دريد لحام والموساد.. هل يكون عراب التطبيع السوري؟

دريد لحام والموساد.. هل يكون عراب التطبيع السوري؟

دريد لحام والموساد.. هل يكون عراب التطبيع السوري؟

تاريخ النشر: 24.02.2021 | 00:01 دمشق

كان على خشبة المسرح يطالب بالكرامة بطريقة الكوميديا السوداء المؤثرة وينتقد النظام الحاكم بشدة في عقر داره، ولكنه على أرض الواقع عندما نادى السوريون بالكرامة وقف إلى جانب الطاغية لأنهم بنظره تخريبيون والقائد حامي الحمى يقارع إسرائيل، وسقط أكثر عندما كشف وجهه الحقيقي في ميدان المواجهة مع العدو الصهيوني فراح يمهد للتطبيع ويبسطه.

دريد لحام الذي اشتهر بشخصية "غوار الطوشه" صاحب "كاسك يا وطن" التي تنتقد بيع الوطن، اليوم يشارك في بيعه، فقد أثارت تصريحاته اللافتة حول التطبيع ردود فعل غاضبة حتى لدى جمهور الممانعة، عندما قال لشبكة سي إن إن العربية إن "التطبيع قادم وأنا لست ضده"، ولم تعدو الشروط التي عرضها لإمكانية التطبيع "بالعودة إلى المبادرة العربية في 2002" سوى كونها من أسطوانات الاستهلاك الإعلامي المتكرر.

لم تكن رسالته الفنية إلا سماً بيد السلطة المستبدة التي تجرم الحديث بالسياسة وتحرمه تحريماً مطلقاً، ولكنها منحت غوار الطوشه استثناءً مرخصاً لتنفيس الضغط القمعي وتخدير الجماهير

يحطم دريد لحام كل نظريات "فصل الفن عن السياسة" ويقلبها رأساً على عقب، باعتبار الفن من البنى العليا لبناء الشعوب والمجتمعات ورقيّها، ويقدم نموذجاً بشعاً لفنان السلطة الذي يسخر شهرته لخدمة السياسة باعتبار هذه الأخيرة في بلادنا تختصر في تطويع القطيع بالقوة الوحشية والسجون وإطلاق الشعارات.

كانت دموعه عن الوطن كذباً في إحدى مشاهد مسرحية "كاسك يا وطن" عندما قال "يا أبي مو ناقصنا إلا شوية كرامة" في مشهد يحمل ‏جرعة زائدة في نقد النظام السياسي، ولم تكن رسالته الفنية إلا سماً بيد السلطة المستبدة التي تجرم الحديث بالسياسة وتحرمه تحريماً مطلقاً، ولكنها منحت غوار الطوشه استثناءً مرخصاً لتنفيس الضغط القمعي وتخدير الجماهير، واليوم تمنح دريد لحام دوراً سياسياً ليدخل خط التطبيع مع العدو ولكي يكون عرّاب العلاقة مع إسرائيل عندما سمحت له بالإدلاء بتصريحاته الأخيرة.

يبدو أن دريد لحام لم يتلق ضوءاً أخضر من نظام بشار الأسد في مسألة التطبيع فحسب، بل هناك ترويج استخباري من قبل تل أبيب أيضاً لنجم الكوميديا المقرب من النظام السوري للعب دور في التمهيد لصفقة سياسية بين النظام وإسرائيل، هذا الترويج كان واضحاً عندما عرض الموساد فيلماً وثائقياً مثيراً مطلع شباط/فبراير الجاري عن سيرة حافظ الأسد وظهر فيه اسم "غوار الطوشه" كأبرز ناقدي نظام الحكم.

تحدث الفيلم عن أبرز محطات حكم الأسد منذ نشأته في طبقة معدومة إلى صعود الحكم وصولاً إلى وفاته، وعرض تفاصيل كثيرة عن "رجل العصابة الذي حكم سوريا" بينما أغفل تفاصيل أخرى مهمة، على سبيل المثال لا الحصر، لم يجد معدو الفيلم أهمية لعرض الاجتياح الإسرائيلي للبنان الذي دخل بأتون حرب أهلية تدخلت فيها جيوش وفيالق سورية وإسرائيلية إلا أنهم حرصوا على إبراز دور غوار الطوشه في الشارع السوري كأهم نجوم الكوميديا السورية والعربية الذي ينتقد الأسد من قلب دمشق.

كانت الرواية التي نسجها الفيلم مخابراتية شارك فيها صقور الموساد الذين يجيدون اللعب في المناطق الخطرة ويعرفون كيف يرسلون الرسائل؟ ومتى يسوّقون لما يريدون؟ ولا عجب لطالما كانت تروى حول هذا الجهار الاستخباري الأساطير وفقاً لما يروّجه عن نفسه واستناداً للمهام التي ينفذها.

