خطاب الكراهية وتحوّل الاختلاف إلى أداة تدمير

2025.06.13 | 06:02 دمشق

54556
+A
حجم الخط
-A

من المعروف أنه في أزمنة التحولات السياسية والاجتماعية العميقة، تطفو إلى السطح أنماط متعددة من الخطابات، من بينها، خطاب الكراهية الذي يُستخدم في كثير من الأحيان لتبرير الإقصاء والعنف، وهذا الخطاب ليس مجرد انفعال عاطفي عابر، بل منظومة لغوية وسياسية تُستخدم لتغذية العداء، وتفتيت النسيج الاجتماعي، وتقويض أُسس الدولة الحديثة.

وقد يبدو هذا الخطاب، لدى بعضهم، مجرد تلاسن حاد، غير أنه، في الحقيقة، أداة خطيرة في يد من يسعون إلى الهيمنة، والعبث بمصائر الناس. وهو لا يقتصر على إنتاج التفرقة والاختلاف، بل يحمل في بنيته بذور العنف الرمزي، ويؤسس لتناحرات لفظية تفضي إلى انقسام طويل الأمد، وإلى تفشي الأحقاد.

إن خطاب الكراهية متعدد الأشكال والمصادر: ففي السياسة، يظهر عبر تخوين الخصوم؛ وفي الإعلام، من خلال تضليل الرأي العام وتغذية الأحكام المسبقة؛ أما في الحياة اليومية، وتحت شعار حرية الرأي، فتبنى الأحكام والعلاقات على أسس دينية أو طائفية أو مناطقية، لا على القيم الإنسانية المشتركة.

ولعلنا ندرك جميعًا كيف كانت السلطة الأسدية البائدة تلجأ إلى خطاب الكراهية كوسيلة لضمان بقائها، بالتوازي مع ضرورة إيجاد عدو أو أعداء دائمين في النسيج السوري. وانطلاقًا من ذلك، قامت بتقسيم المجتمع السوري تقسيمًا معياريًا يُرسِّخ ثنائيات قيميّة صارمة من قبيل: "وطنيون" في مقابل "خونة"، و"مؤمنون" في مقابل "كفار"، و"موالون" في مقابل "عملاء"، بحيث لم يعد الانتماء يُقاس إلا من خلال موقع الفرد من السلطة وخطابها، واختزل ولاء المواطن للوطن في الولاء لشخص الأسد. ولا ننسى تصريح بثينة شعبان، بعد تهجير سكان داريا وحمص الشرقية وغيرها من المدن السورية، حين قالت عبر التلفزيون الرسمي: "سوريا أصبحت الآن مجتمعًا متجانسًا أكثر"، وكأن التجانس يُبنى على الخراب والإقصاء. وكذلك كان شعار "الأسد أو نحرق البلد" تعبيرًا فجًّا عن خطاب الكراهية، وتجسيدًا صريحًا للإبادة الرمزية والجسدية للآخر المختلف سياسيًا أو طائفيًا. وفي أكثر من برنامج على التلفزيون الرسمي، خُصصت حلقات كاملة للهجوم على الثوار والمعارضين ووصفهم بـ"الخونة" و"الإرهابيين" و"الجراثيم"، كما ورد في خطاب الهارب بشار الأسد عام 2011.

ولم تكتفِ السلطة الأسدية بإنتاج خطاب الكراهية، بل عملت على ترسيخه في الإعلام، والمناهج التعليمية وغيرها. كما شوهت مفهوم الحرية، وقدّمته على أنه تهديد للوحدة الوطنية، حتى غدا الحديث عنها جرمًا يُواجَه بالقتل والإبادة. وتجلى ذلك بأوضح صوره في السؤال الاستفزازي: "بدكن حرية؟"، ليأتي الرد عليه محمّلًا بالرصاص، والمدافع، والسلاح الكيميائي، والبراميل المتفجرة.

ولعل من بين أسوأ ما خلفته الأسدية وراءها مثل هذا الخطاب، الذي بدا متجذرًا في بعض البنى الذهنية والاجتماعية داخل المجتمع السوري، وعاد للظهور بأشكال جديدة، ليخرج إلى العلن دفعة واحدة ضمن منظومة متكاملة من الكلمات والمواقف التي تغذي العداء، وتحول المختلف السوري إلى خصم يجب عزله أو شيطنته أو قتله.

وما لم تكشف مخاطر هذا الخطاب ويواجه بوعي وحكمة، فقد يؤدي إلى نسف إمكانية التعايش في المستقبل، وذلك لكونه يسهم في إحداث شرخ عميق في بنية المجتمع، وينتج أفرادًا يعيشون في عزلة داخل قوقعة أنفسهم، يخشون التعبير عن ذواتهم أو حتى التفكير في المستقبل. ومع مرور الوقت، قد تنزلق أمور السوريين إلى ما هو أسوأ، وبالتالي تنجر الدولة الوليدة المفترض أنها حاضنة لهم جميعًا، إلى أداة قمع لفئة ضد أخرى، فتفقد بذلك شرعيتها الأخلاقية والسياسية، وهذا ما لا يريده معظم السوريين.

وبالتأكيد، فإن خطاب الكراهية متعدد الأشكال والمصادر: ففي السياسة، يظهر عبر تخوين الخصوم؛ وفي الإعلام، من خلال تضليل الرأي العام وتغذية الأحكام المسبقة؛ أما في الحياة اليومية، وتحت شعار حرية الرأي، فتبنى الأحكام والعلاقات على أسس دينية أو طائفية أو مناطقية، لا على القيم الإنسانية المشتركة.

