دعاة القنوات الفضائية..شيوخ من لا شيخ له

تاريخ النشر: 12.06.2018 | 01:06 دمشق

يكاد ينحصر دور علمائنا ومشايخنا اليوم في المحافظة على الفلكلور الديني، والسهر عليه في غرفة الإنعاش، وقد اكتفوا بهذا الدور لأن مؤهلاتهم لم تعد تسمح لهم بغيره، فقد غدا معظمهم سادة الأقوال ولا أفعال، وصار جلّهم رسل تسلية وترفيه، ولا سيما منهم (نجوم) القنوات الفضائية من (الدعاة)، سواء منهم الشيخ المعجزة الذي يفهم في شيء ولا يعتذر عن شيء، أو الشيخ البشوش، المتدفق بسمات، والمستحي دائماً من إطراء المعجبين والمعجبات، أو الشيخ المكثار الذي لا يجف حلقه، فتسمعه في الصباح الباكر، وفي الضحى، وبعد الظهر، وما بين العشاءين، أو الشيخ الذي أمطر الناس بوابل من الفتاوى والأحكام على الهواء مباشرة، ثم اكتشف في لحظة ما أنه غير مؤهل للإفتاء وإعطاءالأحكام فاكتفى بـــ (الدردشة) والإرشاد، أو الشيخ الذي لا تشتمُّ منه أدنى رائحة للثقافة، ولكن تفوح منه قصص وروايات نصفها كذب، ونصفها الآخر مرشح ليكون كذباً أيضاً، أو الشيخ الغائص في فضيلته وفكره، والذي لا يتظاهر أنه فريد بل يؤمن بذلك حقاً، أو الأستاذ الداعية الذي فرغت جعبته، وما عاد يعرف ماذا يقول بعد أن سرد علينا قصص الصحابة أجمعين، وحكايات كل الأنبياء والمرسلين، فتحول إلى ممثل إعلانات وتدرج من العطور والبخور، إلى الفراخ في القدور .

أو الشيخ التائب الظريف الذي ملئ فكاهة وتهريجاً، والذي يجسّد خطابه قيَم مسلسل (باب الحارة) خير تمثيل، فتحتار هل هو داعية أم عكيد، وهل هو شيخ أم قبضاي صنديد.

أقول ذلك وبرهاني حاضر، وشاهدي شاهد، ذلك أننا نرى بأم أعيننا كيف تتحول (الدعوة) ذلك المبدأ الشريف السامي إلى صناعة إعلامية، تقوم على مبدأ الإثارة، وتخضع لمنطق الاستهلاك، وتنصاع لقانون المنافسة التجارية، وتأتمر بأمر رجل (المخابرات) عن طريق (الرأسمالي) الذي يمسك بكل الخيوط فيحركها كيف يشاء، ومتى يشاء، والمهم عنده ألا يبقى زبون واحد من البشر خارج استهدافه، فلمحب الرياضة قناة، ولمتابع الأفلام قناة، ولعاشق المسلسلات قناة، وللأطفال قناة، وللموسيقى والغناء قناة، وللسياسة قناة، ولم يبقَ إلا الدين! فللدين أيضاً قناة.

وها نحن اليوم أمام (نجوم) فيديو كليب ديني دعوي مهمتهم إمتاع المشاهد لا تثقيفه، وتسليته لا تربيته، وتلبية رغباته لا حاجاته، من خلال معطيات معرفية تخلو من (التوثيق) و(التحقيق)، فيمزجون فيها الصفو بالكدر، والغُرر بالعَرَر.

نشأت تلك البرامج الدينية التي يعجب لها المرء من ضآلة مضمونها

أذكر ذلك بلا خوف أو وجل من تأنيب الضمير، وبلا تأثّم أو تحرّج من الوقوع في خطأ التعميم، فمع الأسلوب الجاري حتى الآن من قِبَل هؤلاء (الدعاة) ما عاد بوسعنا أن نميّز الرصين من المبتذل، ولا الباحث من العابث، ولا الفقيه من الفهيه، لأن كل شيء دُفع به إلى الضحالة مختلطاً بعضه ببعض، ومن بدأ منهم بداية موفّقة رصينة اكتشف سريعاً أن حصانه لن يجاري بقية الأحصنة الدعوية إلا إذا اتسم حديثه بالثرثرة، وبضاعته بالغثاثة، فما كان منه إلا أن خاض مع الخائضين.

