"يا أهل الحارة، بشار سقط، سوريا تحررت، سقط هُبَل وتحطّمت آلهة البشر، الشام صارت إلنا، الحرية للجميع".
بهذه الصيحة التي مزّقت جدار الصمت في ليل دمشق، بدأ صباح لم يكن تصوّره ممكنا قبل شهور قليلة فقط، سقط نظام القهر، وفرّ الطاغية إلى موسكو.
انكسرت القيود وانهارات جدران السجون، زنازين لم تعرف الضوء ولا تنفّس الحياة، انفتحت الأبواب أخيرًا وخرج منها من أنهكهم الجوع والتعذيب، أجساد بالكاد تحتمل الوقوف، لكن أرواحهم لم تنكسر، رجال ونساء غابوا عن عالم تغيّر كثيرا، وها هم يعودون إلى سوريا أخرى، بلا سجّان وبلا جدران تئن تحت صور الدكتاتور.
تبدأ الحكاية من السجون حيث لا تزال رائحة العفن تسكن الجدران، والأنين عالق في الحيطان كأن الزمن رفض أن يُمحيه، هناك خلف كل باب حديدي تختبئ حكاية عمرها عمر وطن، عن شاب دخل الزنزانة في العشرين خرج منها بشعر أبيض، وأم ودّعت أطفالها نيامًا، فعادوا رجالًا لا يعرفون صوتها.
فتح المحررون الأبواب، وخرج المعتقلون متثاقلين كأنهم يصعدون من قاع الأرض، يتلفّتون لا يصدقون أن الشوارع لم تعد تهمس باسم الجلّاد بشار الأسد، بعضهم سار بخطى مرتجفة كأن الأرض غريبة تحته، وبعضهم سجد على الإسفلت كأنما بُعث من موت طويل، وآخر سأل ماذا يحدث وحين أخبروه أن “الأسد سقط”، قفز كطفل يتعرّف إلى الفرح أول مرة.
فالحرية كانت حلمًا مؤجلًا وفكرة معلّقة في آخر ممرات الفروع الأمنية، أما اليوم ها هي وجه لسوريا تظهر لهم كما لو أنها تحاول أن تُعرّف عن نفسها من جديد مألوفة لكنها غريبة، كأنها تُعيد اكتشاف روحها أمام عيون من دفنهم النسيان طويلًا ثم عادوا، ليشهدوا ولادة وطن بلا قيود.
تحرر بلا حرية.. جرح المعتقل السوري الذي لم يلتئم
ليست كل الأبواب المفتوحة خلاصًا، ولا كل خطوات الخروج من الزنزانة تعني الحرية فثمة من يغادر السجن من دون أن يتحرر حقًا، إذ إن ما ينكسر في الداخل لا تجبره شمس النهار ولا يصلحه الهواء الطلق.
من حي بابا عمرو في حمص الذي دوّن اسمه في الصفحات الأولى من الثورة، خرج إسماعيل الغطاوي حاملاً حلم الحرية، لكن هذا الحلم كلّفه سنوات من المطاردة والاعتقال بعد انشقاقه، حتى اعتُقل في طرابلس عام 2014، ثم نُقل سرًا إلى طرطوس ومنها إلى حمص، قبل أن يُزجّ به في جحيم صيدنايا.
سنوات طويلة مرّت، والفرج بدا أقرب إلى الوهم إلى أن جاء اليوم المنتظر وفتح باب الزنزانة، يتذكر إسماعيل تلك اللحظة قائلاً لموقع تلفزيون سوريا “رجليي ما عاد حملوني حتى إطلع من باب السجن، ما صدقت إنو هاد حقيقة”، موضحًا أن إشارات “التحرير” كانت تصل همسًا خلال الزيارات وسط أحاديث عن معارك قادمة، لكن المفاجأة كانت أن المعجزة حصلت فعلًا.