في الفيلم قدم عتاة الاستخبارات الإسرائيلية صورة لحافظ الأسد (عدو إسرائيل الموثوق والمحترم) تقبل تأويلات متناقضة، من جهة هو ديكتاتور متوحش يبطش بلا هوادة بخصومه ومعارضيه، ومن ناحية أخرى رجل عصامي صعد من الصفر إلى حاكم مطلق لسوريا كرجل رصين يحترم كلمته وذكي يجيد السياسة.

اللافت في وثائقي الموساد فقرة تحدثت عن الصفات الإيجابية لحافظ الأسد منها أنه يتمتع بالمرونة والروح المرحة ويتقبل النقد السياسي لنظامه، عندما قال قيادي سابق في الموساد إن الأسد يحب مشاهدة أفلام ومسرحيات الكوميديان السوري الشهير "غوار الطوشه" الذي ينتقد بجرأة النظام السياسي والحريات من قلب دمشق.

من ينظر إلى طرق المخابرات الإسرائيلية في التواصل مع الشعوب العربية في زمن منصات التواصل الاجتماعي يدرك أن إقحام اسم غوار الطوشه في الفيلم ليس صدفة

لم تنسجم هذه الفقرة التي اقحمت شخصية غوار الطوشه مع الخط الدرامي الذي يسير عليه الفيلم، وبالأحرى كانت زائدة لا ترقى لمستوى الأحداث المهمة خلال العقود الثلاثة التي حكم فيها حافظ الأسد، وغير مقنعة إلا في أنها تلميع للأسد من جهة ولإعطاء أهمية لمكانة دريد لحام كمعارض شرس منذ أيام الأسد الأب من الجهة الأخرى.

وقد يقول قائل لا يكفي أن يظهر اسم الرجل في فيلم لتكون له علاقة بالموساد، وفي هذا كثير من الصحة، ولكن من ينظر إلى طرق المخابرات الإسرائيلية في التواصل مع الشعوب العربية في زمن منصات التواصل الاجتماعي يدرك أن إقحام اسم غوار الطوشه في الفيلم ليس صدفة وأن تصريح دريد لحام بعد أسابيع لشبكة إخبارية مقرها في الإمارات حول إمكانية التطبيع ليس صدفة أيضاً.

وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل تولي أهمية لما يعرف بـ "الدبلوماسية الرقمية" إحدى أساليب الدبلوماسية الناعمة تشغل فيها كوادر استخبارية لمخاطبة الشباب في البلدان العربية عبر حسابات رسمية على منصات السوشيال ميديا ويديرها مسؤولون حكوميون ويقف خلفها أشهر جهاز استخباري متخصص بالتجسس الرقمي "الوحدة 8200" التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية (آمان).

من أهم هذه المنصات حساب يديره الناطق الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي وصفحة "إسرائيل تتكلم بالعربية" التابعة لوزارة الخارجية وغيرها كثير موجهة للإعلام العربي سواء بحسابات رسمية أو مزيفة.

مهمة هذه الحسابات ترويج البروباغندا الإسرائيلية وتلميع صورة الدولة العبرية الاستيطانية عبر رصد الفضاء الإلكتروني لمستخدمي اللغة العربية ومخاطبة الشباب والرأي العام العربي ضمن ثنائية "إسرائيل البيضاء" و"الجوار المدمر"، وتتبع في ذلك أساليب متنوعة تصل لدرجة الاستفزاز وأحيانا الاستخفاف المفرط مثل نشر الآيات القرآنية والأدعية والاحتفال بالمناسبات الدينية الإسلامية، وليس آخرها استمالة نجوم الفن في العالم العربي.

والموساد الذي لم ينجح في استمالة نجم الكوميديا العربية الفنان المصري عادل إمام الذي احتفلت رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية الإسرائيليتان بعيدي ميلاده الـ 79 و80 خلال العامين الماضيين على التوالي، يحاول مع نجم الكوميديا السوري دريد لحام ليخدر الشعوب العربية مرة أخرى ويقول "إن التطبيع قادم" فمسرحيات "اتفاقيات السلام" تحتاج إلى كوميديان بارع بوزن غوار الطوشه.

مقالات مقترحة
حصيلة الإصابات بكورونا في سوريا خلال 24 ساعة
أكثر من 4600 شخص يتلقون لقاح "كورونا" شمال غربي سوريا
تركيا تسجل انخفاضاً مستمراً في أعداد إصابات كورونا