دعاية إيران النووية في الأزمات، قرعٌ على طبول السياسات الفارغة

تاريخ النشر: 04.02.2019 | 17:02 دمشق

آخر تحديث: 04.02.2019 | 17:33 دمشق

ضياء قدور - تلفزيون سوريا

بالتزامن مع ارتفاع حدة التوتر بين إيران والاتحاد الأوروبي، وانتظار صدور بيان من قبل الأخير حول دور إيران في إشعال الأزمات الاقليمية وبرنامجها الصاروخي، تناقلت وسائل إعلام إيرانية بشكل واسع، خبراً عن نقل 30 طنا من "الكعكة الصفراء" من مصنع أردكان إلى المنشآت النووية في أصفهان، وترافق ذلك مع نشر الصور الدعائية التي تتحدث عن هذا الموضوع.

وفي الحقيقة فإن الاتحاد الأوروبي يواجه من جهة الضغوطات الأميركية الداعية لتجنب إعمال الآلية المالية الخاصة مع إيران "SPV"، التي ستُمكّنها من الالتفاف على العقوبات الأميركية، ومن جهة أخرى يواجه الاتحاد الأوروبي سيلاً من التهديدات الإيرانية غير المباشرة التي تدعي نيتها الخروج من الاتفاق النووي الذي تم توقيعه في عام 2015.

ومن أجل حل هذه المعضلة، يبدو أن الاتحاد الأوروبي قد اتخذ حلاً مُرضياً للطرفين، فبداية تم الإعلان رسميا من قبل الاتحاد الأوروبي عن إطلاق آلية مالية خاصة "مخففة" تدعى "اينستكس" من أجل الاستمرار في التعامل التجاري مع إيران، وفي نفس الوقت زاد الاتحاد الأوروبي من لهجته الناقدة لدور طهران المخرب، وللبرنامج الصاروخي الإيراني المهدد لأمن المنطقة، وذلك بغية دعم سياسات الولايات المتحدة في المنطقة في مواجهة طهران.

وعشية مرور أربعين عاما على حكم الملالي لإيران، وفي ظل السخط الشعبي والضغوطات الداخلية المتزايدة على النظام، يبدو أن مبدأ التباهي بالقوة الزائفة، وإطلاق التهديدات العبثية، هي "سياسة" تم التوافق عليها بين مسؤولي النظام وفي داخل أروقة الحكم لمواجهة المرحلة المقبلة.

فالإعلان عن إنتاج ونقل الحمولة الثانية من الكعكة الصفراء من مصنع أردكان نحو المنشأة النووية في أصفهان، وذلك قبل يوم واحد من انتشار تقارير غير رسمية تتحدث عن إمكانية إطلاق آلية مالية خاصة خلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يوم الخميس الماضي 31 كانون الثاني الماضي؛ هو بمثابة قرع على طبول ذات "السياسة" المتوافق عليها داخل إيران.

لكن السؤال المطروح هنا ماهي قيمة هذه الكعكة الصفراء التي يتشدق بها الإعلام الحكومي داخل إيران؟ وما أهمية إنتاجها بالنسبة لعملية التخصيب؟ والأهم من ذلك، ما هو مدى تأثير هذه الدعايات النووية على الاتحاد الأوروبي؟

 

الكعكة الصفراء أرخص من الشوكولا

إن إنتاج غاز اليورانيوم بغية التخصيب حتى المعدل اللازم، ومن ثم تحويله لمعدن، مع قدرة على الانفجار (القنبلة النووية) أو الاحتراق (الوقود النووي)، هو أحد المراحل الأولى في امتلاك دورة الوقود النووي، وإنتاج الكعكة الصفراء أو ما يسمى بـ (Urania) هي عملية أولية وبدائية قبل إنتاج غاز اليورانيوم.

فقبل سقوط نظام الشاه (قبل حوالي 43عاماً)، قامت إيران بشراء 500 طن من الكعكة الصفراء من أفريقيا الجنوبية بغية استخدامها في المجالات المخبرية والتجارب، وبعد إمضاء الاتفاق النووي عام 2015، وتسليم إيران لـ 300 كيلو غرام من اليورانيوم المخصب فوق الحد المسموح لروسيا، قامت روسيا بتحويل 230 طنا من الكعكة الصفراء المنتجة في كازاخستان إلى إيران على مرحلتين منفصلتين.

فمصنع أردكان الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام الإيرانية، بُني من أجل تحويل حجر اليورانيوم المنتج داخليا إلى كعكة صفراء، ويعتبر مصنعاً صغيراً جداً، وسعته الإنتاجية لا تتجاوز 67 طناً من الكعكة الصفراء سنوياً.

