دماء أبناء الجنوب السوري ثمناً لتفاهمات الدول ومصالحها

تاريخ النشر: 28.06.2018 | 17:30 دمشق

تلفزيون سوريا - عبدالله الموسى

تستمر قوات النظام مدعومة بميليشيات إيران وحزب الله بالتقدم في ريف درعا الشرقي لليوم العاشر على التوالي، وذلك تحت غطاء جوي روسي ينافي ما أعلنته وزارة الدفاع الروسية عن عدم خروجها من اتفاق خفض التصعيد في الجنوب السوري، في حين يكفي أن يكون سماح روسيا لنظام الأسد الذي ضمنته في الاتفاق الثلاثي حول الجنوب بشن هذا الهجوم على درعا كافياً ليوضح عدم التزام موسكو به.

وأعلنت فصائل المعارضة عن موقفها الواضح بمواجهة الهجوم الأخير للنظام، في الوقت الذي تُركت فيه وحيدة في هذه المعركة بعد التخلي الأمريكي عنها، عقب الرسالة التي وجهتها الولايات المتحدة الأمريكية للفصائل لاتخاذ القرار بما يتناسب مع مصالح المنطقة والأهالي، فيما يعتبر انسحاباً أمريكياً من ملف الجنوب السوري الذي شهد اجتماعات مكثفة بين روسيا وإسرائيل، في محاولة منهما للتوصل لصيغة توافقية لتلبية المطالب الإسرائيلية بانسحاب إيران من الجنوب السوري، في حين لم تعارض وجود قوات النظام على حدودها.

المجريات الميدانية

تتركز العمليات العسكرية البرية للنظام وحلفائه على ريف درعا الشرقي ومدينة درعا، في حين ما زالت جبهات ريف المحافظة الغربي تشهد هدوءاً نسبياً، في ظل مخاوف من اتساع رقعة المعارك على طول جبهات المحافظة، في ظل صمت إسرائيلي وأمريكي حول التصعيد الذي فرضه النظام على المنطقة.

كانت الضربة الأقوى للنظام هي السيطرة على بصر الحرير التي كانت هدفه الأول، الأمر الذي أدى إلى قطع خطوط الإمداد ومحاصرة منطقة اللجاة في أقصى الشمال الشرقي، اللجاة ذات الطبيعية الجغرافية القاسية التي من الصعب أن تتقدم عليها قوات النظام براً، وذلك لأنها ستكون مضطرة لاستخدام الطرق الرئيسية فقط، ما سيجعلها هدفاً سهلاً للسلاح الثقيل والصواريخ المضادة للدبابات لدى الفصائل.

سقوط بصر الحرير ومن بعدها مليحة العطش وناحتة بيد قوات النظام، أظهرت أن الدفاعات التي أعدتها الفصائل العسكرية في خطوط الجبهات لم تكن كافية لصد الهجوم العنيف للنظام الذي اعتمد على سياسة الأرض المحروقة، كما أنها لم تكن كافية لحصول الفصائل على مكتسبات ميدانية – باعتبارها اتخذت قرار المواجهة- قد تستخدمها كأوراق رابحة في أي مفاوضات قد تطرح لاحقاً، أو أن تفرض الفصائل في حال لو صمدت أمام هذه الهجوم جلوس النظام وروسيا على طاولة جديدة للمفاوضات، أو حتى ربما إحراج النظام وروسيا في حال فشلت في هجومهما على درعا للعودة إلى اتفاق خفض التصعيد.

إلا أن مئات الغارات الروسية الجوية ومئات البراميل المتفجرة التي تلقيها مروحيات النظام، فضلاً عن آلاف صواريخ الراجمات وصواريخ الفيل التي بات يستخدمها النظام بشكل مكثف، مكّنت النظام من إحراز تقدماته الأخيرة وصولاً إلى تطويق بلدة الحراك ووصول الاشتباكات إلى أطرافها.

وفي حال سيطرة قوات النظام على بلدة الحراك والقرى المحيطة بها، تكون بلدة المسيفرة وبصرى الشام الوجهات التالية لقوات النظام.

وحاولت قوات النظام خلال اليومين الماضيين التقدم من مدينة درعا باتجاه القاعدة الجوية وجمرك درعا القديم غربي المدينة للوصول إلى معبر نصيب، وبالتالي فصل ريفي درعا الغربي والشرقي عن بعضهما بشكل كامل، إلا أن غرفة عمليات البنيان المرصوص تمكنت من صد هذه الهجمات، باعتبار أن جبهات المدينة التي شهدت معركة البينيان المرصوص العام الماضي محصنة بشكل جيد.

 

خريطة السيطرة في الجنوب السوري (تلفزيون سوريا)

 

ووصل عدد القتلى من المدنيين إلى أكثر من 60 شخصاً، رغم نزوح 90% من مناطق ريف درعا الشمالي الشرقي التي تسهدفه المواجهات، إلى الجنوب قرب الحدود الأردنية، ووصل عدد النازحين إلى المنطقة الصحراوية قرب الحدود الأردنية إلى أكثر من 100 ألف شخص، دون تقديم أي مساعدات من أي جهة دولية لهؤلاء النازحين.

