دليل السوري إلى الانتخابات التركية القادمة في 963 كلمة!

دليل السوري إلى الانتخابات التركية القادمة في 963 كلمة!

دليل السوري إلى الانتخابات التركية القادمة في 963 كلمة!
الرئيس التركي خلال كلمة له أمام حشد من مناصريه قبل جولة الانتخابات(الأناضول)

تاريخ النشر: 04.06.2018 | 01:06 دمشق

آخر تحديث: 06.08.2018 | 04:32 دمشق

هذه هي المرة السابعة التي تنصب فيها صناديق الاقتراع في تركيا، منذ وصولي إليها لاجئاً من سوريا في 2013، منها استفتاءان على تعديلات دستورية، في حين توزعت البقية على انتخابات عامة وبلدية ورئاسية.

على الرغم من كل المآخذ على النظام الديموقراطي في تركيا وما يشوبه من عيوب، تخوض الأحزاب السياسية الانتخابات بكامل طاقاتها، ويشارك الناخبون بمعدل مرتفع يفوق معدلات أعرق الديموقراطيات الغربية. وتشتغل شركات استطلاعات الرأي بهمة عالية، فتنتج دليلاً يهتدي به السياسيون، فيعملون على تلافي نواقصهم، على أمل الحصول على نتائج أفضل.

ويقوم الإعلام بدور مهم جداً في الترويج للمتنافسين على رضا الناخب، وفي إضاءة الطريق أمام هذا الأخير بما يساعده على اتخاذ القرار بانتخاب هذه القائمة أو تلك، هذا المرشح أو ذاك. ويقوم كتاب الصحف بتحليلات وتوقعات لا تترك شيئاً أو احتمالاً خارج البحث والتمحيص. أما المرشحون فيحتاجون إلى طاقة هائلة، فينتقلون من مكان إلى آخر، ومن قناة تلفزيونية إلى أخرى، فيخاطبون الجمهور ويغدقون عليه الوعود في محاولة لإقناعهم بانتخابهم أو انتخاب قائمة حزبهم. فتصرف أموال كبيرة لتغطية نفقات الحملة الانتخابية، تقدم الخزينة العامة قسماً منها للأحزاب وفقاً لعدد نوابه في البرلمان، في حين تعتمد الأحزاب غير الممثلة فيه على نفسها في تغطية تلك النفقات.

ومن طرائف الحملات الانتخابية في تركيا أن كل حزب يطلق أغنية تعبر عنه وتروج لمرشحيه، تصدح بها مكبرات الصوت المنصوبة فوق سيارات تجوب المدن والأرياف. ويلجأ المرشحون إلى النيل من منافسيهم فينخرطون في سجالات وملاسنات حادة يحبها الجمهور. ويعتبر الرئيس رجب طيب أردوغان من أبرع من يتقنون السجال، بلسانه السليط وأدائه الشعبي الذي يطرب مؤيديه. وللمرة الأولى، في الحملة الانتخابية الحالية، ظهر منافس له في هذا الميدان، هو مرشح حزب الشعب الجمهوري لمنصب الرئاسة محرم إينجة الذي بز أردوغان في سلاطة اللسان وكاد أن يتفوق عليه.

من طرائف الحملات الانتخابية في تركيا أن كل حزب يطلق أغنية تعبر عنه وتروج لمرشحيه، تصدح بها مكبرات الصوت المنصوبة فوق سيارات تجوب المدن والأرياف

انتخابات الرابع والعشرين من حزيران الجاري هي انتخابات مزدوجة، رئاسية وبرلمانية، في سابقة هي الأولى في تاريخ الانتخابات التركية. فقد قضى أحد التعديلات الدستورية التي أقرها استفتاء 16 نيسان 2017، بإجراء العمليتين الانتخابيتين معاً كل خمس سنوات، بعدما كانتا منفصلتين وكل أربع سنوات. ويتنافس على منصب رئاسة الجمهورية الذي اتسعت صلاحياته، بعد الاستفتاء المذكور، ستة مرشحين هم: الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان، ومرشح حزب الشعب الجمهوري محرم إينجة، ورئيسة الحزب الخيّر مرال آكشنر، ورئيس حزب السعادة تمل قرة مولا أوغلو، ومرشح حزب الشعوب الديموقراطي المعتقل صلاح الدين دمرتاش، ورئيس حزب الوطن دوغو بيرنجك.

وفي جديد هذه الانتخابات أيضاً قيام تحالفات انتخابية بين أحزاب، وفقاً لقانون ينظم مقتضياتها. وقد تشكل تحالفان حزبيان، يضم الأول (المسمى بتحالف الجمهور) حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية بقيادة دولت بهجلي وحزب الوحدة الكبرى، وهو حزب قومي هامشي؛ في حين يضم الثاني (تحالف الشعب) حزب الشعب الجمهوري، والحزب الخيّر المنشق عن حزب الحركة القومية، وحزب السعادة الإسلامي الذي يمثل إرث مؤسس الإسلام السياسي التركي نجم الدين أربكان. وبقي حزب الشعوب الديموقراطي الذي يمثل الكرد خارج التحالفين، ليخوض الانتخابات بمفرده.

