اعتادت دمشق أن تُمدح، كأن محبيها لا يملكون إلا أن يغفروا لها كل ما يثقل أيامهم فيها. فما إن يبتعد أبناؤها عنها حتى تبدأ رحلة الاشتياق، ويغدو موعد العودة إليها حدثاً ينتظرونه طويلاً.
في كل صيف، تمتلئ الطائرات بوجوه العائدين، وحقائبهم المثقلة بالهدايا والحنين. وحين تلامس عجلات الطائرة أرض المطار، تتردد عبارة مألوفة لدى كثيرين: "ريحة هواكِ غير.. يا شام"، فيشعرون بأن سنوات الغياب انكمشت في لحظة واحدة.
لكن ما إن يغادر الزائر المطار حتى تبدأ تفاصيل الحياة اليومية برسم صورة أخرى للمدينة؛ شوارع تحتاج إلى مزيد من العناية، ونفايات متراكمة في عدد من المناطق، وخدمات متعثرة، وتحديات تنظيمية لا تتوافق مع المكانة التي تحتلها دمشق في ذاكرة أبنائها.
في هذه المادة، نحاول الاقتراب من دمشق كما يراها محبوها، من خلال شهادات زوار عادوا إليها بعد سنوات من الغياب، وعدسة مصورة فوتوغرافية توثق تفاصيلها باستمرار.
فهل تبدو دمشق واحدة في أعين الجميع، أم أن لكل شخص مدينته الخاصة؟
زيارة سنوية تحفظ الانتماء
من بين الذين تحدثوا إلى "تلفزيون سوريا" ليلى، التي تعيش في الولايات المتحدة منذ أربعة عشر عاماً، بعدما غادرت سوريا مع عائلتها إثر اعتقال زوجها خلال سنوات الثورة. ورغم بُعد المسافة وارتفاع تكاليف السفر، لم تنقطع عن زيارة دمشق عاماً بعد عام.
وتؤكد ليلى أن أسبوعين في دمشق يمنحانها دفعة عاطفية ترافقها طويلاً في غربتها، مضيفة: "قدومي إلى دمشق هو جسر توازني النفسي، ولا أستطيع أن أتخلى عنه مهما كانت الظروف".
ولا تقتصر زياراتها على استعادة ذكرياتها، بل تحرص في كل مرة على اصطحاب أحد أبنائها الثلاثة، لتعريفه بالأحياء القديمة وبيوت العائلة والأماكن التي شكّلت جزءاً من طفولتها، في محاولة لبناء ذاكرة تعزز ارتباطهم بهويتهم ووطنهم.
وترى ليلى أن هذا العام حمل ملامح تغيير لافتة، وتقول إن شعورها منذ لحظة وصولها إلى مطار دمشق ودخولها البلاد كان مختلفاً عن السنوات السابقة.
وتعتبر أن تحسن ساعات وصل الكهرباء وظهور حلول لبعض المشكلات الخدمية من المؤشرات الإيجابية، لكنها تشير إلى أن ارتفاع الأسعار أصبح يرهق معظم العائلات، وتقول: "لم تعد كثير من العائلات قادرة على توفير اللحوم والدجاج على موائدها، وحتى الفواكه باتت عبئاً يفوق قدرتها".
كما يزعجها الانتشار الكبير للنفايات في عدد من شوارع دمشق، إلى جانب الازدحام المروري الذي بات يطبع الحياة اليومية، وتعلّق قائلة: "الطريق اللي كان ياخد ربع ساعة، صار يحتاج ساعة كاملة".
وترى ليلى أن من أولويات المرحلة المقبلة ترسيخ سيادة القانون وتطبيق الأنظمة، معتبرة أن تنظيم الحياة اليومية لا يقل أهمية عن أي تغيير آخر، لأن غيابه يزيد المشكلات تعقيداً مع مرور الوقت.
حين يصبح الوطن خياراً للحياة
بالنسبة إلى أحمد وشذى، لم تعد العودة إلى دمشق مجرد زيارة صيفية، بل تحولت إلى قرار بالاستقرار وبداية حياة جديدة. فبعد سنوات من الإقامة في تركيا والحصول على الجنسية التركية، اختار الزوجان العودة إلى دمشق مع طفليهما.
