دعم كيميائي من سلطة عباس إلى نظام الأسد

تاريخ النشر: 01.05.2021 | 05:42 دمشق

صوتت السلطة الفلسطينية الأسبوع الماضي إلى جانب نظام بشار الأسد في المنظمة الأممية لحظر الأسلحة الكيميائية. السلطة كانت ضمن أصوات معدودة أخرى رفضت فرض عقوبات على النظام إثر ثبوت قيامه بشن هجمات بالسلاح الكيميائي ضد الشعب السوري في مدينة خان شيخون ومناطق أخرى، علماً أن الحديث يجري عن تنفيذ النظام عشرات الهجمات الكيميائية في الأراضي السورية.

موقف السلطة لم يكن مفاجئاً في الحقيقة، وهو ناتج عن خلفيات فكرية وسياسية، وبالتأكيد ستكون له تداعيات أخلاقية وسياسية سلبية على المصالح والقضية الفلسطينية بشكل عام.

تاريخياً؛ كانت منظمة التحرير الفلسطينية استنساخاً ناعماً وملطّفاً لمنظومة الاستبداد والفساد العربية، بينما مثّلت السلطة استنساخا فظّا وخشنا لها، وتصرفت منذ تأسيسها بصفتها عضواً أساسياً في المنظومة التي أسقطتها الثورات العربية الأصيلة، وهذا يفسّر طبعاً مواقفها السلبية والمتوترة منها ودعمها وتشجيعها في المقابل للثورات المضادة في طول العالم العربي وعرضه.

في السياق نفسه ينتمي محمود عباس إلى فئة الفلول القدامى من الحكام العرب لكنه نجا من الثورات الأصيلة بعد تعثرها المأساوي في القاهرة، بينما سقط زملاء وحلفاء وأصدقاء له مثل حسني مبارك وزين العابدين بن علي وعلي عبد الله صالح. أما بشار الأسد فيبدو مزيجاً سلبياً وإجرامياً وفريداً من الفلول القدامى والجدد كون نظامه ينتمي إلى طبقة عباس نفسها، أي القدامى، بينما ينتمي هو شخصياً إلى الجدد، وهذا يفسّر بالتأكيد التقارب بينهما رغم العداء التاريخي بين النظام ومنظمة التحرير، وسلطة الحكم الذاتي المحدود –حسب تعبير الأبواق الإعلامية لبشار الأسد وحلفائه - وشهادات تاريخية لقادة فلسطينيين مؤسسين عظام - مثل ياسر عرفات وجورج حبش بحق النظام سيئ الصيت وما ارتكبه من جرائم بشعة بحق الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

بناء على المعطيات الفكرية السياسية السابقة، دعمت سلطة عباس نظام الأسد منذ اللحظة الأولى ضد الثورة السورية بما في ذلك جرائمه الموصوفة الكيميائية والتقليدية.

يمثل التصويت بلا شك سقطة أخلاقية سياسية لقيادة السلطة تؤكد افتقادها للأساس الأخلاقي الضروري لقيادة وتمثيل الشعب الفلسطيني، والدفاع عن حقوقه العادلة والمشروعة وفق المواثيق الدولية التي تطالب بتحقيقها وتطبيقها

صمتت سلطة عباس بالتالي عن جرائم الأسد حتى بحق اللاجئين الفلسطينيين الذي تدّعي تمثيلهم بما في ذلك آلاف الشهداء والمعتقلين منهم، وتدمير المخيمات وتشريد أهلها رغم أن ذلك يمثّل تساوقاً موصوفاً وفاضحاً من قبل الأسد ونظامه مع المشروع الصهيوني الاستعماري الهادف لشطب حق عودة اللاجئين في سياق تصفية القضية ككل وإزاحتها عن جدول الأعمال الإقليمي والدولي.