وعلى هذا النحو نشأت تلك البرامج الدينية التي يعجب لها المرء من ضآلة مضمونها، ويعجب أكثر من تناقض هذا المضمون القائم على خليط غريب من (التفجّع المتواصل) و(الزجر الدائم) و(التملق المستمر) في الآن ذاته، فيتفجّع على ما صرنا إليه من ضعف بعد قوة، وانحدار بعد رقي، ويزجر الناس والمشاهدين والمستمعين لنأيهم عن تعاليم دينهم، واغترابهم عن أخلاق نبيهم، ثم يتملقهم فيقارنهم مع الغرب، برجاله السكارى، وبناته الحبالى، ويبرهن لهم أن المسلمين منارة بيضاء في وسط بحر الإنسانية العكِر، وأن المسلمات حرائر محميات في الغرف، وهل يصان الدرُّ إلا في الصدف؟

ومن هنا فإني لا أرى إطلاق وصف (النجومية) على هؤلاء (الدعاة)، بل أرى أنه يليق بهم تشبيه شوبنهاور أنهم مجرّد "دود مضيء يحتاج إلى كثير من العتمة ليسطع"، وفعلاً إنهم ليسطعون على اعتبار أنّ هذه العتمة موجودة موفورة، بل هي عتمة فوقها عتمات من اللاوعي، واللامعرفة، واللاثقافة، وفعلاً إنهم يعملون بكدّ على جعلها (عَتَمات مقدسة) تجتاح معظم فئات المجتمع من طلبة وأساتذة ومهنيين وصناعيين وتجار وأطباء ومهندسين، وبدون ذلك لن يوفّق هؤلاء (الدعاة) في أن ينسلّوا إلى بيوت الناس، ولا أن يرتعوا في عقول أبنائهم، ويلهوا بألباب بناتهم.

وأما من يدافع عن هؤلاء (الدعاة) وعن برامجهم الفضائية فأجيبه بالحديث عن أطباء الأبدان وأطباء الأديان، وبتعريف عمل كلٍّ منهما.

يقول غوته: "يمكن ادعاء كل شيء حين يسمح المرء لنفسه بأن يستعمل ويطبق الكلمات دونما تحديد على الإطلاق، بمعنى واسع حيناً، وبمعنى ضيق حيناً آخر، وبمعنى وثيق الصلة، أو بمعنى بعيد الصلة"

أما الطب فمهمته إطالة الحياة الإنسانية، وأما الدين فمهمته ملؤها بالحكمة. ولا شكّ في أنّ مهمة الدين أصعب وأشق وأعقد. إذن فعلامَ نجيز فيها أن يقوم بأودها برنامج تلفزيوني يوجّه الناس ويفتيهم، من دون أن يعرف المفتي المستفتي، ومن دون أن يتابع الموجِّه الموجَّه؟ بينما لا نجيز ذلك فيما هو أخف وأسهل، بل نرى أنه من قبيل الجنون أن يتطبب البشر على اختلاف صنوفهم وأدوائهم وأوجاعهم من خلال مشاهدة برنامج طبي تلفزيوني.
ولقائل أن يقول: أفلا نسلّم جميعاً بالفائدة الجليلة التي نجنيها من الأطباء في برامجهم التلفزيونية، من خلال تقديمهم النصائح الطبية العامة، وتعريفهم بالقواعد الصحية اللازمة، وبذا يساعدوننا على الأقل في وقاية أنفسنا من العلل والأسقام؟ وإذا سلّمنا بهذا فلنسلم أيضاً بالفائدة العظيمة التي يقدمها لنا (دعاتنا) في هذه البرامج من خلال نصحهم الديني، وإرشادهم الخُلقي؟

أما نحن فما كنّا لنرفض هذه المقايسة، وما كنّا لنأباها، بل على العكس كنّا نودّ لو أنها كانت صحيحة صائبة، فمن منّا لا يروم الخير! ومن منّا يأبى النفع! ولكن هؤلاء (الدعاة) لا يساعدوننا على ذلك، فهم لا يمتلكون رؤية واحدة، ولا يتفقون على إستراتيجية جامعة، ولا يلتفون حول الأولويات نفسها، ولا يشتركون في الأهداف ذاتها، ولا يصدرون عن مشرب واحد، والنتيجة أننا غدونا أمام خطاب دعوي سداه تخبط وتخليط، ولحمته مزاجية لا تستهدي بخطة.

وخلاصة الكلام: ما كانت هذه البرامج في يوم من الأيام عامل صحوة، أو علة ارتقاء فكري، أو تطور روحي، وأما من أراد أن يكابر فله ذلك. يقول غوته: "يمكن ادعاء كل شيء حين يسمح المرء لنفسه بأن يستعمل ويطبق الكلمات دونما تحديد على الإطلاق، بمعنى واسع حيناً، وبمعنى ضيق حيناً آخر، وبمعنى وثيق الصلة، أو بمعنى بعيد الصلة". وهذا ما يفعله المكابرون.

 

 

كلمات مفتاحية