يعاني المنحدرون من خلفيات دينية وثقافية معينة في ألمانيا من فرص توظيف أقل، حتى في ظل نقص العمالة التي تواجهها العديد من القطاعات في البلاد، على الرغم من أن التمييز على أساس الأصل أو الدين محظور قانونياً في سوق العمل.
وكشفت دراسة أجراها مجموعة من الباحثين في المعهد الألماني لأبحاث سوق العمل والتوظيف (IAB) بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية أخرى، أن التمييز على أساس الدين لا يزال عاملاً مؤثراً في قرارات التوظيف، مما يعيق اندماج المسلمين في سوق العمل الألماني.
وشملت الدراسة تنفيذ تجربتين استقصائيتين لفحص فرص التوظيف للمتقدمين الافتراضيين في ما يقرب من 5000 شركة في ألمانيا، حيث خلصت إلى أن بعض الفئات السكانية تواجه تمييزاً خلال عمليات التوظيف.
تجارب تكشف التحيز في التوظيف
وحول طبيعة التجارب التي أُجريت لاكتشاف فرص التوظيف للمتقدمين المولودين في الخارج أو المنتمين إلى أقليات دينية، أشار الباحثين المشاركين في الدراسة، يوليا كوسياكوفا وفيليب ياشكه، من المعهد الألماني لأبحاث سوق العمل والتوظيف (IAB)، أنهم أجروا تجربتين استقصائيتين مع أرباب العمل في ألمانيا، (تجربة القائمة، وتجربة السيناريوهات).
في التجربة الأولى، المعروفة باسم "تجربة القائمة"، طُلب من أصحاب العمل تحديد عدد العوامل التي قد تؤثر سلباً على قرارات التوظيف، دون تحديد أي عامل بعينه، وحصلت مجموعة من المشاركين على قائمة لا تتضمن أي خصائص مرتبطة بالدراسة، بينما حصلت مجموعة أخرى على القائمة نفسها مع إضافة صفات تتعلق بالأصل أو الانتماء الديني، ومن خلال ذلك، تم تحديد مدى اعتبار هذه الصفات كعوائق أمام التوظيف.
وأظهرت النتائج أن 15 في المئة من أصحاب العمل يرون أن كون المتقدم مسلماً قد يشكّل عائقاً أمام تعيينه، وهي نسبة مماثلة للتحيز ضد اللاجئين، في حين ارتفعت النسبة إلى 25 في المئة عندما يتعلق الأمر بمتقدمين يرتدون رموزاً دينية إسلامية.
أما التجربة الثانية، وهي "تجربة السيناريوهات"، فقدمت لأصحاب العمل طلبات توظيف افتراضية بصفات مختلفة، مع تغيير بعض العوامل مثل المؤهلات والانتماء الديني، وأظهرت البيانات أن المرشحين الذين يشاركون في أنشطة ثقافية إسلامية يواجهون فرص توظيف أقل، رغم عدم وجود فروقات أخرى في مؤهلاتهم أو خبراتهم مقارنةً بغيرهم.
المسلمون من سوريا وتركيا أكثر عرضة للتمييز
وبحسب الدراسة، فإن التمييز لا يؤثر على جميع المسلمين بنفس الدرجة، فالمرشحون المسلمون القادمون من دول ذات غالبية مسلمة مثل سوريا وتركيا يواجهون فرصاً أقل بكثير في التوظيف، مقارنةً بالمسلمين من ألمانيا أو دول مثل أوكرانيا وروسيا.
كما أظهرت الدراسة أن الشركات الصغيرة تمارس التمييز ضد المتقدمين المسلمين بشكل أكثر شيوعًا مقارنة بالشركات الكبيرة، أما على مستوى القطاعات، فتكون التحيزات أقل في قطاع الخدمات، ربما لأن هذه الشركات لديها خبرة أكبر في توظيف أشخاص من خلفيات متنوعة.
نقص العمالة لا يقلل من التمييز
ووفقاً لأستاذة أبحاث الهجرة يوليا كوسياكوفا، فإن المفاجئ في النتائج هو أن حتى نقص العمالة لم يؤدي إلى تحسين فرص الفئات التي تواجه تمييزاً في العادة، فالشركات التي تعاني من نقص العمالة تزيد من فرص توظيف الألمان، لكنها لا تفعل الأمر ذاته مع الأجانب، وهذا يشير إلى أن بعض الشركات لا تزال تستبعد مجموعات معينة عند اتخاذ قرارات التوظيف.
ولم تقتصر الدراسة على تأثير الدين، بل حللت أيضاً دور النوع الاجتماعي، وأكدت النتائج أن النساء، خاصة الأمهات، يواجهن تحديات أكبر في سوق العمل، إذ أظهرت البيانات أن الأمهات يحصلن على فرص توظيف أقل بكثير مقارنةً بالرجال، حتى في الشركات التي تعاني من نقص في القوى العاملة.
وترى كوسياكوفا أن الاستمرار في ممارسة التمييز، قد يُعيق الجهود المبذولة لجذب العمالة الماهرة من الخارج، فالأفراد الذين يُسمح لهم بالدخول إلى سوق العمل الألماني من خلال قانون هجرة العمالة الماهرة يحتاجون إلى أن يتم توظيفهم بالفعل، وإلا فإن مشكلة نقص العمالة ستظل قائمة بسبب سوء استغلال الكفاءات المتاحة.
دعوات لمعالجة التمييز في التوظيف
وعلى الرغم من أن القانون الألماني يناهض التمييز ويضمن حق الجميع في التوظيف، لا تزال التحيزات الدينية والعرقية تحدّ من تكافؤ الفرص، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية سياسات الاندماج في سوق العمل الألماني.
ويقول الباحث في مجال الهجرة والاندماج فيليب ياشكه إن هناك حاجة إلى مزيد من التوعية حول الأثر السلبي للتمييز، ليس فقط على الأفراد المتضررين، ولكن أيضاً على الشركات التي تفشل في الاستفادة المثلى من القوى العاملة المتاحة، مما قد يؤدي إلى تعطيل الإنتاج أو ارتفاع تكاليف العمالة.
وحول ما يمكن فعله للحد من التحيزات ضد المسلمين والتمييز في التوظيف، تشير كوسياكوفا إلى أن هذا موضوع واسع في مجال البحث، ولكن هناك استراتيجيات مثل حملات التوعية والتشريعات التي يمكن أن تساعد. مضيفة أن الأهم من ذلك هو أن يدرك المجتمع بأسره أن التمييز يضر بالجميع في نهاية المطاف.