خطورة التضامن "المستنكر" مع فلسطين وأسراها

2026.04.06 | 06:09 دمشق

544
+A
حجم الخط
-A

شيطنة مظاهرات السوريين، للتعبير عن التضامن مع فلسطين، وضد قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي تبناه كنيست الاحتلال بتوصية من كتلة اليمين الفاشي في إسرائيل، وضد التوغّل الإسرائيلي في الجنوب السوري، أخذت شكل من أشكال الفضيحة الأخلاقية بطريقة الهجوم عليها، وعلى القضية الفلسطينية التي نالت شتائم ودعوات للتحرر منها والالتفات للشأن السوري "أولاً".

فخروج الناس للتعبير عن غضبهم من سلوك الاحتلال وعدوانه المتواصل اعتبره البعض في غير محله، فلا الزمان ولا المكان ولا الهتافات مناسبة، بل إنّ البعض اعتبر جموع السوريين الغاضبين إما "مندسين" أو غير وطنيين، ومرتبطين بأجندات إيرانية وإسرائيلية لتنفيذ إسرائيل مخطط اجتياح الجنوب السوري وفصله عن باقي الجغرافيا.

تحليلات نقد مظاهرات غضب السوريين من سلوك الاحتلال، وتحميلها طابع "الخيانة" ونزع الوطنية عنها، فيها كثير من التسطيح والتزوير الذي عانى منه الشعب السوري طويلاً، ومن لجوء ماكينة إعلام النظام الساقط لنعت وتجريم أي تحرك أو تجمع سلمي ضده.

إسرائيل لا تنتظر ذريعة غضب السوريين من سلوكها وقوانينها الفاشية لمواصلة العدوان، فهي حاضرة في الجغرافيا السورية وتتوسع وتمارس القتل والهدم والاعتقال والتهجير للسوريين أيضاً..

فمحاولة وضع الشعب السوري في قالب من الدونية المفتقد لعناصر الكرامة والعزة والانتماء والوطنية والفهم والوعي بأحواله وأحوال واقعه المحيط، بتقزيم حرية التعبير عن الرأي في قضايا عربية أو خارج الحيز السوري، هي المقلقة وليس خروج الناس للتعبير عن الاحتجاج فقط، والتي أصبحت مقلقة جداً لبعض المستنكرين لها، ووصلت إلى حد دعوة البعض للحكومة السورية أن تتحرك فوراً لمنع تكرار هذه المسألة، وحصر مساحة حرية التعبير ضمن القضايا المطلبية الداخلية اليومية.

إسرائيل لا تنتظر ذريعة غضب السوريين من سلوكها وقوانينها الفاشية لمواصلة العدوان، فهي حاضرة في الجغرافيا السورية وتتوسع وتمارس القتل والهدم والاعتقال والتهجير للسوريين أيضاً، ولا تخفي مخططات الاستيطان في الجنوب السوري وفي مشاريع الانفصال المشبوهة في السويداء.

ولا تنتظر ذريعة الأصوات والشعارات الغوغائية التي تطلق ضدها، فهي تدرك وتعرف الهشاشة والضعف الأمني، الذي تركه عدوانها على الأرض السورية، لكنها ترى خطورة من الوعي المستعاد في الشارع، ومن احتمال عودة السياسة لمساحتها المفروضة من العمل داخل المجتمع السوري لتأسيس بنية ثقافية وفعل اشتباكي ينمو مع التصادم والرفض للعدوان، وهذا يشكل أحد الأسلحة القوية لأي نظام حكم وللمجتمع نفسه بالدفاع عن نفسه وعن قضاياه المختلفة.

إذاً، لا بد من التمييز بين التراكبين الملازمين لحرية الرأي والتعبير، والتي يؤسس عليها بناء دولة ومجتمع يكون فيهما المواطنة والديمقراطية وحرية العمل السياسي المفتاح الجوهري لآلية البناء والدفاع عن الوطن، وتعبير الشعب عن مصالحه والتحذير من مخاطر وانحياز السلطة نحو الاستبداد والقمع، والتمييز بين انتقال نوعي باتجاه المضي نحو الأمام نحو ثقافة غير منهزمة كما يتمنى الاحتلال التأكد من سيادتها على شعوب المنطقة.

فالسلطة القائمة اليوم كما الأمس، ليس بمقدورها الدفاع عن سيادتها ولا الوقوف في وجه العدوان من دون الاستناد إلى عمل سياسي جماهيري أقله محاججة العدو بأنّ النظام يخضع لرأي عام ضاغط مراقباً لسلوكه وتصرفاته ولسلوك المحتل وعدوانه، وهنا تكمن السمة البنائية التي تحدد بعض المعالم الأولية التي تكشف عن ضرورة مواجهة الواقع ومختلف تماماً بل ونقيض للسائد المهزوم في مفهوم البعد الوطني والهوياتي.