بالرغْم من خروج إسماعيل من الزنزانة إلا أنه لم يخرج فعليًا من تجربة الاعتقال، فقد بات غريبًا عن كل شيء حتى عن ابنه وزوجته التي صمدت وحدها في انتظاره، إذ بقي في منزله أسابيع لا يخرج كأن جدران السجن ما زالت تطوق داخله، وقال "بتذكر أحيانًا شغلات فجأة، بأكلة أو لمحة بتصير الذاكرة ترجع لحالها، وبلحظتها بتمنى تنمحي كلّا" فالذاكرة عنده كما يصفها تفيض بالألم الذي لا يحتاج إلى دعوة، بل يتسلل دائمًا من تفاصيل الحياة.
بعد شهر من الإفراج عنه عاد إسماعيل إلى صيدنايا، لا كمعتقل هذه المرة بل كمن يحاول مواجهة شبح ماضيه، تجوّل بين الزنازين بحثًا عن جزء من ذاته تركه هناك وبدأ رحلة علاج نفسي بدعم من منظمة إنسانية.
لكنه خرج إلى واقع لا يقل قسوة، حسب وجهة نظره فهو بلا مأوى، ولا دخل، ولا دعم رسمي، كما أُدرج اسمه في عدة مجموعات تُعنى بالمعتقلين لكنه لم يشعر بالانتماء وقال: "صرت حس إنو مأساتي صارت تجارة ما حدى قدملي يد العون وليكني، مهمش كأني مو موجود".
يعيش إسماعيل اليوم في فراغ مؤلم، بلا أحلام، بلا خطط، بلا طاقة واصفًا حالته "أنا راجع من الموت بس ما بعرف لوين رايح، ما بدي شي بس سقف لعيلتي الصغيرة، بعد ما كان سقفي صيدنايا".
يؤمن إسماعيل أن سنوات سجنه لم تذهب هدرا، بل كانت خيارا حرا خاضه عن قناعة مهما كلّفه، لكن خروجه لا يعني نهاية الألم، بل بداية فصل جديد من المعاناة التي يعيشها آلاف المعتقلين السوريين السابقين.
فبحسب تقرير لمنظمة العفو الدولية (يونيو/حزيران 2025)، فإن الناجين من سجون مثل صيدنايا يواجهون آثارًا جسدية ونفسية مدمّرة وسط غياب شبه تام للدعم، كما يعاني كثيرون من أمراض مزمنة كفشل الرئتين والصرع، واضطرابات نفسية حادة مثل الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، نتيجة لسنوات من التعذيب والعزلة الممنهجة.
سجون الأمس وآمال اليوم
لم يكن السجن في سوريا مجرّد مكان للاعتقال، بل مساحة منظمة للقمع تُسحق فيها الأرواح قبل الأجساد، سنوات من الظلم والاحتجاز التعسفي طالت الآلاف كثيرون ما زالوا مفقودين، وآخرون خرجوا بأجساد منهكة وذاكرة مثقلة بالعذاب.
أمضى سنان آل رشي ثلاثة عشر عامًا في سجون النظام السوري، تنقّل خلالها بين عدد من الأفرع والمعتقلات، ما خلّف لديه آثارًا نفسية واجتماعية عميقة لا تزل حاضرة في تفاصيل حياته اليومية.
وفي حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أشار سنان إلى أن فترة اعتقاله الطويلة انعكست عليه على مستويات متعددة، موضحًا أن التنقل المتكرر بين السجون وفقدان التواصل مع الأشخاص في كل مرة، كان له أثر بالغ عليه سواء من ناحية التكيّف أو على الصعيد العاطفي والذهني.
وقال: “في بداية خروجي من المعتقل شعرت بخوف كبير مشهد هروب عناصر الأمن كان صادمًا، والطريق نحو الحي بدا لي غريبًا ومخيفًا، عندما وصلت لم يعرفني أحد من أبناء المنطقة أحد الشباب سألني "بدك شي؟" لأنه لم يعرفني، فقد كان طفلًا عند اعتقالي”.
