دمشق العاصمة الخالدة

تاريخ النشر: 27.02.2018 | 11:02 دمشق

كان إعلام السلطة الرسمي - وربما ما يزال - يقول : إن دمشق أقدم عواصم الدنيا، ويشدد عليه كأنه إنجاز تصحيحي مجيد، وقد يترافق هذا التصريح بعرض صورة للنصب الموجود في ساحة الأمويين على أنه سيفٌ دمشقي!.. كنتُ أمشي بالقرب منه دون أن أعرف بأنه سيف بل كان يُخيل إليّ أنه خزان إسمنتي علوي للمياه، موضوع لغرض الطوارئ ولتغذية أفرع الأمن والثقافة ودار الإذاعة والتلفزيون المحيطة بالساحة العريقة. ليس هذا اتهام بقلة ذوق الفنان السوري الذي أنجزه،  ولكنه إشارة إلى سوء التعبير، فالسيف العربي تصوره كل المسلسلات التاريخية بشكل معدني معقوف ونراه أيضاً في المتاحف الوطنية على هذه الصورة، ولم أفهم حتى اليوم جدوى ربط دمشق بسيف، فعاصمة عتيقة بهذا القدر  يجب ألا تختصر على الإطلاق، وإن كان هذا الاختصار على شكل نصب إسمنتي شاهق.

أسس شخص يدعى "محمد بن طغج" في القاهرة سلالة مشهورة باسم "الإخشيديين" وكانت دمشق من ضمن ممتلكاتها، فكان ينزلها ويحارب منها أو من على تخومها الحمدانيينَ وجيش الخلافة ومرتزقة آخرين، ووصل به الأمر إلى أن نقل صلاحياته في دمشق لشخص يدعى "ابن رائق" بهدف عقد صلح معه، وكان هذا الشخص (ابن رائق) يعمل حاجباً وشرطياً، ثم ترقى ليصبح أمير أمراء الدولة العباسية. لم يدم السلام طويلاً حتى عاد الرجلان (ابن طغج وابن رائق) ليتناطحا على دمشق  فقتل ابن رائق شقيقَ ابن طغج، وأرسل الجثة معتذراً وأرسل معها ابنه ورسالة رقيقة مؤثرة وبشكل غريب عفا المحاسب السابق عن الشرطي السابق ومنحه دمشق "أقدم عاصمة"، كان ذلك في زمن تحوُّل الخلفاء إلى مخادع الجواري، وسيطرة

"لم تحفر سلالة محمد بن طغج كثيراً في التاريخ، فقد رحلت كما رحلت سلالات كثيرة قبلها، وإذا بحثت في شوارع دمشق أحيائها الآن لن تعثر لهم على آثار كثيرة"

المغامرين والفضوليين وأصحاب الطموح على زمام الأمور، فوقعت العواصم القديمة تحت سنابك خيولهم الجامحة، وبعد مقتل ابن رائق طاب المقام لمحمد بن طغج في دمشق، يقول محمد كرد علي في خطط الشام "وانفرد الإخشيد بدمشق يصادر أغنياءها ويستصفي أموالهم، وكان ظالماً مستبداً"، باع الإخشيد بدمشق واشترى وهو خبير بهذه المهنة فقد نشأ محاسباً في ديوان الخراج، وانتهى مؤسساً لسلالة حكمت فترة زمنية ثم اندثرت.

لم تحفر سلالة محمد بن طغج كثيراً في التاريخ، فقد رحلت كما رحلت سلالات كثيرة قبلها، وإذا بحثت في شوارع دمشق وأحيائها الآن لن تعثر لهم على آثار كثيرة،  فقد كان "محاسباً" في هيئة حاكم أو لنقل "جابي أموال" بقوة الجيش الذي يديره، رغم أنه حكمها مدة تزيد على عشر سنوات. وهكذا هي الجغرافيا قادرة على هضم الأزمنة بليونة حتى لا يبقى من الحكام إلا أثار وبضع صفحات في كتب تاريخ الحوليات والكرونولوجيا.

التاريخ ما زال يعترف بدمشق ثابتاً وحيداً فحتى الأمير "سيف الدين تنكز" الذي حكمها ثمانية  وعشرين عاماً لصالح السلطان المملوكي في مصر وسجل لنفسه فيها سيرة حسنة، وبنى مسجداً نقش اسمه عليه، غاب اسم الأمير عن التداول، وتهاوى المسجد، ولم يبقَ منه شيء سوى رخامة وضتعها وزارة الأوقاف في المكان الذي كان فيه يوماً.

التاريخ يتحرك بإيقاع عقارب ساعة، بطيء ولكنه مؤثر وعميق، وله قدرة على قلب الصفحات أو إلغائها، وتعينه الجغرافيا في تحويل كل شيء إلى مجرد تراث يمكن قراءته أو نسيانه، ولا أمل للسلالات بالخلود أمام هذه الآلية الفريدة التي تتمتع بها "أقدم عاصمة في الدنيا"، وهي الآن تخوض اختباراً يحتوي على عناصر مدمرة تجتاز عصور اختراع البارود وتصل إلى زمن تطوير الأسلحة الكيميائية، وآثار هذا السلاح تبقى في التربة مُدداً طويلة تفوق أعمار عدة أجيال.. ولكن عمر المدينة سيستمر طويلاً فهو يقاس بقسوة غرانيت جبل قاسيون ونقاء النهر العتيق بردى وفروعه الكثيرة، ولا خوف عليها من أي اختبار مهما بلغ مستوى شدته..