لذلك رؤية جموع السوريين يتضامنون مع أسرى فلسطين، ويغضبون من عدوان المحتل على أرضهم، في هذا الوقت الحساس الذي تراقب فيه إسرائيل مقياس وعي السوريين، أو أي شارع عربي، هي غاية في الخطورة، مع أن المتظاهرين أطلقوا العنان لحناجرهم غضباً من الاحتلال وتذكروا جرائمه في غزة، وعلى الأرض السورية، فمن أين يستمد الإسرائيلي محاذيره التي يتشاطرها مع "نخب" عبرت عن الرفض والاستنكار لها؟

بظننا من أمرين: الأوّل يتعلق بسابقة خطيرة بتأكيد وتكرار الشعب السوري على مركزية العداء لإسرائيل في التعبير عن قضية فلسطين لأوّل مرة بعد تحرير سوريا من حكم الطاغية الهارب، والذي خبر الاحتلال طرق توظيفه لقضية فلسطين واستعمالاتها التي منحت الاحتلال هدوء على جبهته وقمعاً شاملاً في الداخل السوري. والأمر الثاني أن هناك ثلة من المطبّلين للسلطة السورية، يعتقدون أن قضية فلسطين يجب أن تسقط من صدور الناس ليلتفتوا لشؤون أخرى.

مظاهرات السوريين، والإعلان الصريح عن مكانة المستعمر في صدورهم، تعبيرها السياسي والأخلاقي والوطني، تنشيط فاعلية الفكر والسياسة وحرية التعبير، لأنها تمنح السلطة إن أرادت مقدمات موضوعية للتسلح بها..

المفاجأة التي أحدثها المتضامنون مع أسرى الاحتلال، وضد عدوانه وممارساته، أنهم عادوا لطبيعتهم ولوجدانهم، وأزاحوا عباءات التزوير عنهم، فالتعبير الأخلاقي والإنساني والقيمي، وحدة لا تتجزأ، كما يريدها المحتل والمستبد في آن معاً، في إلحاق هزيمة بالبنية العربية وجغرافيتها، فالإنسان السوري بطبيعته المحفورة بالمعرفة والواقع المعاش، يراقب ويقرأ ويحلل ويعرف البوصلة جيداً أكثر من التعتعة السياسية التي يتمتع بها أي نظام يحكمه، وحالة التعبير عن الرأي، التي كان يفتقدها، وراهن على أبديتها المستبد والمحتل لأكثر من نصف قرن بآلية قمع وتسلط نهايتها مازالت ماثلة أمامنا بنتائجها وتداعياتها.

فالأصل، أن يكون المجتمع السوري بهذه الحالة الصحية من المعرفة والوعي، بعيداً عن الانزياحات السريعة بين الأعلى والأسفل وبالتحرر من احتوائه بوساطة هرم السلطة الطفيلي الذي بات يجمع التموضعات الأخيرة لمنظومة عربية من القضية الفلسطينية، وبين شرائح القاع الشعبي وقمة النظام العربي في تشكيلة نادرة الحدوث على مسار أحداث عقدٍ ونصف، وبالتالي قدرة السوريين على التعبير بفهم مختلف للهوية والانتماء لقضايا عربية منها فلسطين، والنظرة لسلوك الاحتلال ووجوده على أرضهم، والذي راهن البعض في المرحلة الجديدة على الفقدان المقصود لهذا الفهم.

مظاهرات السوريين، والإعلان الصريح عن مكانة المستعمر في صدورهم، تعبيرها السياسي والأخلاقي والوطني، تنشيط فاعلية الفكر والسياسة وحرية التعبير، لأنها تمنح السلطة إن أرادت مقدمات موضوعية للتسلح بها بتشكيل الحالة الأرقى من تجهيز الذات وتحصينها أمام محتل مغتصب للأرض ومتوسع عليها، ومفردة العداء ليست بحاجة لتلقين من مندس أو الارتباط مع مشاريع خارجية، فإسرائيل تعيد تعريف نفسها كل يوم للشارع العربي والغربي ككيان إحلالي استيطاني استعماري، وواقع التراكم النمطي للسوري الخانع للسلطة والذليل أمام المحتل، لا يمكن أن تكون قدر السوريين ولا لشعوب المنطقة العربية، فالخطورة ليس في التضامن مع فلسطين واستنكار العدوان على الأرض السورية، بل في عدم التعبير الشعبي عنه كشأن يمس وجود السوري أولاً فوق أرضه.