دار "العودة".. حياة ناشر بين الشعر والشعراء

تاريخ النشر: 11.10.2021 | 16:12 دمشق

لفتني العنوان، "عباقرة النغم.. حياتي بين الشعر والشعراء"، وسارعت باقتناء الكتاب حتى أعيش في رحاب حكايات القصائد. أسَّس المؤلِّف أحمد سعيد محمدية دار نشر «العودة»، التي اهتمت بنشر الشعر، واشتهرت كدار نشر، وكانت جواز مرور لمن ينشر فيها من الأدباء.

نشر في الدار كلّ من نزار قباني، ومحمد الفيتوري، ومحمود درويش. وصعدت الدار زمنًا ثم أفل نجمها مع تغير الحال وسفر صاحبها إلى أميركا وركود سوق الشعر. وصل محمدية إلى سن الخامسة والسبعين، وفكر في أن يكتب قصة حياته مع الشعراء، وعلى الرغم من أنه يعلم كثرة ما كُتب عنهم فإنه أراد أن يحكي عن الحياة الشخصية لبعضهم، بحكم قربه منهم.

فكرة الدار بدأت مع سأَم أحمد سعيد محمدية من العمل الصحفي، فقرر أن يبدأ في مشروع دار نشر، وعرض الفكرة على الرئيس السوداني محمد أحمد محجوب، وتحمّس لها الرئيس المثقف وأعطاه أول كتاب لينشر في الدار، وهو مطولة شعرية بعنوان «الأندلس المفقود». وفكّر محمدية في أن يطلق على الدار اسم «دار فلسطين»، لكن محجوب اقترح عليه اسم «دار العودة»، لأن العودة مليئة بالمعاني، وهذا يبعد عنه الشبهة السياسية دون أن يحرمه ظلال ما يفكر فيه. وكان ذلك عام 1968، فأسَّس محمدية دار النشر في بيروت في السبعينيات، حينما كانت في ذروة زهوها بين المدن العربية، وحينما اجتمع فيها المثقفون والشعراء.

جمع محمدية دواوين كثير من الشعراء، فقد سافر إلى تونس ليحصل على قصائد أبي القاسم الشابي، وإلى مصر ليأخذ موافقة بنات الشاعر الرومانتيكي إبراهيم ناجي وتجميع كل شعره، برفقة صالح جودت، وطلب من الشاعر أحمد رامي أن يصدر ديوانه كله في مجلد، وعندما ناقش محمدية تفاصيل العقد مع الشاعر أحمد رامي، قال رامي: «اكتب في العقد ما تشاء، وادفع ما تيسر لك»، وألحّ محمدية على رامي لكي يحدد مبلغًا فرفض. وعندما رجا محمدية الشاعر أحمد رامي، ردّ رامي بأبوّة وحنان وقال له: «يكفي أن تأتي من بعيد لتفكّر فيَّ». وهذا من نبل رامي، رغم أنه لم يكن ثريًّا، فقد عاش رامي على الوظيفة، وكان يتقاضى جنيهين على كل أغنية يكتبها أو ينظمها لمحمد عبد الوهاب أو غيره، ولكنه كان يرفض أن يتقاضى فلسًا من أُمّ كلثوم، وتلحّ عليه فيرفض بكبرياء.

نشر محمدية كثيرًا من الكتب دون دفع حقوق للمؤلِّفين، لكنه لا يحكي عن هذه التجاوزات في سيرته، بل يحكي عن الصلح والإذن من المؤلِّفين بعد اللقاء

نشر محمدية كثيرًا من الكتب دون دفع حقوق للمؤلِّفين، لكنه لا يحكي عن هذه التجاوزات في سيرته، بل يحكي عن الصلح والإذن من المؤلِّفين بعد اللقاء، كما فعل مع الطيب صالح ومحمود درويش، ويعتبر أن ذيوع الكاتب وانتشاره عن طريق داره هو أكبر مكسب للمؤلِّف.

تخبرنا رنا قباني في أحد مقالاتها عن اللقب الذي أطلقه محمود درويش على محمدية، وهو «النصاب الظريف». وعندما زار درويش بيت محمدية قال له بتهكُّم الأمير اللاذع: «أظن أن هذا الكرسيَّ المذهَّب (المنسوب إلى لويس الخامس عشر) الذي أجلس عليه هو يدي اليُمنى، وهذه الثريا الكريستال التي تنوّر الغرفة بشكل مبالغ فيه -وأنا مثل أكثر أهل بيروت أعيش في العتمة- هي لحم كتفي!». لكن محمدية عرف كيف ينتقم من محمود درويش بحكاية تفاصيل حياة درويش الشخصية وقصة طلاقه من رنا، والعبارات الشنيعة التي تلفّظ بها درويش في لحظة الخلاف. ولعل أخبار النميمة التي حشا بها محمدية كتابه جعلته يقدم لنا صورة واقعية، بعيدًا عن رومانسية حياة الشعراء.