ويؤكدان في حديثهما لـ"تلفزيون سوريا" أن القرار لم يكن وليد لحظة، بل جاء بعد تفكير طويل في الخيار الذي يرونه الأفضل لعائلتهما ومستقبل طفليهما.
وتضيف شذى أن أكثر ما افتقدته كان شعور الألفة الذي تمنحه العائلة الكبيرة، وأن طفليها يعيشان اليوم تفاصيل كانت تتمنى أن يختبراها منذ سنوات، بين بيوت الأجداد والأقارب وأبناء العمومة والأصدقاء.
ومن أكثر ما كان يقلقها في تركيا مستقبل أبنائها الدراسي، ولا سيما ضعف ارتباط ابنتها باللغة العربية. لذلك رأت أن العودة في هذه المرحلة أفضل من تأجيلها سنوات أخرى، حتى يتمكن طفلاها من الاندماج في المجتمع السوري في سن مبكرة.
ويرى الزوجان أن التحولات التي شهدتها البلاد بعد سقوط نظام الأسد كانت من أبرز العوامل التي شجعتهما على العودة. ويشير أحمد إلى أن الوصول إلى مطار دمشق ودخول البلاد باتا أكثر سهولة وطمأنينة، ويقول: "لأول مرة شعرنا أن البلد عاد لنا".
ويؤكدان أن بعض الخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء، أصبحت أفضل مما كانت عليه، وأن إيجاد حلول لمشكلات الحياة اليومية بات أسهل، رغم أن تكاليفها ما تزال مرتفعة.
لكن قرار الاستقرار لا يخلو من تحديات، إذ يصفان أزمة السكن بأنها العقبة الكبرى التي تواجههما، ولا سيما مع الارتفاع الكبير في الإيجارات داخل مدينة دمشق، ما يدفعهما إلى التفكير بالسكن خارجها مؤقتاً، إلى أن تصبح الأسعار أكثر توازناً.
ورغم ذلك، يؤكد أحمد وشذى أنهما لا يندمان على قرار العودة، ويعتبران أن البلاد تمر بمرحلة انتقالية تحتاج إلى الوقت لتحسين التنظيم والخدمات.
ويختم أحمد حديثه بالقول: "ما كان في أمل من شي قبل.. اليوم فينا نحكي، ولازم يكون في حدا يرد علينا".
الوطن كما نحبّه.. وكما هو
تعمل علا في المجال الفني، وتؤمن بأن المدن تُقرأ من خلال تفاصيلها قبل مشهدها العام، لذلك تمنح دمشق مكانة خاصة في قلبها، وتقول إنها تراها بقلبها قبل عينيها.
وفي حديثها لـ"تلفزيون سوريا"، تحرص علا على تقديم صورة متوازنة، فتقول إن الوطن يشبه شخصاً نحبه، يحمل كثيراً من الجمال، لكنه لا يخلو من العيوب التي تدفعنا أحياناً إلى التذمر. وتضيف: "نحن نبرر كثيراً لمن نحب، لكن هذا لا يمنعنا من رؤية ما يزعجنا".
وتقول إن أكثر ما تخشاه هو أن تعيش شعور اللاانتماء، أو أن تفقد الإحساس بوجود مكان يشبهها ويحتويها.
وعن انطباعاتها خلال زياراتها الأخيرة، ترى أن سوريا تشهد تحسناً في بعض الجوانب، وإن كان أثر هذا التحسن يبدو أوضح لدى من يمتلكون قدرة مادية أكبر. وتعتبر أن ارتفاع تكاليف المعيشة ليس حالة سورية فحسب، بل جزء من موجة تضخم طالت دولاً كثيرة.
وتستشهد بتجربة شخصية تركت لديها انطباعاً إيجابياً، عندما راجعت دائرة الهجرة والجوازات لتجديد جواز سفرها، وتقول: "كانت الإجراءات سريعة ومنظمة، وكان تعامل الموظفين رسمياً ومحترماً، ولم أضطر إلى دفع أي رشوة لإنجاز معاملتي".
وبصفتها امرأة حاملاً، رأت أن تخصيص دور منفصل للنساء خفف عنها مشقة الانتظار.
وترى علا أن سوريا تحتاج إلى وقت حتى تترسخ فيها ثقافة احترام القانون، مع وجود مؤشرات تدعو إلى التفاؤل.