وبذريعة حرية التعبير تلك، رأينا كيف راحت تطلق الكلمات على عواهنها، مبعثها الهيام بالأسدية وماضيها، أو منطلقات أيديولوجية متعصبة، أو نزعة نرجسية تهدف إلى إخضاع الآخر لرؤى صاحبها. ومن لا يوافقه الرأي يتحول تلقائيًا إلى جاحد، أو كافر، أو متخلف، أو عميل. هي تهم جاهزة تُرمى جزافًا، لتطول الفرد والعائلة والجماعة والطائفة والعرق.

تقع هذه المهمة اليوم على جميع السوريين العاملين في الشأن العام والخاص، وعلى جميع المؤسسات، وعلى رأسها وزارتي الثقافة والإعلام، من خلال إنتاج محتوى ثقافي مضاد للكراهية.

قدّر الله، في خطر الحرب الأهلية، التي قد تتسلل من تحت ومثل هذا الخطاب قد يؤدي إلى غرق المجتمع السوري بأثره، لا عباءة الكلمات والاتهامات والتوصيفات التي توهم مطلقوها أنها مجرد آراء، ووجهات نظر، وحرية تعبير.

لا ينشأ خطاب الكراهية في الفراغ، بل في بيئة تتآكل فيها القيم، وتغيب فيها العدالة، ويضعف فيها صوت العقل لصالح الغرائز والانفعالات، التي باتت تتحكم بفئات عديدة من المثقفين وأصحاب الرأي، فتدفعهم إلى الإدلاء بآراء تشعل فتيل الكراهية، مستندين إلى وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع انتشار هشيم ما يطرحونه داخل المجتمع السوري، حتى غدا رأي فردي متشنج قادرًا على إشعال حريق واسع الانتشار.

ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن مواجهة مثل هذا الخطاب لا تكون برد فعل مشابه، بل ببناء ثقافةٍ بديلة تقوم على الاعتراف المتبادل، وتعميق الحوار، وتعزيز التربية المجتمعية والقيم الإنسانية. كما لا يكفي إدانة خطاب الكراهية، بل يفترض فهم مصادره، ومعالجة الأسباب والجراح التي تغذيه: الظلم، الفقر، الشعور بالإقصاء، والذاكرة المثقلة بالعنف. مع إعادة تعريف مفاهيم التنوع والاختلاف، لا باعتبارها تهديدًا، بل كمصدر غني للتماسك المجتمعي.

وتقع هذه المهمة اليوم على جميع السوريين العاملين في الشأن العام والخاص، وعلى جميع المؤسسات، وعلى رأسها وزارتي الثقافة والإعلام، من خلال إنتاج محتوى ثقافي مضاد للكراهية، والحرص على دعم الفنون (المسرح، السينما، الأدب) التي من شأنها أن تعزز قيم التسامح والتعدد والانتماء الوطني الشامل. وتشجيع المبادرات الثقافية التي تروي قصصًا عن التعايش، والعمل على إحياء الذاكرة الثقافية المشتركة، مع تسليط الضوء على الرموز الوطنية الجامعة للسوريين بمختلف انتماءاتهم، وإعادة الاعتبار للثقافات المحلية المهمشة (الكردية، الآشورية، الأرمنية...) بما يضعف الخطابات الإقصائية.

وأن تعمل وزارة الإعلام جاهدة على تأسيس ميثاق إعلامي وطني مناهض لخطاب الكراهية، بمشاركة النقابات والهيئات والمنظمات المدينية المستقلة، وإطلاق حملات توعية تروج لخطاب المواطنة والاحترام المتبادل، عبر التلفزيون والإذاعة ومنصات التواصل، بمشاركة فنانين ومثقفين من خلفيات متنوعة. والعمل على إنتاج برامج حوارية ثقافية وفنية تستضيف شخصيات مختلفة فكريًا وطائفيًا تتحلى بالمسؤولية لمناقشة قضايا المواطنة والانتماء، إلى جانب محاسبة من يروجون للتخوين أو التمييز السياسي والطائفي، وضبط المحتوى الرقمي بالتعاون مع المنصات العالمية، مع الحفاظ على حرية التعبير الواعي والبناء.

إذ نعتقد أن انتصار الثورة السورية على السلطة الأسدية سيبقى منقوصًا ما لم يهزم هذا الخطاب الكراهي. سيما وأن المجتمعات لا تقاس فقط بإنجازاتها العسكرية والمادي وعلاقاتها الدبلوماسية بل بقدرتها على احتضان تنوعات أبنائها، وعلى إنتاج خطاب عقلاني يقوم على التعددية والتسامح والحرية.

فإن تركت الكراهية بلا مواجهة، فهي قادرة على تقويض ركائز الدولة: المواطنة، والعدالة، وسيادة القانون؛ وقد تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات انتقام، فتنتج نخبًا أساسها الولاء للسلطة لا للكفاءة، ما يجعل المجتمع هشًّا أمام الأزمات، ويجعل الدولة عرضة للانهيار.

لهذا، فإن مواجهة خطاب الكراهية لا تقتصر على الرد عليه، بل تتطلب تفكيك بنيته، وكشف أدواته، ومساءلة من يروّج له.