icon
التغطية الحية

خمسون كيلومتراً من الألم.. مرضى الميادين يقطعون المسافات للعلاج في دير الزور

2025.09.28 | 14:50 دمشق

آخر تحديث: 2025.09.28 | 16:24 دمشق

44
مستشفى الميادين في دير الزور يواجه خطر التوقف - تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا ـ رغد الراوي
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- يعاني المستشفى الوطني في الميادين من نقص حاد في التجهيزات الأساسية مثل قسم الأشعة والمختبرات، مما يضطر المرضى للسفر إلى دير الزور لتلقي العلاج، ويعكس هذا الوضع أزمة صحية متفاقمة منذ عودة سيطرة النظام في 2017.
- تتعدد أسباب الأزمة بين نقص التمويل وسوء إدارة الموارد، حيث يتم تحويل الحالات الطارئة إلى دير الزور بسبب نقص التجهيزات، مع بقاء الأقسام الحيوية خارج الخدمة.
- يطالب الأهالي والكوادر الطبية بتدخل عاجل لتجهيز المستشفى بالمعدات الأساسية وتوفير الكوادر المتخصصة، حيث يعمل الأطباء في ظروف صعبة والمرضى يواجهون تحديات كبيرة.

يمسك "أبو محمد" الرجل الخمسيني بيد طفله ذي السنوات العشر، الذي يتلوى من الألم، وقد وصل إلى قسم الطوارئ في المستشفى الوطني بالميادين في محافظة دير الزور آملا في تشخيص سريع لحالة ابنه. لكن الطبيب المناوب نظر إليه بعجز قائلاً: "الحالة تحتاج إلى صورة أشعة فورية، وقسم الأشعة هنا غير جاهز".
لم يكن أمام الأب سوى خيار واحد: رحلة إلى مدينة دير الزور، التي تبعد نحو 50 كم، على أمل إنقاذ طفله.
قصة "أبي محمد" ليست حادثة فردية، بل هي الفصل المتكرر في مأساة يومية يعيشها أهالي مدينة الميادين وريفها، حيث يقف المستشفى الوطني شبه عاجز عن تقديم أبسط الخدمات، ليتحول إلى شاهد على واقع صحي متأزم يهدد حياة الآلاف.

منارة أطفأتها الحرب والإهمال

قبل سنوات الثورة، وخلال سنواتها الثلاث الأولى، كان المستشفى الوطني في الميادين مركزاً حيوياً يقدم خدماته لآلاف السكان، ورغم إمكانياته المحدودة آنذاك، كان يمثل شبكة أمان صحي للمنطقة.

يقول أحد موظفي المستشفى (فضّل عدم ذكر اسمه): "كان المستشفى يقدم خدمات معقولة حتى عام 2014، وكانت الأقسام تعمل. صحيح أننا كنا نعاني نقصاً أحياناً، لكننا لم نصل أبداً إلى هذا الدرك، فاليوم نحن نعمل بأيدينا العارية تقريباً".

8

ويضيف أن التغيير الجذري بدأ مع سنوات الحرب التي عصفت بالمنطقة، حيث تعرض المستشفى لأضرار، وفقد جزءاً كبيراً من كوادره ومعداته. لكن ما فاقم الأزمة هو "الإهمال الممنهج" بعد عودة سيطرة النظام المخلوع عام 2017.
ويلفت إلى أنه على الرغم من الإعلان عن إعادة تأهيل أجزاء من المستشفى، بقيت أقسام حيوية مجرد هياكل فارغة، وتحولت الوعود بتجهيزه إلى سراب.

جذور الأزمة: نقص تمويل أم سوء إدارة؟

تتعدد الأسباب التي أوصلت المستشفى إلى حافة الانهيار. رياض الحسين، مدير المكتب الإعلامي لمدينة الميادين، يلخص لموقع تلفزيون سوريا جزءاً من الكارثة بالأرقام. يقول الحسين: "يومياً يتم تحويل ما يصل إلى 20 حالة تحتاج إلى أشعة إلى دير الزور، وهناك ما بين 5 إلى 6 حالات خطرة تُنقل فوراً، بالإضافة إلى 4 عمليات جراحية عاجلة لا يمكن إجراؤها هنا بسبب نقص التجهيزات".

