دعوة للحوار وعقد مؤتمر كُردي وسط حقل ألغام

تاريخ النشر: 14.06.2018 | 00:06 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2020 | 18:13 دمشق

يستند البقاء السياسي لحزب الاتحاد الديمقراطي إلى مواجهة التحديات الاجتماعية في المناطق الكُردية، وهي تحدّيات هائلة بالفعل. وفي هذا السياق، يندرج كلام الاتحاد الديمقراطي عن الدعوة لعقد مؤتمر وطني، وطيّ صفحة الخلافات مع المجلس الوطني الكردي دون شروط مسبقة عن رغبة الأول بالسيطرة على ما تبقى من الشارع الكردي؛ رغبة منه في لجمّ أي تطلعات أو مشاريع مستقبلية وطرح نفسه الممثل الوحيد للكُرد في سوريا.

 لم تتأخر الإدارة الذاتية، بكونها سلطة سياسية ناشئة، في إدراك حجم النفوذ الذي يمكن أن تؤمنه من خلال شريحة الفقراء من الكُرد والعرب على حدًّ سواء، فسعت لربط سياساتها ونجاحها كشرط مسبق لتحسين أوضاع الفقراء الملتزمين معها.

 تتشكل الإدارة الذاتية من مجموعة من الأحزاب السياسية، أغلبها حديث المنشئ لا تشكل أي تأثير أو فاعلية في الحدث السوري ولا حتى على الصعيد المحلي، وهي ليست سوى تتمة عددية. في المقابل شكل نسبة مشاركة الكورد خارج التعامل بسبب الحاجة والفقر شكل صفعة قوية لمؤسسات الإدارة الذاتية وحزبهم الحاكم، لعدم كفاءتها وانقسامها وفسادها المستشري. حيث برزت الإدارة الذاتية، بعد دخول البلاد نفقاً مظلماً كنتيجة طبيعية لعسكرة الحدث السوري، ومع زيادة الضغط العسكري على النظام وتداعي سيطرته على الرقعة الجغرافية، وكرد فعل حادّ لانضمام المجلس الكُردي إلى الائتلاف السوري.

 وبعد زيادة دائرة الفقر والغلاء وزيادة هجرة الشباب، رصّت شرائح من الفقراء صفوفها تحت راية الإدارة الذاتية من أجل إثبات وجودهم إضافة إلى المقتنعين بتيار الاتحاد الديمقراطي والإدارة الذاتية وإلقاء اللوم دوماً على المجلس الوطني الكوردي كمحدد لأسباب فشلهم، وتلجأ إلى شبكة من نشطاء الفيس بوك لترويج أوامرهم.

 لم يؤسس الاتحاد الديمقراطي وإدارته الذاتية أرضية رصينة للحياة السياسية، وجعلوا من كل الامتيازات والخيرات المتوفرة في هذا البلد الغني رهينة ذهنياتهم ورغباتهم ومصالحهم.

سعى الاتحاد الديمقراطي لتمثيل السياسة الكردية الناشئة بمفاهيم جديدة وتوليف نخبة حكومية تستند على رئاسة مشتركة ومفاهيم خالية من خصوصية قومية بحتة. فكانت إحدى الركائز الأساسية في انتقاد النخب الكُردية للاتحاد الديمقراطي، يكمن في إصرار الأخيرة على عدم الإقرار بالفشل السياسي على الصعيدين الداخلي والخارجي، هذا الانتقاد ينمّ عن قدر كبير من التأمل الذاتي، خاصة وأن الكتلة الأكبر من الكُرد أصبحت تعتكف عن العمل السياسي والحزبي ويقتصر حضورهم على المشهد التأملي لا غير؛ كنتيجة طبيعية لفرض سياسة العنف ووضع الشعب في خدمة الأجندات الحزبية، وعدم تأمين فعلي للخدمات الأساسية الملقاة على عاتق هيئات أساسية كبرى.

 لم يؤسس الاتحاد الديمقراطي وإدارته الذاتية أرضية رصينة للحياة السياسية، وجعلوا من كل الامتيازات والخيرات المتوفرة في هذا البلد الغني رهينة ذهنياتهم ورغباتهم ومصالحهم وطالما هددوا عبر ممارسات عنفية أو لفظية كل من يحاول الاعتراض أو عدم الرضوخ لسياساتهم الاقصائية.

