"داعش" والأثر المتبقي

"داعش" والأثر المتبقي

الصورة
أرتال عسكرية لـ تنظيم "الدولة" في سوريا (أرشيف - إنترنت)
27 شباط 2019

سوسن جميل حسن

طبيبة وروائية من سوريا.

بتنا، في هذه المرحلة من الحرب في سوريا، وقبلها العراق، نسمع كثيرًا عن "هزيمة داعش" عسكريًا، أما الأطراف الضالعة في الحرب والتي لها قواتها وفصائلها وأدواتها في المنطقة فلسان حالها  يقول: نحن نحارب الإرهاب في سوريا ووجودنا مرتبط بعودة الاستقرار وتحقيق تطلعات الشعب السوري. والإرهاب كلمة مطاطة، كل فريق يلصق تهمة الإرهاب بفريق آخر على خلاف معه، أما الشعب السوري فهو في آخر الاهتمامات والأولويات بالنسبة إلى الجميع.

هل فعلاً أوشك تنظيم الدولة "داعش" على الهزيمة النكراء؟ وهل قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب قواته، وتغريداته التي تربك العالم كل حين وتعيد خلط الأوراق وتقطع الطريق على التكهنات، لها علاقة بهزيمة داعش؟ وهل إبقاؤه على أربعمائة جندي أمريكي موزعين بين المنطقة الحدودية مع العراق والأردن في التنف والمنطقة الشمالية الشرقية من سوريا له علاقة بفلول التنظيم؟

لم تكن داعش أكثر من "بيضة القبان" في لعبة الصراع على المنطقة

في الواقع لم تكن داعش أكثر من "بيضة القبان" في لعبة الصراع على المنطقة، ولم تكن داعش تنتمي إلى نفسها منذ انبثاقها تنظيمًا ناضجًا مكتملاً واجه جيوشًا تقليدية جبارة وواجه طيران تحالف القوى الكبرى في العالم على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، قد يكون كلام من هذا القبيل مبالغًا به، أو ينطق عن جهل وعدم دراية بالأمور، أو يفتقد إلى المصداقية والوثائق، وهذا صحيح من حيث الظاهر، فلعبة كبرى من هذا النوع يستحيل ربط خيوطها ببعضها البعض مثلما من الصعب الحصول على وثائق تدعم الرأي، لكن من تابع نشوء داعش وقدراتها العسكرية والتنظيمية  واعتمادها على أحدث التقنيات الرقمية والمعلوماتية وانغماسها الكامل مع أدوات العصر متناقضة مع خطابها المتشدد الرافض للغرب الكافر وكل ما ينتج عنه، وخطابها السلفي والدعوة إلى إقامة دولة الخلافة بمنطق وأساليب وأدوات الماضي قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام، لا بد من أن يرتاب من هذا التنظيم الذي أسس لعنف تفوق فيه على كل أشكال العنف التي مورست في سوريا على مدار السنوات الماضية، عنف وحشي بطريقة القتل المجسد الذي كان التنظيم حريصًا على إشهاره وتوثيقه على مواقع الأنترنت كسلاح إضافي يعزز سطوته وسيطرته واغتصابه مجال الحياة.

"داعش" هزم عسكريًا، لا، لم يُهزم، داعش انتهى دوره المرحلي بعدما استُثمر كتنظيم في تفتيت المجتمعات المستهدفة، وساهم في إدارة حرب شاركت فيها دول عديدة فكان البيدق الأخطر الذي يتنقل فوق الرقعة السورية والعراقية، وحيث يوجد يكون الدمار، دمرت الهوية التاريخية للمناطق التي احتلها، بحجة محاربة التنظيم كانت القنابل المنهمرة من الجو تقضي على البشر والحجر والتاريخ، لم تسترد الموصل إلا دمارًا، وكذلك الرقة، وكذلك كل المناطق التي مر "داعش" منها، وها هو يتراجع مثلما لو كان فرقة توحش أدت عروضها بالذبح والرجم والجلد والتهجير والتدمير والسبي وسلب العقول.

تحدثت الكثير من الإحصائيات الصادرة عن مراكز بحثية عن أن عدد مقاتلي داعش فاق الأربعين ألف مقاتل، فأين هم هؤلاء المقاتلون؟ وأين يهربون كلما حوصروا؟ داعش يتلاشى مثل زوبعة ليترك خلفه أزمة يخشاها الغرب، النساء والأطفال الذين خلفهم مقاتلون عتاة بالعنف والهمجية، مشكلة تقض مضاجع الحكومات والمجتمعات التي ينحدر منها هؤلاء المنتمون إلى التنظيم، فأين كان الغرب وكل الدول التي كانت تواكب الحرب السورية؟ من أين كانت داعش تحصل على الأسلحة والتكنولوجيا والتمويل والتدريب؟ هل بإمكانات محلية؟ كيف وصل كل هؤلاء المقاتلين من بقاع الأرض ليلبوا دعوة الجهاد وفتحت لهم الحدود وتسللوا إلى حياة الآمنين في الوقت الذي كان السوريون الهاربون من جحيم الحرب يموتون في البحار والبراري ويتاجر بهم سماسرة الموت ويقبعون على الحدود عندما تغلق الحدود في وجوههم بانتظار فرج قد لا يأتي؟ كل التسهيلات كانت لداعش، وكل الموت كان من نصيب الشعب السوري الذي على ما أظهرت الحرب الجبارة أن الديموقراطية التي يطمح إليها ليست من حقه.