ويجمع المحللون على الدور الحاسم الذي سيلعبه حزب الشعوب الديموقراطي في تحديد نتائج الانتخابات العامة، لأنه الوحيد الذي يحتاج إلى الحصول على معدل إجمالي يفوق العشرة في المئة من أصوات الناخبين في عموم تركيا، ليحق لنوابه الفائزين في دوائرهم الانتخابية المحلية دخول البرلمان، في حين استفادت أحزاب صغيرة لا أمل لها في تجاوز الحاجز المذكور من دخولها في أطر تحالفية تعفيها من هذا الشرط، وينطبق ذلك على كل من حزب الحركة القومية وحزب الوحدة الكبرى (من تحالف الجمهور) والحزب الخيّر وحزب السعادة (من تحالف الشعب). معروف أن الحزب الكردي يملك قاعدة انتخابية قوية في بعض المناطق ذات الغالبية السكانية الكردية، ويتراوح عدد المقاعد البرلمانية التي يمكنه الحصول عليها بين 60-70 مقعداً، الأمر الذي حققه في آخر عمليتين انتخابيتين (حزيران وتشرين الثاني 2015). وهو يحصل على معدل إجمالي يفوق العشرة في المئة بقليل. فإذا انخفض هذا المعدل إلى ما دون ذلك، ذهبت المقاعد النيابية التي فاز بها إلى حزب آخر. وهو عادة حزب العدالة والتنمية الحاكم. أما إذا تجاوز الحزب الحاجز، فسيزيد مجموع مقاعد أحزاب المعارضة بالقياس إلى مقاعد الحزب الحاكم وحلفائه.

يجمع المحللون على الدور الحاسم الذي سيلعبه حزب الشعوب الديموقراطي في تحديد نتائج الانتخابات العامة، لأنه الوحيد الذي يحتاج إلى الحصول على معدل إجمالي يفوق العشرة في المئة من أصوات الناخبين

وفي الحالة الأولى، سيحقق حزب العدالة والتنمية غالبية برلمانية مريحة تتيح له تشكيل الحكومة بمفرده، بمعنى استمرار الوضع القائم الآن. أما في الحالة الثانية فهو سيفقد الغالبية البرلمانية، وسنكون أمام احتمال قيام حكومة ائتلافية قد يكون الحزب الحاكم طرفاً فيها كاحتمال أرجح، وقد يفشل في التوافق مع أحزاب أخرى لتشكيلها. السابقة المسجلة لهذا الاحتمال هو انتخابات حزيران 2015 التي فقد فيها "العدالة والتنمية" غالبية المقاعد، بدخول 70 نائباً لحزب الشعوب الديموقراطي إلى البرلمان، وفشل في تشكيل حكومة ائتلافية. وفي الانتخابات المقبلة سيدخل نواب من أحزاب هامشية، كالسعادة والخير المعارضين، فيزداد الخلل في اللوحة البرلمانية السابقة لغير مصلحة الحزب الحاكم وحلفائه.

أما في الانتخابات الرئاسية، فتبدو حظوظ الرئيس أردوغان هي الأعلى في الفوز بالمنصب، وإن كانت هناك مؤشرات كثيرة على تراجع ملموس في شعبيته بالقياس إلى السنوات السابقة. ومن شأن تعدد المرشحين (6) أن يشتت أصوات الناخبين بما قد يجعل مهمة أردوغان في الحصول على نسبة 51% منها بالأمر الصعب، وهي النسبة المطلوبة والكافية للفوز في الدورة الأولى. أما إذا فشل في تحقيق هذه النسبة، فسيكون عليه خوض دورة ثانية، بعد أسبوعين، في مواجهة المرشح الثاني في نسبة رصيده من أصوات الناخبين.

ويرجح المراقبون أن يحتاج الأمر إلى دورة ثانية، من غير الجزم باسم المرشح الثاني الذي سيواجهه أردوغان فيها. لكن التوقعات الغالبة تشير إلى الترتيب التالي في حظوظ مرشحي المعارضة: محرم إينجة، مرال آكشنر، صلاح الدين دمرتاش.

ومن جديد هذه الدورة الانتخابية أيضاً أن هناك سوريين ممن حصلوا على الجنسية التركية، سيحق لهم المشاركة في الانتخابات، للمرة الأولى.

من موقعي كسوري لاجئ في تركيا، لا يسعني إلا الشعور بالغيرة أمام مشهد الانتخابات في تركيا. قد يقال الكثير حول "الدولة العميقة" التي تحكم من وراء ستارة صناديق الاقتراع، وكذا فيما يتعلق بالتضييق على الحريات العامة الذي تفاقم بحدة منذ العملية الانقلابية الفاشلة في تموز 2016، ووجود عشرات الصحفيين والنواب والمثقفين والمدافعين عن حقوق الإنسان في السجون، وعن تفرد الرئيس أردوغان بالسلطة... وغير ذلك مما يشوب النظام الديموقراطي من عيوب، لكن هذه المشاركة الشعبية الواسعة في الانتخابات، وما تعبر عنه من إرادة عامة قوية، تبقيان مما يبرر غيرة السوريين الذين بذلوا دمهم للحصول على وضع سياسي مشابه.