 وفي حين أن الإيرادات المالية المستمَدّة من واردات معبر سيمالكا وعمليات التهريب والضرائب والبرجوازية الحزبية وشبكة الزبائن الاقتصادية ساعدت الإدارة وحزبها الحاكم على النمو خلال الأعوام القلية الماضية، فإن الاشتباكات والمعارك ضد داعش أدت إلى استنزاف الموارد البشرية وقسم من المالية لهم، فباتت عاجزة عن تفضيل تقديم خدمات الرعاية الأساسية على تلبية متطلبات زيادة حجم الكتلة المالية الضخمة، ولجأت عوضاً عن ذلك إلى استحداث غريم دائم ومتسبب في جميع حالات الفشل.

بعد ثمان سنوات من الحدث السوري تتميز المناطق الكردية بإمكانية التنبؤ بسلوكيات الأحزاب والجهات الحاكمة والمعارضة، الفاعلة والمؤثرة منها والمستفعلة على حدًّ سواء، خاصة وأن إخفاق المنظومة السياسية في استجلاب أي دعم أو حماية دولية أو تأييد دولي أو إقليمي أو حتى محلي (نظام/معارضة) مبني على أساس اتفاق سياسي وواضح، ألقت بظلالها على المنحى السياسي للإدارة والاتحاد الديمقراطي.

ثمة فجوة واسعة وخطيرة بين الحكّام وبين المحكومين في المناطق الكُردية في سوريا، ما يستجلب المزيد من المصاعب للمعارضين والرافضين لسياساتهم. بدليل نسبة الإقبال المتدنية على الالتزام بقضايا مطروحة من لدن الإدارة الذاتية لا تخرج من دائرة شبكة العلاقات الخاص بالمنتفعين.

يلجؤون إلى فرض نظام سياسي قوامه تجميع كل الأحزاب الكردية وغير الكردية في قائمة واحدة على أن يكون الاتحاد الديمقراطي البطل والقائد الوحيد، ما يخلق ردة فعل عنيفة قد ترتقي إلى مستوى الصدامات المتوقعة وبحدّية أكثر مما سبق، ما يعني رغبة الشارع بالتغيير كصدى للتململ والغضب المتفشّيين على نطاق واسع في أوساط الكُرد وباقي المكونات. هذه الأجواء تستلزم إعادة هيكلة السياسة وترسيخ عملية الانتقال من الحرب إلى السلم.

يواجه الاتحاد الديمقراطي عند هذا المنعطف كمّ هائل من الرهانات الخطيرة قبل دعواته الإعلامية لعقد مؤتمر وطني. أو يتعين عليه أولاً النجاح في استعادة ثقة المكونات والكتل السياسية وقدرات المنطقة، وبناء شخصية سياسية بهوية كردية جامعة، وضم الممثلين الحقيقيين للمكونات الأخرى. والحماية المشتركة للمنطقة من احتمالية عودة ظهور داعش أو هجمات النظام السوري أو أي نزاع آخر. خاصة وأن تركيا لن ترضخ لرؤية إعلامهم على الحدود معها ولا لوجود كوادر الكُردستاني في المنطقة، ما يلم تغيير جذري على الصعد كافة.

 رُبما المُطمئن في القصة اليوم هو أن المزاج العام للاتحاد الديمقراطي مصَّممٌ على التصالح مع الطرف الكُردي الآخر في كل مرة يشعر بحراجة موقفه وضعفه، وبالتالي أيّاً تكن نوعية التوافقات القادمة فإن المجلس إن وقع في الفخاخ السابقة لمنافسه سيتحول إلى حفاراً لقبره بيده ولن يجد نفسه سوى مضطراً إلى مسايرة الاتحاد الديمقراطي لعقود.

التحالف أو الإخفاق الجديد الذي سيرسم معالم السياسة الكُردية المقبلة، سيكون ثمرة لعبة حَذِقة ومتقلبة الأطوار، وعدم الاستناد إلى إيديولوجيا أو برامج أحادية سيكون نقطة الفصل. وبانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، غالب الظن أن تشهد المناطق الكردية هدوءا حذراً وزوال مظاهر العنف ولو إلى حين.