بدوي الجبل يطلب المخابرات من أجل ديوان شعر

من القصص التي جذبت انتباهي في الكتاب، حكاية الشاعر بدوي الجبل مع محمدية. تبدأ القصة عندما حضر محمدية مهرجان الشاعر أبي تمام الذي أُقيم في الموصل عام 1971، والتقى محمدية الأديب أحمد الجندي، وتحدثا عن الأدب والنشر والطباعة، وقادهما الحديث إلى شعر بدوي الجبل، فاقترح محمدية على الجندي كتابة شيء من الآراء التي يعرفها عن بدوي الجبل، ووافق الجندي وأرسل الكتاب إلى دار «العودة». لم يكن محمدية يعرف أن هذا الكتاب سيجلب له المشكلات!

ففي صباح أحد الأيام، دخل ثلاثة من عناصر المخابرات السورية إلى بناية الريفييرا في كورنيش المزرعة في بيروت، وبلا سلام أو تحية، قالوا: «أحمد سعيد، تفضل معنا إلى شتورة». وشتورة هي مركز مخابرات الجيش السوري، وهي المكان الذي أصبح ذكره يصيب القلب برجفة، والعقل باضطراب في التفكير. وقد سأل محمدية العناصر أن يُسمح له باستخدام الهاتف ليخبر أهله، فرفض الضباط وزجروه، ودخل السيارة وهو في رعب. وكان الناس إذا أرادوا أن يذكروا الحكم السوري بكلمة سوء، يتلفتون يمنة ويسرة وكأنهم يحسّون أن الجدران لها آذان، ويهمسون بكلمتهم همسًا خفيضًا.

الطريق إلى شتورة تأخذ ساعة وبضع دقائق، لكن الطريق طال أكثر من ذلك، ووصل محمدية إلى فيلا، ودخل إليها، ووقف محمدية أمام ضابط المخابرات وناشِرُنا يرتجف من الخوف، لا يعرف ما الجرم الذي ارتكبه لتحقق معه المخابرات السورية وتأخذه من بيروت. مضت دقائق، ظنها محمدية ساعات طوالًا، حتى سُئل: «أنت صاحب دار العودة؟»، فأجاب بالإيجاب، فردّ المحقق: «ولا حقير، كيف تجرؤ على طباعة ديوان الأستاذ بدوي الجبل؟». وأراد محمدية أن يقول إنه ليس حقيرًا، لكن الخوف ألجمه، ثم قال بصوت متلعثم: «لم أطبع الديوان». وردّ المحقق: «مَن طبع هذا الكتاب عن بدوي الجبل، وأخرج كتاب أحمد الجندي عنه؟». فشرح محمدية للضابط أن هذا الكتاب دراسة في شعر بدوي الجبل وليس الديوان، وأراد محمدية أن يكمل بلغة شبه أدبية تعريفًا بالكتاب، ولكن المحقق نهره قائلًا: «حاج فزلكة ولا، شو فاكر نفسك أستاذ؟ خذوه للأستاذ البدوي، ودعوه يقرر ماذا يفعل به، وإن شاء الأستاذ لا يكون راضي عليك حتى تعلم ماذا نفعل بك!». انصرف محمدية مرعوبًا وهو يبصق في خياله على المحقق الأمّي.

نقلت قوات الأمن السوري الناشر محمد سعيد محمدية من شتورة إلى حي أبي رمانة في دمشق، ووقفوا أمام بوابة بيت الشاعر بدوي الجبل، وإذا بالشاعر بدوي الجبل يقترب من محمدية وهو ينظر إليه قائلًا: «كيف تطبع ديواني؟!»، فقال محمدية إنه لم يطبع الديوان، وحكى قصة دراسة الجندي عن شعر بدوي الجبل، التي جلبت كل هذا اللغط، فاقتنع بدوي الجبل، وأمر جنود المخابرات بالانصراف، فقال الجنود: «لا بد من الاتصال بالعقيد»، فرفع بدوي الجبل صوته ونادى ابنه منير، ودخل منير ومعه زوج أخته، العقيد محمد معروف، وقال بدوي: «يبدو أننا ظلمنا الرجل، اتصل يا محمد بابن أختك -قائد المخابرات في لبنان- وأخبره أن يعتق الرجل، وأنه بريء». وطلب بدوي الجبل من محمدية أن يزوره مرة أخرى، بلا قوات أمن ولا استدعاء. وفي الزيارة الثانية أخبره أنه يريد أن يطبع ديوانه معه، رغم أن الفريق عبد الغني طلاس عرض على بدوي الجبل أن يطبع الديوان بالكمية التي يختارها بدوي الجبل. كانت حظوة بدوي الجبل كبيرة لدى الدولة في سوريا، فعندما علم بموضوع نشر ديوانه اتصل بإلياس سركيس رئيس لبنان، وبحافظ ىالأسد الذي حرك أجهزة المخابرات، وكانت تجمعه علاقة مع حافظ.