في الفترة الماضية بلعت سلطة عباس وناطقوها ألسنتهم الطويلة أيضاً عن تسليم نظام الأسد لتل أبيب رفات جنود إسرائيليين تم أسرهم في معارك قاسية بلبنان – 1982 - تم فيها تقديم تضحيات فلسطينية وسورية ولبنانية هائلة دونما ثمن أو أثمان جدية اللهم إلا الخضوع للاحتلال الروسي ومباركة الاحتلال الإسرائيلي لبقاء النظام، كما غضت السلطة الطرف ولا تزال عن بحث هذا الأخير المتواصل عن رفاة جنود إسرائيليين آخرين بما في ذلك نبش القبور وانتهاك حرمة الموتى في مقبرتي الشهداء باليرموك المدمر والذي يسعى النظام لتأميمه ومصادرة ما تبقى منه وقتل أي فرصة جدية لإعادة إعماره وعودة أهله وناسه إليه.

في السنوات الخمس الأخيرة تحديداً بعد الاحتلال الروسي لسوريا، أقامت السلطة علاقات وثيقة متعددة المستويات مع نظام الأسد، وشجعت بل دعمت علناً محاولات تعويمه وشرعنته بما في ذلك إعادته إلى الجامعة العربية.

بناء على ما سبق كله لم يكن مفاجئاً أن تصوت قيادة السلطة باسم دولة فلسطين إلى جانب النظام في المنظمة الأممية لحظر الأسلحة الكيميائية رغم ثبوت استخدامه سلاح الدمار الشامل ضد شعبه واللاجئين لديه بناء على تحقيقات أممية شفافة ونزيهة وحتى متأخرة تزعم السلطة أنها تستخدم مثيلاتها لتجريم إسرائيل على جرائمها بحق الشعب الفلسطيني.

يمثل التصويت بلا شك سقطة أخلاقية سياسية لقيادة السلطة تؤكد افتقادها للأساس الأخلاقي الضروري لقيادة وتمثيل الشعب الفلسطيني ضحية الجرائم الإسرائيلية، والدفاع عن حقوقه العادلة والمشروعة وفق المواثيق الدولية التي تطالب بتحقيقها وتطبيقها في السياق الفلسطيني، بينما تنكرت لها في السياق السوري.

من جهة أخرى يمثل تصويت السلطة تبريراً مسبقاً وحتى شرعنة للجرائم الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني إثر تغطيتها أو تبييضها لصفحة نظام الأسد من جرائمه، بل وتشجيعه على ارتكاب مزيد منها مستقبلاً.

وقبل ذلك وبعده فبأي وجه ستتعاطى السلطة مع المجتمع الدولي ومنظماته ومؤسساته القضائية، وتطالب بتجريم إسرائيل وعقابها على جرائمها بعدما رفضت تحقيق ذلك للسوريين وحتى للاجئين الفلسطينيين أنفسهم.

في السياق نفسه كان لافتاً جداً بل مدوياً صمت الطبقة السياسية الفلسطينية بما فيها الفصائل المعارضة التي لم ترفع صوتها ضد خطيئة وفعل السلطة الشائن، وبالتالي تعتبر شريكة فيه، ما يسقط أيضاً كل مرافعاتها الأخلاقية والسياسية المطالبة بدعم عربي وإسلامي ودولي للشعب الفلسطيني وقضيته المحقة العادلة في وجه الاحتلال الإسرائيلي وممارساته الإجرامية.

عموماً في الأخير لا بد من التأكيد على خلاصتين مهمتين من تصويت قيادة السلطة الكيميائي إلى جانب نظام بشار الأسد تفيد الأولى بافتقادها الشرعية الأخلاقية لقيادة الشعب الفلسطيني المقاوم، ناهيك عن أنها غير منتخبة ومستبدة وفاسدة، ولذلك ترفض وتحاول التملص من الانتخابات الديموقراطية الشفافة والنزيهة بكل الألاعيب والحيل الممكنة. أما الثانية فتتضمن تأكيد التصويت الشائن مرة أخرى على وحدة المسار والمصير بين الشعبين الفلسطيني والسوري، واستحالة هزيمة ودحر الغزاة دون التخلص من الطغاة. علماً أن السلطة - كما حليفها نظام الأسد - لا تملك الأهلية والمناقبية لتمثيل الشعب الفلسطيني، وبالتأكيد هي عاجزة عن تحقيق آماله ومطالبهم المشروعة هذا إذا امتلكت الإرادة لفعل ذلك أصلاً.