وأضاف أن ملامح البيئة الاجتماعية تغيّرت عليه بشكل كبير، إلى درجة جعلته يشعر بأنه في مكان مختلف، مشيرًا إلى أن بعض الأشخاص الذين عرفهم سابقًا بدؤوا يتعرّفون إليه تدريجيًا بعد مرور بعض الوقت وعودة عدد من سكان الحي.
يرى سنان أن “سوريا الجديدة”، كما يُطلق عليها لا تشبه الصورة التي رسمها في ذهنه خلال سنوات الاعتقال، ويعبّر عن خيبة أمله من بعض المشاهد التي صادفها بعد التحرير، راويا واقعة أثرت فيه بشدة حين شاهد طفلًا في سوق الحميدية يبيع علم الثورة بمبلغ خمسة آلاف ليرة سورية، من دون أن يدرك رمزيته أو ما دُفع ثمنًا له من تضحيات.
يحاول آل رشي تجاوز آثار التجربة، لكنه يعترف بأن الذاكرة لا تسعفه دائمًا، فبين الحين والآخر تعاوده الكوابيس، وتنهكه مشاهد الذكريات التي لا تغيب، خصوصًا ما يتعلق برفاقه الذين فُقدوا أو قضوا تحت التعذيب، وقال “أحيانًا أشعر بالانهيار، أزور ذوي المفقودين وأحاول أن أكون سندًا لهم، لكن الوجع يبقى”.
ورغم أنه يفضّل عدم الحديث عن تجربته الشخصية في بعض الأحيان لأنه كان معتقلًا في سجون مدنية، والتي يعتبرها أقل قسوة من أماكن الاحتجاز الأخرى، إلا أنه يحرص على نقل قصص من فقدهم داخل السجن، معتبرا أن شهاداتهم يجب أن تُروى.
وانتقد آل رشي تعاطي بعض فئات المجتمع مع إرث المعتقلات، خاصة في مشهد إحراق فرع الفيحاء بعد تحريره، إذ عبّر عن استيائه من سلوك بعض المدنيين الذين تعاملوا مع المكان كغنيمة، متجاهلين أن هذا الفرع كان يحتوي على أدلة تتعلق بمصير آلاف المفقودين، وأضاف “كان من المؤلم رؤية هذا التهافت على التعفيش، بينما ما زال هناك من ينتظر معرفة مصير ذويه”.
من الناحية الشخصية، يرى أنه محظوظ لوجوده ضمن محيط اجتماعي داعم ساعده على إعادة الاندماج، مشيرًا إلى فجوة واضحة بينه وبين محيطه، ناجمة عن سنوات الانقطاع الطويلة، كما يتابع آل رشي التطورات السياسية والمدنية عن كثب، مشيرًا إلى أنه يشغل منصب مدير المكتب الإعلامي في منطقة ركن الدين، إلى جانب عمله في ملفات المعتقلين الناجين، والمفقودين قسرًا، وذويهم.
ويختم بالقول “نحن لم نخرج فقط لنهتف من أجل الحرية، بل دفعنا ثمنًا باهظًا لنكون جزءًا من هذه المرحلة، حلمي الكبير هو العدالة والمساواة، أما على المستوى الشخصي، فأسعى لإنهاء دراستي الجامعية، واستعادة نفسي تدريجيًا"، وتابع "أشعر وكأنني عدت من الموت، وهذا السؤال لا يغيب عني لماذا عدتُ، ولم يعد من كانوا معي؟ ربما عدنا لنكمل الطريق، ونحاول تحقيق ما خرجنا من أجله”.
مذبح المعتقلين الصامت
في 17 من أيار الماضي، أعلن عن تأسيس “الهيئة الوطنية للمفقودين” بموجب مرسوم رئاسي، وتشكّل الهيئة التي يترأسها الدكتور محمد رضا جلخي، إطارًا وطنيًا معنيًا بكشف مصير المفقودين والمغيبين قسرًا داخل سوريا وخارجها، من دون تمييز في الجنسية أو الانتماء السياسي.