55


هذه الأرقام تكشف عن خلل عميق يتجاوز مجرد نقص التمويل. فبينما تعاني المدينة أزمة اقتصادية خانقة، يشير العاملون في المستشفى إلى سوء توزيع الموارد المتاحة.

  • قسم الأشعة ما يزال غير مفعل بالكامل، إذ يطالب الأطباء بتوفير ثلاثة أجهزة على الأقل لخدمة سكان المدينة والقرى المحيطة، لكن القسم يبقى مغلقاً.
  • المختبر يعتمد على أجهزة قديمة ومستعارة من مستوصفات أصغر، وهو ما يجعله غير قادر على إجراء التحاليل الدقيقة والضرورية.
  • الجراحة والعناية المركزة: تم تفعيل قسم الجراحة العامة مؤخراً، لكنه يعمل بأدوات قسم الجراحة البولية، ولا توجد أجهزة تنفس صناعي حتى الآن. أما جهاز تخطيط القلب، فيوجد جهاز واحد فقط يتناوب عليه قسما الطوارئ والعناية المركزة.
  • ما تزال أربعة أقسام رئيسية خارج الخدمة تماماً: الأشعة، العظمية، والعناية المتوسطة، والعناية المركزة بالشكل الكامل.

هذا الواقع يطرح تساؤلات حول أولويات الجهات المسؤولة، ففي حين يتم التركيز على أقسام معينة، تُترك أقسام أخرى حيوية للموت السريري، مما يشير إلى غياب رؤية استراتيجية لإدارة الأزمة الصحية.

شهادات من قلب المعاناة

"ابني كان بحاجة إلى حاضنة، لكنهم أخبروني أن كل الحواضن العشر ممتلئة"، تقول "أمينة" لموقع تلفزيون سوريا، وهي أم لرضيع وُلد قبل أوانه. "وضعوا طفلي مع ثلاثة أطفال آخرين في سرير واحد. كنت أخشى عليه من العدوى أكثر من مرضه الأصلي".

قسم حواضن الأطفال، الذي يستقبل عدداً هائلاً من الحالات، يعاني نقصاً حاداً في عدد الحواضن والأسرة، مما يجبر الأطباء على تكديس الأطفال حديثي الولادة في ظروف غير إنسانية وغير صحية.
أما "سالم"، وهو مريض بالسكري، فيروي معاناته في الحصول على أبسط الفحوصات الدورية: "كل شهر أضطر لدفع مبلغ كبير لأحد معارفي ليأخذني إلى دير الزور لإجراء التحاليل. المستشفى هنا لا يوفرها. نحن نموت ببطء، ليس فقط بسبب المرض، بل بسبب الإذلال والفقر".

صرخة من أجل حلول عاجلة

وسط هذا الواقع المؤلم، يرفع الأهالي والكوادر الطبية صوتهم مطالبين بخطوات فورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. تتلخص مطالبهم في تجهيز قسم الأشعة فوراً باعتباره أولوية قصوى لتشخيص الحالات وتخفيف عبء السفر عن المرضى، ورفد المستشفى بالكوادر الطبية المتخصصة ولا سيما في أقسام الجراحة والعظمية والتخدير، وتوفير المعدات الأساسية مثل أجهزة التنفس الصناعي، وأجهزة تخطيط القلب، وحاضنات إضافية للأطفال.

45

يبقى المستشفى الوطني في الميادين رمزاً لمعاناة منطقة بأكملها. أطباء وممرضون يعملون في ظروف مستحيلة، ومرضى يواجهون المصاعب على أبواب مغلقة. ويبقى السؤال الذي يطرحه الجميع هنا ليس "متى ستنتهي الأزمة؟"، بل "كم من المعاناة سيعيشها أبناء الميادين قبل أن يتحرك أحد لإنقاذهم؟".