في صحبة شاعرة الرجال لميعة عباس

ومن الفصول الجميلة في الكتاب، حكايات محمدية عن الشاعرة العراقية لميعة عباس، التي عرفها عن قرب في أثناء إقامتها في بيروت، وحاول أن يصف حياتها الشخصية، ونوازعها النفسية، وحكى عن تودد الشاعر عمر أبو ريشة لها، إذ كان يغازلها، ويبدي شوقًا كي يراها، ويشحذ نفسه بالكلام الجميل ليقوله لها. وفي إحدى الليالي دارت النشوة برأس أبو ريشة، وعرض على لميعة سيجارة، فردّت بأنها لا تدخّن، فعرض عليها كأسًا من الخمر، فتحشمت وقالت: «لا أشرب»، وعرض عليها مازحًا أن تغني فقالت إنها لا تحسن الغناء، فكتب لها على ورقة بعد كل مغازلاته: «لا تأكلين، لا تشربين، لا تدخنين، لا تصاحبين أو تحبين، ولا تغنين، فلماذا إذًا تعيشين؟!».

فردّت عليه لميعة بعد يومين بقصيدة، دلّلت له فيها على أنها ليست كغيرها من النساء، وأنها رفيعة الشأن، فقالت:

«تدخنين؟

لا

أتشربين؟

لا

أترقصين ؟

لا

يا أنت

جمعُ لا

أنا التي تراني

كل عطور الشرق في أرداني

فما الذي يشد رجليك إلى مكاني؟

يا سيدي الخبيرَ بالنسوان

إنّ عطاء اليوم شيء ثانِ

حلّقْ !

فلو طأطأتَ...

لا تراني».

هكذا تنقلنا سيرة محمدية إلى أجواء الشعراء، فنرى لميعة عباس، التي كان أحبّ إليها -بعد الثناء- أن يُطلَب منها أن تُسمِع الجالسين قصيدة، وكانت تتمنَّع تمنُّع القبول، حتى تجد صوتًا ملحاحًا فتتفرَّد وتنشرح وتبدأ بإلقاء قصيدة تنقر فيها بإيقاع جميل سماع الناس العاديين، بصوتها الغنوج الهامس الملتاع كما سمعه محمدية ووصفه لنا في جلساتها وهي تغشى دار «العودة». وفي إحدى المرات انصرفت من سهرة في بيت الشاعر العراقي بلند الحيدري، عندما وجدت من في السهرة يُبدون إعجابًا بزوجة بلند، فغارت أن ينصرف المديح إلى غيرها. وطلبت لميعة من محمدية أن ينشر ديوانها الكامل مقابل عشرين ألف ليرة لبنانية في فترة الحرب الأهلية اللبنانية، أي ما يعادل نحو عشرة آلاف دولار، فاعتذر محمدية لأنه لا يملك هذا المبلغ. ومن قصص الاتفاقات المالية أيضًا اتفاق محمدية مع ممدوح عدوان على نشر أعماله الكاملة قائلًا له: «تذكّر أنها تسعة عشر عملًا وليست سبعة عشر»، فعرض محمدية ثلاثة آلاف دولار، وفاوضه ممدوح عدوان قائلًا: «ظروفي تسمح بأن آخذ منك خمسة آلاف دولار». وعن اضطرار ممدوح عدوان إلى العمل بالترجمة ليسدّ حاجات حياته، رغم أن الترجمة تسلب منه كثيرًا، وهذه قصة معادة عن البؤس الذي يعيشه المثقف العربي في البحث عن لقمة العيش، وبيع كتبه بثمن بخس، والدول تلاحقه بدلًا من أن تدعمه. وهذا يذكرني بسيرة عايدة الشريفة التي كتبت فصلًا بعنوان «هؤلاء الكتاب وأجورهم المتواضعة».

سيرة محمدية تجعلك تعيش أجواء جلسات الشعراء والأدباء، تتعرف فيها على ظرف كامل الشناوي وخفة ظله مع ثقل وزنه، وتتعرف إلى محمود درويش وهو شاب يزوره محمدية في موسكو قبل أن يسافر درويش إلى القاهرة، وترى درويش في شقته البيروتية ينهار زواجه من رنا قباني، وينفر درويش من معين بسيسو لأسباب يحكيها محمدية. ثم تسير في الكتاب وتتعرف على تناقضات الشعراء وعيوبهم، وبعض من النميمة الأدبية، مثل عداوة المهنة وأولاد الكار الواحد، بين محمدية ودار «العودة» وسهيل إدريس ودار «الآداب»، ثم الصلح والتوافق بينهما. ونرى في الكتاب مغامرات الشاعر حسن عبد الله القرشي، التي فضحه بها محمدية وحكى عن علاقاته مع الغواني والممثلات، وتلك الحكايات ذكرتني بكتاب النميمة للكاتب سليمان فياض الذي قرر فيه حكاية آرائه عن الأدباء بصراحة ودون مجاملة. ولعل الكتاب من صنف نادر دوَّن فيه ناشر حكايته مع المؤلِّفين، وهي فكرة أرجو أن تنتشر بأن يكتب الناشرون قصصهم مع الحكومات والرقابة وسقف الحرية، ونفسيات المؤلِّفين وأمزجتهم، وحكاية قصة النشر وصعوباته، لأنها جزء من تاريخنا الثقافي. وأذكر من هذا النوع النادر من التدوين مذكرات قاسم الرجب، صاحب مكتبة «المثنى» في بغداد، الذي حكى قصته مع الكتب.