وتعمل الهيئة وفق مقاربة قائمة على مبادئ الشفافية، والمساءلة، والمشاركة الفاعلة لعائلات الضحايا، التي اعتُبرت “بوصلة العمل” في كل مرحلة. وتشمل مهامها جمع البيانات، وتوثيق الحالات، والتنسيق مع المنظمات الحقوقية، واستخدام وسائل التحقيق العلمي كتحليل الحمض النووي وتقنيات الطب الشرعي، بالتعاون مع جهات محلية ودولية أبرزها “المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا” التابعة للأمم المتحدة.
كما أطلقت الهيئة أولى جلساتها التشاورية في دمشق بتاريخ 5 تموز الحالي، بحضور عدد من أهالي الضحايا، مؤكدة التزامها بإشراكهم في صناعة القرار وتوفير الدعم النفسي والقانوني لهم، لكنها في الوقت ذاته لم تُخفِ صعوبة المهمة، في ظل العدد الهائل للمفقودين وتراكم البيانات غير الموثقة، مشيرة إلى أن الطريق نحو العدالة يتطلب صبرًا وتعاونًا واسع النطاق بين الدولة والمجتمع المدني والشركاء الدوليين.
اعتُقل أنور في السادس من أيار عام 1990، وقضى أحد عشر عامًا في سجن تدمر، قبل أن يُنقل لعشر سنوات إلى سجن صيدنايا ثم إلى عدرا وحمص، إلى أن أُفرج عنه بداية ”تحرير سوريا”.
طوال هذه السنوات، انقطعت صلته بالعالم الخارجي تمامًا، لم يعلم ما إذا كانت عائلته على قيد الحياة ولم يعرف أهله إن كان لا يزال حيًّا، يقول أنور واصفًا المعاناة هناك بأنها “لا يمكن أن تُنسى سجن تدمر ترك داخلي جرحًا لا يمكن أن يندمل”.
وأضاف “لحظة خروجي من السجن شعرت وكأنني نسيت كل شيء، فقط لأنني كنت قد فقدت الأمل بالخروج حيًّا”، بعد خروجه ليلًا، لم يتمكن من التواصل مع عائلته فورًا، إلى أن أوصله بعض الشباب إلى قريته، لا يشعر بالغربة عن ما حوله بالرغْم من السنوات التي ابتعد فيها، ويحاول اليوم أن يتأقلم مع عالم لم يعهده وتابع “أحفادي بيفرجوني طفولتهم بفيدوهات على الهواتف، وأتحدث مع أولادي بالفيديو هذا كان خيالًا بالنسبة لي”.
مشيرًا إلى أن الذاكرة رغم محاولاته لتجاوزها، لا تزال حاضرة بقوة وقال “أحيانًا أستيقظ لأتأكد أين أنا لا مشكلة لدي أن أحكي ما عشته، لكن العودة إلى الماضي موجعة كنا نعيش في نظام قمعي لا يسمح بالتفكير الآن أتنفس حرية، لكنني أكثر من يدرك عمق التحول”.
ما عاشه أنور داخل المعتقلات، خاصة في تدمر، يتجاوز الوصف “الموت كان يوميًا، والضرب كذلك كانوا يستقبلوننا بألف كبل آثار الندوب لا تزل على جسدي، وحتى فكري لا يزال مشبعًا بالخوف كنا نخاف أن تُكتشف أفكارنا”.
ويختم حديثه بالقول “بعد التحرير، شعرت أنني وُلدت من جديد، ما أملكه اليوم هو أولادي وأحفادي وزوجتي لا زلت أخاف أن يكون هذا حلمًا، وأن أستفيق فجأة"، موضحًا أنه اليوم ناجٍ من الموت الذي كان يرافقه في كل لحظة وأنه قد لا يغيّر شيئًا، لكنه وأمثاله شهود أحياء على جرائم النظام.
