بعد أكثر من عقد من النزوح القسري، عاد سكان قرية "قصر أبو سمرة" في ريف حماة الشمالي الشرقي إلى قريتهم المدمرة، وواجهوا واقعًا مريرًا؛ منازل مهدمة، وأراضٍ مزروعة بالألغام، وبنية تحتية مفقودة تمامًا.
12 عامًا من النزوح
تقع قرية "قصر أبو سمرة" على خط التماس السابق بين مناطق سيطرة المعارضة وقوات النظام المخلوع، ما جعلها هدفًا للقصف المكثف منذ بداية الثورة السورية.
هُجّر سكان القرية بالكامل عام 2013، ثم تعرّضت لتدمير ممنهج، واستخدمت قوات النظام المخلوع آليات ثقيلة لهدم المنازل وتجريف الأراضي الزراعية.
وقال أبو شاهر، أحد سكان القرية العائدين لموقع تلفزيون سوريا: "النظام دمر كل شيء بالبلدوزرات، بيتًا بيتًا". وأضاف: "حتى الأشجار لم تسلم، فقطعوا كل أشجار الزيتون والفستق واللوز، وحوّلوا أرضنا إلى مراعٍ لأغنامهم".
أقام أهالي "قصر أبو سمرة" في مخيمات مؤقتة بشمالي سوريا، في مناطق مثل الدانا وسرمدا وأطمة ودير حسان، وعاشوا في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
وبعد تحرير سوريا من حكم النظام المخلوع وتحسن الأوضاع الأمنية في بعض المناطق، قررت العديد من العائلات العودة.
قال أبو شاهر: "حملنا خيامنا المهترئة من المخيمات وأعدنا نصبها هنا فوق أنقاض منازلنا". وأوضح أن الخيام لا تقيهم من حر الصيف ولا من العقارب والأفاعي المنتشرة بين الأنقاض.
العائدون يواجهون أزمة إنسانية
واجه العائدون واقعًا إنسانيًا قاسيًا، إذ تحوّل المأوى المفترض إلى خيام مهترئة لا تقي من الشمس أو برد الليل.
اضطرت بعض العائلات إلى اقتسام خيمة واحدة، في ظل غياب خدمات الكهرباء والمياه، وتراكم الأنقاض التي تعيق التنقل داخل القرية.
المدرسة الوحيدة تحوّلت إلى مقر سابق للميليشيات الإيرانية، وغطّت الكتابات الفارسية جدرانها. باتت بحاجة ماسة للترميم بعد أن أكلتها الحرب.
فقد السكان مصادر رزقهم، مع تدمير الأراضي الزراعية بالكامل. قال أحد الرجال العائدين: "لم يعد لدينا أي مصدر دخل سوى المساعدات الإنسانية".
لكن الخطر الأكبر يكمن في الألغام والمتفجرات المنتشرة بين الأنقاض وفي الحقول، حيث تحولت القذائف غير المنفجرة والقنابل العنقودية إلى خطر يومي، خصوصًا على الأطفال الذين يلعبون في تلك المناطق من دون إدراك للمخاطر.
النازحون يطلقون نداءات استغاثة
أطلق أهالي "قصر أبو سمرة" نداءات استغاثة عاجلة للمنظمات الإنسانية والجهات المعنية، وطالبوا بتدخل سريع لإنقاذ ما تبقى من حياتهم.
تركزت المطالب على توفير خيام جديدة وعوازل تحمي من تقلبات الطقس، إضافة إلى إطلاق برامج فورية لنزع الألغام ومخلفات الحرب.
طالب السكان أيضًا ببرامج إغاثية تشمل المواد الغذائية والطبية، في ظل انعدام مصادر الدخل وسبل العيش، وأكدوا حاجتهم إلى إعادة تأهيل البنية التحتية، خصوصًا المدرسة، إضافة إلى خدمات الكهرباء والمياه.
وأضاف أبو شاهر: "نحتاج إلى إعادة الإعمار كي نستعيد حياتنا، لكننا نحتاج أولًا إلى تأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم".
قصر أبو سمرة.. نموذج لمعاناة واسعة
تواجه إعادة إعمار "قصر أبو سمرة" عقبات كبيرة رغم عودة بعض العائلات. إذ تفتقر الجهود إلى تمويل حقيقي لمشاريع البناء، وتعاني القرية من غياب المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الأنقاض.
ويشكّل خطر القنابل غير المنفجرة عقبة رئيسية أمام أي تحرك حقيقي نحو إعادة البناء، مع انتشار هذه المخلفات الحربية في كل أنحاء القرية.
تعكس معاناة "قصر أبو سمرة" حال عشرات القرى الأخرى في ريف حماة الشمالي ومختلف المناطق السورية، حيث يواجه العائدون تحديات مشتركة من دمار واسع، غياب الخدمات، وانتشار الألغام. تتطلب هذه التحديات استجابة إنسانية عاجلة وخططًا شاملة لإعادة تأهيل المناطق المنكوبة.