دعوة لكلمة حق: رسالة للسيد بيدرسون

تاريخ النشر: 08.02.2021 | 00:00 دمشق

أمضى "غير بيدرسون"، ابن الستة والستين عاماً، أكثر من نصف عمره في عالم الدبلوماسية؛ معظمها في قضايا منطقتنا العربية. شَهِدَ وشارك بولادة "اتفاق أوسلو 1993"، وتابع عقابيل الجنوب اللبناني بين 2005 و2007؛ والأهم منهما، كان ممثلاً لبلده "النرويج" في الأمم المتحدة بين 2012 و2017، حيث كان شاهداً على (شحشطة) القضية السورية في المنظمة الدولية. منذ حوالي العامين، أصبح المبعوث الدولي لتلك القضية، التي لم تظلم الأمم المتحدة قضية كما ظلمتها.
في مؤتمره الصحفي الأخير مع نهاية الجولة الخامسة للجنة الدستورية كاد أن يكون أكثر إحباطاً وغضباً من وفد المعارضة، الذي لم يحصل على حق أو باطل من وفد يدعمه نظام الأسد بالتعنت والعرقلة، والروس بالكذب والمراوغة، والإيرانيون بالخبث وقلة الوجدان. ولأول مرة كاد السيد بيدرسون أن يخرج عن طوره، وينطق بالحق، ويسمي الأمور بمسمياتها، ويحسم المسألة بأن نظام الأسد لا يريد عملية سياسية.  بناءً على ما تقدم، وكمواطن سوري، أقول للسيد بيدرسون:
سيد بيدرسون، تعرف ونعرف أن السلام العالمي وحقوق الإنسان، في حضرة المنظمة الدولية، أسرى عَرَبةٍ تشدّها أحصنة أو "وحوش" في اتجاهات مختلفة. وأنك و"الأمين العام" أسرى لتلك المنظومة الجهنمية، التي أُريدَ لها أن تحمل هذه الأمانة العالمية.

سيد بيدرسون؛ لقد وصّفت مداخلتك اللجنة، خلال مؤتمرك الصحفي، بأنها صريحة. نعم كانت صريحة، ولكن هناك فرقاً بين الصراحة والحقيقة، ولا يكفي أن تطلق العبارة الصريحة: "كانت الجولة مخيَّبة للآمال"، لطمس الحقيقة التي تضع النقاط على الحروف، وتحدد الجهة المسؤولة عن العبث بدم شعب عمر مأساته تجاوز عقداً زمنياً. فعندما تعزو ذلك "لعدم وجود فهم واضح لكيفية التقدم في عمل اللجنة"، فأنت تغفل مَن قرر عن سبق إصرار وتصميم ألا يفهم أو يكون فهمه واضحاً، وألا يتقدم، وألا يعمل. هذا ولديك من الدلائل ما لا حصر له في الإصرار والتصميم على فعل ما تشتكي منه. يكفي أن تنظر بتصريحات مَن أرسل مَن تسميهم "الوفد المدعوم من الحكومة السورية". حقيقة اعتماد هذه التسمية بحد ذاته أمرٌ مشبوه، ويخالف الاتفاق الأممي الأساسي على تشكيل اللجنة.

سيد بيدرسون، ربما تتصور أنك كنت وجدانياً وصريحاً وحتى قاسياً، عندما تقول إن "الكزبري" رفض اقتراح "البحرة"، ورفض حتى اقتراحك المعدَّل والملَطَّف؛ حيث قد تتسبب قسوتك هذه بتعقيد إمكانية زيارتك إلى محمية النظام وداعميها؛ لا تقلق، لقد تحدثت عن رفض مقترح لآلية أو طريقة أو مقاربة أو أسلوبية أو نموذج... العمل. وهذا كَمَن يلوم مَن يرمي "برميل" بارود عشوائياً، وضرورة أن يرميه بآلية ومنهجية مجدية.

