرائيل. لكنه سيرجع حتمًا بكثير من التفاهمات والاتفاقيات السياسية والأمنية الثنائية التي تطلق يد دمشق وتحررها من قيود والتزامات مزمنة كبّل بها نظام الأسد يد الشعب السوري لعقود.
من بين حصيلة النتائج التي ينتظرها كثيرون: هل ستجد سوريا اليوم نفسها في حلفٍ إقليمي جديد مغاير لمسار خياراتها الاستراتيجية القديمة، وتحديدًا مع روسيا؟ وهل سيكون على دمشق أن توازن بدقة بين فتح صفحة جديدة مع واشنطن وبين الحفاظ على ما تبقى من شراكتها مع موسكو، في اختبار دقيق لمدى استقلالية القرار السوري بعد إزاحة نظام الأسد؟
تردد القيادة السورية الجديدة أنها لن تكون مصدر تهديد لجيرانها، لكن ما سيطلبه ترمب قد يصل إلى مستوى تحوّل مهم في نظرة جيران سوريا إليها. انخراط سوريا في التحالف الدولي لن يتوقف عند حدود داعش، ولوائح الإرهاب الأميركية لا تشمل "حزب العمال الكردستاني" وحده، فهناك حزب الله في لبنان، والمجموعات الجهادية في شمالي سوريا، والفصائل الفلسطينية التي تحاربها إسرائيل وأميركا، إضافة إلى قوات عراقية رديفة محسوبة على طهران.
أي انفتاح أميركي محتمل سيكون مشروطًا بإصلاحات سياسية وأمنية واضحة، لكنه في الوقت نفسه سيسهم في فتح الباب أمام عودةٍ تدريجيةٍ لسوريا إلى محيطها العربي والدولي.
ما هو أبعد من ذلك أن تجد دمشق نفسها أمام تقاطعٍ استراتيجيٍّ إقليمي في علاقاتها مع العديد من دول الجوار. وقد سبق التحضير للزيارة لقاءات مكثفة بين الطرفين بوساطة سعودية – تركية. ملفات رفع العقوبات عن سوريا، وتواجد دمشق تحت سقف التحالف الدولي، والعلاقة السورية – الإسرائيلية، وخطوات المرحلة الانتقالية بشقّها السياسي والدستوري، والوضع القائم في شرق الفرات وجنوب سوريا، والعودة إلى النظام المالي العالمي، جميعها بين أولويات الشرع.
لكن ترمب يريد أن يعرف كيف سيتصرف الرئيس السوري في موضوع العلاقة السورية الجديدة مع لبنان؟ وهل دمشق جاهزة لاتفاقية تطبيع مع تل أبيب؟ وهل يخطط الشرع لزيارة طهران في القريب أم لا؟
في آخر لقاءين رفيعي المستوى بين سوريا والولايات المتحدة، سواء لقاء كانون الثاني 1994 أو لقاء آذار 2000، كان بيل كلينتون وحافظ الأسد يناقشان الملفات الأساسية نفسها تقريبًا: لبنان، الاصطفافات، ومعاهدة السلام مع إسرائيل. لكن التحولات الإقليمية والسورية التي تلت الثورة حملت معها تحديات إضافية تستدعي مناقشة هذه الملفات بأسلوب مغاير تمامًا.
المقارنة بين الماضي والحاضر تبرز كيف انتقلت سوريا من منظومة علاقات مركزية جامدة إلى قيادة جديدة تواجه عالمًا مختلفًا تمامًا، حيث كل قرار يحمل أبعادًا إقليمية ودولية بامتياز. من هنا، لا أحد ينتظر حسم كل ملفات الخلاف والتباعد، لكن النقاط ستُوضَع على الحروف حتمًا في التعامل مع مسائل سياسية وأمنية أساسية تدفع واشنطن لمواصلة دعمها لمسار بناء سوريا الجديدة.
الفرصة الأهم أمام دمشق اليوم لا تكمن في الوعود الأميركية المباشرة، بل في كسر طوق العزلة الذي أحكم خناقه عليها منذ عقود. أي انفتاح أميركي محتمل سيكون مشروطًا بإصلاحات سياسية وأمنية واضحة، لكنه في الوقت نفسه سيسهم في فتح الباب أمام عودةٍ تدريجيةٍ لسوريا إلى محيطها العربي والدولي.
