"دقيقة صمت" لا أحد يعود من الموت في سوريا حتى نظام الأسد

"دقيقة صمت" لا أحد يعود من الموت في سوريا حتى نظام الأسد

الصورة
17 حزيران 2019

هشام الزعوقي

مخرج سوري ولد في دمشق، نرويجي الجنسية.

في حبكة درامية جريئة عاد أمير ناصر (الممثل عابد فهد) من الموت في مسلسل " دقيقة صمت " عاد بمساعدة مجموعة من ضباط أمن النظام، فبعد أن كان محكوماً بالإعدام نتيجة جريمة قتل ارتكبها في الماضي يتم استبداله وإعدام سجين آخر عوضاً عنه. من غير المفهوم أن تستغرب جماهير الموالاة هذا الأمر وهم يعرفون تماماً أن سوريا بلد تتربع فيه على قمة عرش الفساد المالي والإداري والقانوني بالنسبة لدول العالم. هذا الفساد الذي مركزه رئيس الدولة، يبدأ به وينتشر من خلال شبكته وارتباطاته إلى كافة أنحاء البلاد. من منا لا يعرف أين تتمركز أموال البلد وإلى أين تذهب ثروات الوطن منذ عام ١٩٧٠.

في بلد الخوف سوريا كل شيء ممكن عدا كرامة الإنسان

 لماذا تتجاهل الموالاة حقيقة أنه لا يوجد أي مواطن سوري يشعر بالأمان الكامل. فأنت مهدد بأي لحظة بالاختفاء، أما الاعتقال وأما التصفية. وأنه لا يوجد أي سند لك سوى أن تلتحق بمكنة النظام. في بلد يحرص كل مواطن فيه بطريقة ما أن يكون لديه رقم هاتف لشخص مسؤول في البلد أو لرجل مهم

لماذا كل هذه الأكاذيب في الدراما السورية لطالما البلد بخير ولا شيء يعكّر صفو الاستقرار. فلا اعتقالات ولا اختطافات ولا تعفيش بيوت ولا حتى كيماوي خنق أطفال الوطن

في الأمن المخابرات لكي "يساعده" إذا وقع في ورطة أو فريسة الأجهزة لا قانون في البلد إلاّ قانون الوساطة والرشوة الجميع يعرف ذلك فلماذا هذا الاستغراب والاحتجاج على مسلسل بسيط.؟!

لماذا هذا الاحتجاج من قبل الموالاة في بلد يختلس فيه بشار الأسد خمسين مليون دولار من صندوق النفط السرّي أيام الرئيس الأب الذي يغضب على رئيس وزرائه (محمود الزعبي) ويُقدم على تصفيته وإعدامه لأنه أباح بهذا السر عن بشار الابن.

لماذا كل هذه الأكاذيب في الدراما السورية لطالما البلد بخير ولا شيء يعكّر صفو الاستقرار. فلا اعتقالات ولا اختطافات ولا تعفيش بيوت ولا حتى كيماوي خنق أطفال الوطن.

في الحديث عن مسلسل "دقيقة صمت" لا يمكننا تجاهل تناول بعض الأمور الهامة. فالمسلسل رغم هروب صانعيه وابتعادهم عن مواضيع سوريا الحاضر إلا أنهم تمكّنوا من إنجاز مسلسل "جذاب" تابعته شريحة واسعة من المشاهدين وتعاطفت مع أبطاله "المظلومين" الذين هم بالأساس مجرمون.. ويبدو أن من أهم أسباب هذا التعاطف (بالإضافة إلى حبكته البوليسية المشوقة) تمركز جوهر الصراع بين (الناس الغلبانة) ضد (الضباط الفاسدين).

في سيناريو متقن استطاع أن يكرّس بعض القيم المهمة كمفاهيم الولاء والإخلاص بين الأصدقاء (أمير، أبو العزم والجنوبي) وبعض مفاهيم صراع الخير ضد الشر، إلاّ أنه في النهاية شخصيات المسلسل لا تحتمل أي تأويل أو ترميز فلا أمير ناصر هو روبن هود ولا العقيد عصام هو المرحوم صلاح جديد.

مثلما تأثرت الموالاة سلبا بسبب تقديم فساد ضباط الأمن، لا نفهم تحليلات واعتبارات كاتب السيناريو في أن هذا المسلسل هو مسلسل معارض للنظام وفيه اعتبارات سياسية عميقة ضد آلية الموت والاجرام أي ضد نظام بشار الأسد. لماذا تحميل هذا المسلسل أكثر مما يحتمل..

محاولة أمير للعودة للحياة الطبيعية مع أولاده وحبيبته لم تكن لإثبات براءته

أو محاولة منه للنضال ضد الجهاز الأمني الفاسد لا، فهو محكوم بالإعدام لاقترافه جريمة قتل. وصراع الشخصيات فيما بينها للسيطرة واتخاذ القرارات الحاسمة

نهاية المسلسل "الرومانسية" بمغادرة أمير وعصام لسوريا جاءت وكأنها حل لمشكلة درامية وبوليسية أو لربما أيضاً إرضاء لمزاج عام بنهاية سعيدة

واضح ولا سيما الضباط، لكنها لا تحمل برامج ولا أي تأويلات سياسية، حتى و لو تم ذكر مفردات مثل (مصلحة الوطن، الاستقامة، النزاهة) فإن ذلك لن يغير من حقيقة أنه مسلسل عادي لا تعارض فيه مع مصلحة النظام ومروياته حول (أن الرئيس كويس بس يلي حواليه فاسدين).

رغم أن صراع السوريين مع هذا النظام ليس صراعاً عسكرياً فقط وإنما صراع أخلاقي وإنساني ولن يحسم إلا بزواله، إلا أن

نهاية المسلسل "الرومانسية" بمغادرة أمير وعصام لسوريا جاءت وكأنها حل لمشكلة درامية وبوليسية أو لربما أيضاً إرضاء لمزاج عام بنهاية سعيدة، نحن كمشاهدين في اللحظات الأخيرة كنا نتمنى بدواخلنا أن يهرب الجميع من براثن هذه الطغمة الحاكمة في دمشق. لكن بنفس الوقت قد تكون لتمرير رسالة أن كل من يخطر بباله التمرد على هذا النظام المجرم فمصيره النفي.

على الصعيد الفني، استطاع المسلسل أن يخرج من إطار الاستوديوهات ويصور في أماكن حقيقية ومتنوعة ما بين سوريا ولبنان وحاول أن يعطي انطباعا حقيقيا عن بيئة حقيقة.

محاولة إيهام أهالي القرية بعودة الميت الذي تم "إعدامه" كانت محاولة ساذجة فاشلة فنيا ودرامياً فلا أحد يعود من الموت في سوريا لا أمير أدهم ولا حتى نظام بشار الأسد.

 

شارك برأيك