عدم وجود مقومات الصمود لدى الفصائل، من تسليح نوعي وتعزيز كاف لخطوط النار مع قوات النظام، لا يترك خياراً لفصائل الريف الشرقي إلا أن تعتمد على إشعال جبهات الريف الغربي ومدينة درعا ضد قوات النظام، والقيام بضربة استباقية تشتت قوات النظام على جبهات الريف الشرقي، وتمكن الفصائل من رفع المعنويات لدى المقاتلين.

هي نفسها السياسة العسكرية لدى روسيا في كل معركة تطلقها للسيطرة على المناطق في ظل صمت دولي وعربي مطبق، وهي تحديداً سياسة تقطيع الأوصال وافتعال المجازر بحق المدنيين، للوصول إلى حالة من الوهن لدى الفصائل والأهالي للقبول باتفاقات التهجير والمصالحة.

التجاذبات الإقليمية والدولية حول الجنوب السوري

بات من الواضح أن ملف الجنوب وما يترتب عليه من ويلات المجازر والنزوح مجرد تحصيل حاصل لدى تقاطعات مصالح القوى الدولية والإقليمية الفاعلة فيه، فإسرائيل التي حركت ملف الجنوب السوري في بدايات الشهر الجاري ومطالبها حول إنهاء التواجد الإيراني قرب حدودها، والتصريحات الأمريكية المساندة لهذه المطالب، التي وجهتها إسرائيل لروسيا والنظام للتدخل والحد من النفوذ الإيراني المتنامي في الجنوب السوري؛ كانت واضحة حول عدم وجود مشكلة لديها من تواجد قوات النظام قرب حدودها، الأمر الذي ضغطت نحوه روسيا في العديد من اللقاءات التي جمعت مسؤولي البلدين الأمنيين والعسكريين والسياسيين، لتقوم روسيا والنظام بعد أيام من انتهاء هذه اللقاءات بشن الهجوم القائم حالياً على درعا.

أما الأردن التي أعلنت صراحة إغلاق حدودها أمام اللاجئين الهاربين من جحيم المعارك في درعا، والتي اكتفت بالتصريحات الداعية إلى الحفاظ على اتفاق خفض التصعيد في الجنوب السوري، والتي واجهت فترة حرجة من الاحتجاجات الداعية لإصلاحات اقتصادية في البلاد أدت إلى تشكيل حكومة جديدة فيها، سيكون من مصلحتها فتح معبر نصيب المغلق منذ سنوات والذي سيرفد الاقتصاد الأردني بعائدات جيدة.

المصلحة الاقتصادية المشتركة لدى النظام والأردن لا يمكن تجاهلها باعتبار سوريا هي طريق الحركة التجارية نحو تركيا وأوروبا، كما أن الأردن هو طريق سوريا لدول الخليج، وازدادت في الفترة الأخيرة المؤشرات حول ذلك، خاصة بعد زيارة وفد من غرفة صناعة الأردن للنظام في دمشق في الثامن من أيار الجاري، والحديث الذي ظهر مؤخراً عن نية الدول الثلاث الضامنة في أستانا والتي استكملت نشر نقاط مراقبتها (روسيا – إيران – تركيا)؛ فتح الطريق الدولي دمشق – حلب وصولاً إلى طريق حلب – غازي عنتاب، وفي حال وصول قوات النظام إلى معبر نصيب على الحدود الأردنية جنوب الأردن والتوصل بين دول أستانا لإيجاد حل للمنطقة التي تسيطر عليها الفصائل في إدلب من الطريق الدولي بين مورك شمال حماة و الراشدين غرب حلب، سيعود الطريق للعمل ليصل الأردن بتركيا مروراً بمناطق النظام، الأمر الذي يترتب عليه عائدات مالية ضخمة للدول المعنية.

أما عن الولايات المتحدة الأمريكية التي تربطها علاقات جيدة مع فصائل الجنوب التي تتلقى الدعم العسكري منها، والتي تدافع بشكل صريح وعلني عن حلفائها في شمال شرق سوريا (منطقة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية) وحلفائها من الفصائل المتواجدة في قاعدة التنف جنوب سوريا، حيث قام طيرانها بالعديد من الغارات الجوية على أرتال النظام وإيران في حال شكلوا تهديداً على هاتين المنطقتين، إلا أنها أعلنت عن موقفها من ملف الجنوب السوري والتي هي أحد أطراف اتفاق خفض التصعيد فيه، فيما يعتبر انسحاباً أمريكياً من الملف، ليُظهر أن سياسة ترمب الحادة تجاه إيران لا تختلف كثيراً عن سياسة سابقه التي سمحت لإيران وروسيا بالتدخل بشكل مباشر في سوريا، في حين يعزو بعض المراقبين الانسحاب الأمريكي من ملف الجنوب إلى تفاهمات مع روسيا تستند على المقايضة بين البلدين لحصول كل دولة على المزيد من المصالح التي جنتها بتدخلها بالشأن السوري، بل ويعزو البعض هذا الأمر إلى اتفاقات عابرة للحدود السوري، وتزامن كل ذلك مع زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون يوم أمس لموسكو لبحث الوضع في سوريا وأوكرانيا، تمهيداً لقمة مرتقبة تجمع رئيسا البلدين الشهر القادم.

مقالات مقترحة
جميعهم في ريف حلب.. 18 إصابة جديدة بكورونا شمال غربي سوريا
8وفيات و125 إصابة جديدة بكورونا معظمها في حلب واللاذقية
السعودية: غرامة على زائري الحرم والمعتمرين دون تصريح في رمضان