أما أكثر ما منحها شعوراً بالراحة فكان دخولها إلى البلاد من دون الخوف الذي كان يرافقها في السابق. وتقول إن غياب الحواجز الأمنية وشعورها بالطمأنينة منذ لحظة الوصول إلى المطار بددا قدراً كبيراً من القلق الذي اعتادت أن تشعر به في كل زيارة.
وتأمل علا أن تتحول الأحاديث المتداولة عن الاستثمارات المرتقبة في سوريا إلى واقع ملموس.
وتختم حديثها بالقول: "مهما طالت الغربة، لا شيء يشبه الوطن. يكفي أن يبتسم لك شخص، أو أن تسمع لغتك في صيدلية أو في الشارع، لتشعر أن جزءاً منك عاد إلى مكانه".
حب لا يحجب الملاحظات
أما نجاة، التي اعتادت قضاء عطلتها الصيفية في دمشق كل عام، قادمةً من الولايات المتحدة، فقد عادت هذه المرة بانطباعات مختلفة.
وتقول إن أكثر ما لفت انتباهها خلال زيارتها الأخيرة هو الانتشار الملحوظ للنفايات في عدد من الشوارع، ما جعل انطباعها عن هذه الزيارة أقل إشراقاً مقارنة بالأعوام السابقة.
كما تشير إلى أنها لاحظت تراجعاً في جودة بعض الأطعمة الجاهزة، معربة عن قلقها بشأن معايير السلامة الغذائية في بعض الأماكن.
ولم يغب عن ملاحظاتها ازدياد عدد المطاعم والمحال التجارية، في وقت ترى فيه أن القدرة الشرائية لمعظم السكان لا تتناسب مع هذا التوسع.
وتضيف أن معظم الأحاديث التي خاضتها مع أقاربها وأصدقائها دارت حول الأوضاع المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة وفواتير الكهرباء، وما يرافق ذلك من ضغوط اقتصادية على العائلات.
ورغم هذه الملاحظات، تؤكد نجاة أن حبها لدمشق لم يتغير، وتقول: "لا أستطيع أن أكمل حياتي بعيداً عنها. مهما كانت الظروف، سأبقى أزورها لأنها بلدي".
كما تعرب عن أمنيتها بأن ترى وطناً يتسع لجميع أبنائه ويجمعهم تحت سقف واحد.
عدسة تلتقط الجمال والتعب
تبدأ علاقة المصورة الفوتوغرافية أفنان بدمشق من عدستها، فهي تشعر أحياناً بأن المدينة تشبه وجه الحبيب: "أينما التفتت، وجدت مشهداً يستحق أن يُحفظ في صورة".
وتضيف في حديثها لـ"تلفزيون سوريا": "عندما ألتقط صورة، أرغب في أن يراها الجميع؛ المغتربون ومحبو دمشق، وحتى من يحكم هذه المدينة. أريدهم أن يروا أي مدينة هذه".
وتعترف بأن دمشق القديمة تحتل مكانة خاصة في قلبها، إذ تمنحها حجارتها وأزقتها ومآذنها وبيوتها العتيقة شعوراً دائماً بأن هناك لقطة أجمل تنتظرها عند الزاوية التالية.
لكن العدسة لا ترى الجمال وحده، فتقول: "أحياناً أشعر أنني أوثق مسرح جريمة، أصور الحزن الظاهر والمخفي، والفقر والقمامة والدمار وبردى العطش".
وتختصر علاقتها بالمدينة بعبارة تقول فيها: "إنها دمشق بكل ضعفها وقوتها، بجمالها وقبحها".
ورغم حضور الألم في بعض المشاهد التي تلتقطها، تؤكد أفنان أن شعوراً بالامتنان يرافقها دائماً، وتختم بالقول: "سأحمل دمشق في ذاكرتي أينما ذهبت".
بين من يعود إليها لأسبوعين يستعيد خلالهما توازنه، ومن اختارها مكاناً لبداية جديدة، ومن يلاحق تفاصيلها بعدسته، لا تبدو دمشق مدينة واحدة في عيون محبيها. فهي ذاكرة وبيت وألفة، وفي الوقت نفسه مدينة تنتظر مزيداً من العناية والتنظيم. وملاحظات أبنائها لا تنتقص من محبتهم لها، بل تعبّر عن رغبتهم في رؤيتها أقرب إلى الصورة التي ظلوا يحملونها في قلوبهم طوال سنوات الغياب.