يدرك الشرع أن واشنطن لن تقدّم دعمًا مجانيًا، لكنها قد تسهّل عبور دمشق نحو مرحلة استقرار جديدة إذا ما أظهرت جدية في فك الارتباط التدريجي مع محاور الصراع القديمة، وضبط الحدود اللبنانية، والمشاركة في إعادة رسم منظومة الأمن الإقليمي بمواصفات ومعايير مغايرة.
ما بعد واشنطن لن يقتصر أثره على العلاقات الخارجية فقط، بل سيصل سريعًا إلى الداخل السوري. فالقيادة الجديدة تواجه اختبارًا مزدوجًا: ترجمة التفاهمات الدولية إلى إصلاحات ملموسة تعزّز الاستقرار السياسي والاقتصادي، وفي الوقت نفسه تنفيذ مطالب المجتمع المدني والمكوّنات المحلية المختلفة. أي تأخر أو قصور في هذا التحرك قد يضعف مصداقية السلطة السياسية الجديدة ويزيد من الضغوط الداخلية والخارجية على حدٍّ سواء.
السيناريوهات المطروحة لما بعد القمة تتراوح بين ثلاثة مسارات محتملة:
الأول، انفتاح تدريجي مشروط يتيح عودة سوريا إلى المشهد الدولي مقابل التزامات سياسية واضحة.
الثاني، بروز تفاهمات محدودة من دون اختراقات كبرى.
أما الثالث، فهو تحوّل استراتيجي أعمق يضع دمشق في قلب معادلة إقليمية جديدة، لكنه يحمل في طياته مخاطر الارتهان لضغوط خارجية قد تعيد إنتاج تبعيات من نوعٍ آخر.
إسرائيل فستترقب النتائج بعينٍ أمنية بحتة، تقيّم المكاسب والمخاطر في ضوء ما يُطرح من تفاهمات حدودية وأمنية محتملة.
الخيارات ستكون بين أحد هذه السيناريوهات أو دمجها كلها في إطار سيناريو واحد. الأمر يتوقف على قدرة القيادة السورية في إدارة التوازنات الجديدة بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج.
القمة لن تترك انعكاساتها في واشنطن ودمشق فقط، بل سيتردد صداها في عواصم الإقليم كافة. موسكو ستراقب بحذر أي تقارب سوري – أميركي قد يحدّ من نفوذها الميداني، فيما ستخشى طهران من أن يكون الانفتاح الجديد خطوة أولى نحو فك الارتباط معها. في المقابل، قد تنظر الرياض وأنقرة بإيجابية حذرة إلى تحركات الشرع إذا ما أسهمت في تقليص حضور إيران وتعزيز مسار الاستقرار الإقليمي.
أما إسرائيل فستترقب النتائج بعينٍ أمنية بحتة، تقيّم المكاسب والمخاطر في ضوء ما يُطرح من تفاهمات حدودية وأمنية محتملة.
ما بعد واشنطن سيكون امتدادًا لما قبلها. امتحانُ القيادةِ الجديدة سيكون في قدرتها على تحويل التفاهمات إلى واقعٍ مغاير، من دون خسارة استقلالية القرار الوطني أو إثارة غضب الحلفاء والشركاء. من إرثٍ تداعى إلى توازناتٍ يُعاد صياغتها، تختبر دمشق اليوم قدرتها على التحرر من الماضي من دون الوقوع في مطبّات الجديد.
فهل تبدأ سوريا فعلًا رحلةَ التحرر من إرثها القديم، أم تدخل مرحلةَ إعادة تدوير النفوذ بأدواتٍ جديدة؟
مجلس الأمن في "قصر الشعب".. الفرص والتحديات أمام سوريا الجديدة
واشنطن بعد "ردع العدوان".. تموضع جديد أم مشروع مستجد؟
بهشلي وأوجلان.. مفتاح اللحظة
من الهيمنة إلى التوازن: هل انتهى "كوندومينيوم" واشنطن – تل أبيب في الشرق الأوسط؟
دمشق وواشنطن.. اختبار التوازن الجديد في العلاقات