لو كان الغرب وعلى رأسه أمريكا يريد الخير لشعوب هذه المنطقة لما دعم أنظمتها الاستبدادية على مر العقود

الديموقراطية تخيف القريب والبعيد، كان الشعب في غالبيته يرنو نحو تغيير واقعه والانقلاب عليه جذريًا، وهذا من حقه كما إنه حلمه الذي انتفض من أجله، لكن الديموقراطية لا تأتي على رؤوس الحراب ولا بالدبابات ولا بالطائرات، لو كان الغرب وعلى رأسه أمريكا يريد الخير لشعوب هذه المنطقة لما دعم أنظمتها الاستبدادية على مر العقود، ولا سكت على الفساد الذي كان يأكل نسغ الحياة ليترك المجتمعات تتآكل بمشاكلها وحرمانها، الغرب يعرف كل شيء عن دولنا وله مراكزه المتخصصة التي تتابعنا من كل النواحي، اجتماعيًا، ثقافيًا، اقتصاديًا، سياسيًا، بيئيًا، يتابعون تحولاتنا كلها ويعرفوننا أكثر مما نعرف نحن عن أنفسنا، ومع هذا سكتوا عن آلام هذه الشعوب، سكتوا عن انتهاك حقوقهم وعن اضطهادهم وقمعهم، سكتوا طويلاً وما زالوا يسكتون، وعندما انتفض الشعب لكرامته انقضت عليه النوايا كلها. ليس صحيحًا أن كل تلك الدول تهتم بقضايا شعبنا، ولا بتحقيق الديموقراطية، إنها تهتم بمصالحها فحسب، تسعى لتحقيق طموحاتها في تأمين مواطئ أقدام لها أما نحن فمصابون بلعنة الجغرافيا ولعنة التاريخ، فكان لا بد لتكتمل اللعنات من لعنة الاستبداد التي استجرت لعنة التطرف.

إذا كان داعش قد انهزم عسكريًا، فماذا عن الهزائم الأقسى والأخطر؟ تسربت أمور كثيرة من بين أيدي السوريين، لم تعد بلادهم كالبلاد وكثيرون صاروا بلا وطن، أطفالهم، ممن نجوا من موت بقذيفة أو صاروخ أو برميل من السماء، يموتون من البرد والجوع والتشرد، أو محكومون بعجز وإعاقة بسبب إصابة ناجمة عن الحرب، يكبرون بعيدًا عن مرابع الطفولة محرومين من أبسط حقوقهم، لا تعليم ولا عناية صحية ولا تربية سليمة ولا أماكن للعب، بل أدوات اللعب إن توفرت فمعظمها من وحي الحرب وتقليد لأدواتها، مستقبلهم مجهول ومفتوح على احتمالات الانحراف والجريمة أمام واقعهم الرهيب وتحت ضغط ذاكرتهم المترعة بالعنف والقتل وثقافة التفرقة والضغينة ورفض الآخر.

داعش المنهزم عسكريًا ترك وراءه ألغامًا مزروعة في أرض سوريا، حتى تلك التي لم يمر فيها. ليس وحده، بل كل الأطراف التي خاضت هذه الحرب الملعونة تركت ألغامًا هي الأخطر، ألغام الأصوليات والتعصب الذي مسّ غالبية شرائح الشعب وطوائفه. أعلنت هزيمة "داعش" لكن لم يُعلن الانتصار على الإرهاب، فسوريا يبدو أنها ستبقى مصابة بلوثة الإرهاب طالما لم يتم التوصل إلى اتفاق كامل بين الدول التي استلمت مصيرها، سيبقى الإرهاب ومحاربته "مسبحة جحا" السورية، وسيبقى لكل طرف إرهابه الخاص الحريص على التذكير به والإشارة إليه كلما اهتز كرسيّه أو ضعف سلطانه، وبعد كل هذه السنوات الجهنمية لم يتغير شيء في سوريا سوى أنها صارت واقعة تحت سيطرة قوى عديدة، صار الاستبداد استبدادات، وازداد الشعب فقرًا وقمعًا، ودُقت الأسافين في لحمته، فداعش أشبه ما يكون بالنفايات النووية التي كانت تدفن في أرض هذه البلاد بتواطؤ بعض متنفذيها أو رجال سلطتها، وإن اختفت تحت الأرض فأثرها المتبقي من أهم المخاطر التي تهدد مستقبل الحياة القادمة، وهذا أكثر ما يخدم الاستبدادات السابقة والناشئة والطامحة بالسلطة بعد هذه السنوات من الجحيم التي حرقت أعمار السوريين وأحلامهم.

شارك برأيك