المحاسبة استحقاق إنساني ووطني
رغم مرور أشهر على انهيار نظام الأسد في سوريا، ما يزال ملف المعتقلين والمختفين قسرًا يراوح مكانه، بلا معالجة جذرية أو مسار واضح نحو العدالة.
روز النميري ناشطة الحقوقية، قالت في تصريح لموقع تلفزيون سوريا إن هذا الملف “لا يزال بعيدًا عن أي إرادة سياسية جدية”، رغم أنه من أكثر القضايا إلحاحًا وإنسانية.
وتستند النميري إلى أرقام موثقة من “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، تُظهر وجود أكثر من 112 ألف شخص لا يزالون في عداد المختفين قسرًا، في حين لم تتجاوز حالات الإفراج الموثقة عتبة 24 ألف حالة، وسط ترجيحات بكون الأعداد الحقيقية أعلى بكثير نتيجة لصعوبة التوثيق في السنوات السابقة.
كما توضح أن معظم الناجين من المعتقلات خرجوا بحالات جسدية ونفسية مدمرة، بينهم من يعاني اضطرابات عصبية أو فقدان جزئي للذاكرة، في حين يواجه ذووهم صدمة مزدوجة مابين غياب سنوات طويلة من جهة، وعودة مشوهة من جهة أخرى، تفرض واقعًا جديدًا لا يمكن التكيّف معه بسهولة.
في هذا السياق، تشدد النميري على أن العدالة الانتقالية هي الإطار الوحيد القادر على التعامل مع هذه المأساة، معتبرة أن أي مشروع لبناء سوريا جديدة لا يمكن أن يتجاوز المساءلة والمحاسبة، وقالت "رؤية الجلادين أحرارًا بينما يعيش الضحايا تحت وطأة الصدمة، ينسف فكرة الإنصاف من جذورها، ويهدد السلم الأهلي بشكل مباشر".
وتلفت إلى أن آلاف العائلات لا تزل تجهل مصير أبنائها، في ظل غياب الشفافية وضعف الاستجابة المؤسساتية، وتضيف أن المعتقلين السابقين والمفقودين خرجوا تمامًا من دائرة الاهتمام السياسي، بعد أن كانت قضيتهم يومًا على رأس أولويات الشارع.
وترى النميري أن أي عدالة فعلية تبدأ بالتوثيق، إذ لا يمكن بناء مسار للمحاسبة أو جبر الضرر من دون بيانات دقيقة وشهادات موثوقة، داعية الجهات الرسمية إلى التعامل مع الملف باعتباره أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل، محذّرة من عواقب تجاهله على المستوى الاجتماعي والإنساني.
وفي ختام تصريحها، تؤكد النميري أن أمام السوريين فرصة تاريخية لصياغة تجربة انتقالية مختلفة، ترتكز على الحقيقة والعدالة والمساءلة، لا على التسويات والتنازلات، وأضافت “إما أن نُحاسب أو نعيد إنتاج القهر بأشكال جديدة، العدالة ليست خيارًا سياسيًا بل حقا وطنيا لا يسقط بالتقادم".
تحديات الدعم الرسمي وأهمية التمكين المجتمعي
تلعب منظمات التوثيق الحقوقي دورًا أساسيًا في بناء مسارات العدالة من خلال رصد الانتهاكات، وتوثيق شهادات الضحايا وتحليل الأنماط المرتكبة تمهيدًا للمحاسبة القانونية والسياسية، وفي هذا الإطار تواصل الشبكة السورية لحقوق الإنسان أداء مهامها في توثيق جرائم الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري، إلى جانب دعم الضحايا من خلال الإحالة للمؤسسات المختصة، وإعداد الملفات الحقوقية المبنية على رواياتهم المباشرة.