وإذا نظرنا لقيمة كل كيلو من الكعكة الصفراء في الأسواق العالمية (مع الأخذ بعين الاعتبار معدل نقائه وجودته)، نجد أنها تتراوح ما بين 25 حتى 60 دولارا، وفي الأعوام الماضية كان تأرجح أسعار هذه المادة أكثر من ذي قبل.

أي أن قيمة حمولة يصل وزنها لـ 30 طناً من الكعكة الصفراء والتي سيعمل مصنع أردكان ستة أشهر لإنتاجها، تتراوح ما بين 1.5 حتى 2 مليون دولار كحد أكثر.

قيمة كل كيلو شوكولا من النوع الجيد تتراوح ما بين 60 حتى 70 دولارا في الأسواق العالمية، أي يمكن الاستنتاج بسهولة أن قيمة منتج من الكعكة الصفراء استغرق إنتاجه حوالي ستة أشهر في معمل أردكان، وحظي بكل هذه الدعايات النووية الواسعة، أقل بكثير من قيمة منتج من الشوكولا ذات النوعية الجيدة التي تحمل نفس الوزن.

أهمية الآلية المالية الأوروبية الخاصة:

في المرحلة الحالية لا يمكن الحكم بسهولة على الأداء والتأثير الفعلي الناجم عن "إنشاء الآلية المالية الخاصة" التي مازالت تتخذ شكلاً إعلامياً وغير رسمي حتى الآن، على إيران واقتصادها بشكل عام.

وفي نفس الوقت، بالنظر للاختناقات وإمكانية العمل المحدودة التي تعاني منها الآلية الجديدة "اينستكس" في حال إطلاقها في المستقبل، فمن المتوقع جدا ألا تكون أهميتها وقيمتها الحقيقية أكثر من أهمية وقيمة إنتاج الكعكة الصفراء بالنسبة لإيران، وذلك رغم تدني قيمتها وأهميتها كما ذكرنا سابقا.

والسبب الذي يكمن وراء ذلك، هو أن الآلية الأوروبية الخاصة أو مهما كانت تسميتها، هي عبارة عن هيكل غير مُجرّب من أجل إعطاء نوع من المصونية المالية لإيران، وتوفير تسهيلات النقل للشركات التي تتعامل تجاريا مع إيران.

وأهم مشكلة تواجه هذه الآلية هي طبيعة الاقتصاد الأوروبي الحر، وتفضيل الشركات الأوروبية الكبيرة الحضور في الأسواق الضخمة، مقارنة مع السوق الإيراني الصغير جدا، وعجز الحكومات الأوروبية عن إجبار الشركات الخاصة على مواصلة التجارة مع إيران، ناهيك عن خوف تلك الشركات من العقوبات الأميركية في حال التعامل مع إيران من خلال هذه الآلية.

وفي المحصلة، فإن الشركات التي ترغب في الاستمرار في التجارة مع إيران هي فقط تلك الشركات التي تبيع المنتجات الغذائية والمحصولات الزراعية، أو تلك الشركات غير القادرة أساسا على الصمود في السوق الأميركية.

والشركات الكبرى التي غادرت إيران في وقت سابق أعلنت عن إطلاق آلية خاصة لا تزال غير واضحة المعالم حتى الآن.

وعلى ما يبدو أنه من خلال توفير ضمانات حكومية من جانب الدول الأوروبية، سيتم احتساب التعامل التجاري مع إيران على أساس دائم في الصندوق الخاص، وسيتم تسديد الدفعات من خلال البنك المركزي دون إعطاء الحق لإيران باستخدام الدولار.

كما أن معارضة الولايات المتحدة الواضحة لأي إقدام أوروبي قائم على مساعدة إيران على التحايل على العقوبات لن يسهل الأمر على مخططي الآلية الخاصة ومنفذيها، ناهيك عن أن عدداً كبيراً من الدول الأوروبية رفضت حتى استضافتها.

وعلى هذا النحو فإن الأداء والقيمة الحقيقة للآلية المالية الأوروبية أو اينستكس لن يكون أكثر أهمية من حمولة الكعكة الصفراء التي أنتجت خلال ستة أشهر في مصنع أردكان (بسعر عالمي أقل من قيمة الشوكولا)، وأنفقت عليها إيران كل هذه الدعايات النووية من أجل زفها للمنشآت النووية في أصفهان.

ومن هنا يتبين لنا حقيقة قرع الملالي على طبول السياسات الفارغة، وهي حقيقة من المؤكد أن مسؤولي النظام على دراية كاملة بكل بتفاصيلها.

مقالات مقترحة
ما تأثير الصيام على مناعة الجسم ضد فيروس كورونا؟
الدنمارك أول دولة أوروبية تتخلى عن استخدام لقاح "أسترازينيكا"
المعلمون في تركيا.. الفئة المقبلة لتلقي لقاح كورونا