إذا كان تصرف نظام الأسد تجاه عمل اللجنة الدستورية -المنتج الروسي- الحامي للنظام، بهذا الشكل؛ فكيف سيكون موقفه تجاه البنود الأخرى للقرار الدولي

سيد بيدرسون، توقَّفَ الكثير من السوريين عند عبارتك: "آمل أن أتمكن من الذهاب إلى دمشق... لمناقشة الحكومة في الجوانب الأخرى للقرار 2254”. حقيقة، عند سماع نظام الأسد أو "كزبره" هكذا كلام، سيجعلون حصولك على سمة دخول صعبة وشبه مِنّة أو "مكرمة"، ولن تسمع من الكزبري إلا الرفض. ومن جانب آخر، إذا كان تصرف نظام الأسد تجاه عمل اللجنة الدستورية -المنتج الروسي- الحامي للنظام، بهذا الشكل؛ فكيف سيكون موقفه تجاه البنود الأخرى للقرار الدولي، التي طالما سعى والروس لطمسها والتفلت منها كلياً؟! إنك للأسف تستجدي منظومة مرتهنة غاية في الهشاشة، تستمر بفعل إيران وروسيا، وبابتزاز من حولها؛ فلا تعرِّض نفسك لمزيد من الابتزاز. هذه منظومة إجرامية استبدادية لا مكان لها إلا "لاهاي"، فملفات إجرامها تتراكم وتنفتح. فقط عُد إلى صور قيصر، وإلى شهادات تتم في محاكم ألمانية هذه الأيام.

سيد بيدرسون، نحن نعرف أن الروس يريدون إلغاء دورك ودور الأمم المتحدة من خلفك، وحصر عملك تحديداً بدور "الميسر"؛ وينتقدون من وقت لآخر أي تدخل في عمل اللجنة، ولكنهم يغوصون في التدخل بعملها حتى أعناقهم؛ وبوقاحة.
سيد بيدرسون، إن لم تأخذ إحاطتك في مجلس الأمن قريباً القضايا التالية بعين الاعتبار، فاعلم أنك تنضمُّ طوعياً للجهات المسؤولة عن استمرار المأساة السورية:

*  التصريح دون التباس أو تنميق أو مواربة بأن نظام الأسد لا يريد الدخول في العملية السياسية، ولَم يطبق أو ينفذ أمراً من إجراءات "بناء الثقة" التي وردت في مختلف القرارات الدولية. فهو لم يطلق سراح معتقل رأي، وأطبق الحصار على السوريين، وأفقرهم، وقتلهم، ودمّر بيوتهم، واعتقلهم، وشرّدهم، واستقطب الإرهاب العالمي ليرعبهم، ويغطّي على جرائمه. وهو لم يطبق أياً من البنود الواردة في القرارات الدولية.

*  دعوة مجلس الأمن للتطبيق الكامل للقرارات الدولية الخاصة بسوريا وخاصة 2118 و 2254، غير منقوصة أو مشوهة؛ وفِي فترة زمنية لا تتجاوز الستة أشهر. فقط قُلِ الحقيقة، وثبّتها في محاضر مجلس الأمن، وليكن اسم مشروعك: "بيان بيدرسون". بذا ترضي ضميرك والإنسانية وتنصف السوريين المكلومين.

أخيراً، نتمنى عليك أن تدخل التاريخ محترماً، نزيهاً شريفاً. وغير ذلك، ستجد من سيقول لك سيد بيدرسون: إن لم نسمع منك خطاباً صريحاً صادقاً منصفاً كهذا، فلتذهب أنت وغوتيريش ومجلس أمنك، وأممك المتحدة إلى الجحيم؛ وما للسوريين إلا الله، وما أمامهم من خيارات إلا أن يُعمِلوا ما تبقى من عقولهم ويخططوا ويتفاهموا وينطلقوا بمشروع استعادة بلدهم بأي طريقة كانت.