وفي حديث خاص لموقع تلفزيون سوريا أوضح مدير الشبكة فضل عبد الغني، أن المعتقلين السابقين معرضون في أي لحظة لخطر “نكء الصدمة” نتيجة لغياب الدعم النفسي المتخصص وعدم وجود برامج ممنهجة تتولى رعايتهم على المدى الطويل، وأضاف أن كثيراً منهم ولا سيما النساء والأطفال يواجهون صعوبات شديدة في الاندماج المجتمعي بسبب ما تعرضوا له من تعذيب وإذلال وعزلة قسرية داخل المعتقلات.
كما أشار عبد الغني إلى أن البنية التحتية لدعم هؤلاء الضحايا شبه منعدمة، ثم أن الكوادر المتخصصة في هذا المجال قليلة جداً، وفي ظل هذا الواقع تقتصر مساهمة الشبكة على إحالة الحالات إلى مؤسسات إغاثية تُعنى بالصحة النفسية، لكن هذه المؤسسات تعاني ضغط كبير، ما يؤدي إلى وضع الضحايا في قوائم انتظار طويلة.
ويرى عبد الغني أن دور المعتقلين بعد التحرير ينبغي أن يكون محورياً في مسار العدالة الانتقالية، مؤكدًا على أهمية تمكينهم من تنظيم أنفسهم ضمن تجمعات جغرافية أو مناطقية، مثل تجمعات بحسب المحافظة أو المدينة، ما يسهل اللقاءات المباشرة وتبادل الخبرات والمعلومات فيما بينهم، وقال “القرب الجغرافي يُعزّز التواصل، ويجعل الاجتماعات والمطالبات الحقوقية أكثر فعالية”، مشدداً على ضرورة أن تتبنى المنظمات الفاعلة هذا التوجه، وأن يسلط الإعلام الضوء عليه كجزء من تمكين الضحايا. موضحًا أن الضحايا يشكلون محوراً ثابتاً في كل مراحل العمل الحقوقي الذي تقوم به الشبكة، بدءاً من التوثيق ومروراً بإعداد التقارير وانتهاءً بصياغة الملفات القضائية، وتابع “نستند في توثيقنا إلى شهادات الضحايا، ونأخذ رواياتهم بعين الاعتبار عند بناء أي ملف. بل إننا نضيف عناوينهم ونستمر في التواصل معهم لاحقاً عندما نبدأ بإعداد ملفات مبنية على اتهامات مباشرة منهم ضد الجناة”.
وختم عبد الغني بالقول إن المرحلة القادمة تتطلب تركيزاً خاصاً على المعتقلين السابقين باعتبارهم ليسوا فقط ضحايا، بل شهوداً محوريين وفاعلين محتملين في مسارات الحقيقة والعدالة، وإن استثمار تجربتهم ومشاركتهم هو جزء لا يتجزأ من أي عملية إصلاح سياسي أو مجتمعي حقيقي في سوريا المستقبل.
وعلى الرغم من مركزية ملف المفقودين في النقاشات المتعلقة بالعدالة والمصالحة، لا تزل الاستجابة الرسمية خجولة وغير واضحة المعالم، وفي هذا السياق تواصل موقع تلفزيون سوريا للحصول على تعليق رسمي حول الجهود المبذولة وآلية التنسيق، كونها من الجهات المعنية بالمتابعة الاجتماعية والنفسية لهذا الملف.
إلا أن الرد جاء من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عبر مكتبها الإعلامي، مشيرًا إلى أن “الملف معقّد ومشتركًا بين عدة أطراف، وأن الوزارة غير قادرة على تقديم تصريح في الوقت الحالي بسبب ضغط الملفات الكبرى الموضوعة على جدول أعمالها”، وأضاف الرد أن الوزارة تبذل ما بوسعها لتوفير الوقت للرد الإعلامي. ويبدو أن غياب سياسة حكومية واضحة تجاه ملف المعتقلين، يثير تساؤلات حول مدى جدية الجهات الرسمية في إعطاء هذا الملف الأولوية التي يستحقها.