icon
التغطية الحية

خريطة المخيمات تنكمش تدريجيا في سوريا.. ما الذي يحدد نجاح عودة النازحين؟

2026.08.20 | 06:17 دمشق

آخر تحديث: 2026.08.20 | 13:34 دمشق

خريطة المخيمات تنكمش تدريجيا في سوريا.. ما الذي يحدد نجاح عودة النازحين؟
مخيم مؤقت وسط تضاريس صخرية في ريف حلب، في 10 أيار 2025 ـ غيتي
تلفزيون سوريا ـ مالك الحافظ
+A
حجم الخط
-A

دفعت خطة "سوريا بلا مخيمات" ملف النزوح الداخلي إلى مرحلة جديدة خلال الأسابيع الماضية مع إعلان نهاية عام 2026 موعدًا لإنهاء تجمعات النزوح وبدء عمليات عودة منظمة من مخيمات الشمال، ففي 21 تموز عادت 314 عائلة تضم 1564 شخصًا إلى بلدات في إدلب وحماة ثم عادت 94 عائلة في 29 تموز و106 عائلات أخرى في 2 آب وسط استعدادات لنقل مئات الأسر خلال الأشهر المقبلة، وهو مسار يضع هدف إنهاء المخيمات أمام اختبار مختلف عن تنظيم القوافل لأن العائلة التي تغادر الخيمة تحتاج في الجهة الأخرى إلى منزل صالح وخدمات ومدرسة ودخل وملكية واضحة وأمان يسمح لها بالبقاء.

وتقدر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عدد النازحين داخل سوريا في بداية 2026 بنحو 5.54 ملايين شخص يعيش قرابة 1.35 مليون منهم في أكثر من 1500 موقع للنزوح، وفي إدلب وحدها أحصى مسح أعلن في تموز 736 مخيمًا تضم نحو 91 ألف عائلة.

وقال المفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين برهم صالح الأسبوع الماضي، إن عودة أكثر من 3 ملايين سوري ـ بينهم لاجئون ـ إلى مناطقهم منذ كانون الأول 2024، تمثل دليلا على تصميمهم على إعادة بناء بلدهم.

ودعا المفوض الأممي المجتمع الدولي إلى زيادة دعم جهود التعافي والاستقرار في سوريا.

وجاء ذلك في بيان أصدره صالح في ختام زيارة استمرت أسبوعا إلى سوريا، وفق موقع الأمم المتحدة.

وقال المفوض الأممي إن سوريا "تقف عند منعطف تاريخي، فعودة أكثر من ثلاثة ملايين سوري بالفعل من الخارج أو من مناطق أخرى داخل البلاد منذ ديسمبر 2024، تدل على تصميمهم على إعادة بناء بلدهم".

وشدد على أن عملية التعافي "بهذا الحجم" تمثل مهمة كبيرة لا تستطيع سوريا إنجازها بمفردها.

ودعا الحكومات والشركاء في مجالات التنمية والتمويل إلى التحرك بسرعة وتحويل الزخم المرتبط بعودة السوريين إلى دعم عملي.

وتوضح هذه الأرقام أن حركة العودة اتسعت فعليًا لكنها توضح أيضًا أن الأسر المتبقية في المخيمات تمثل غالبًا الفئات التي تواجه شروطًا أصعب من تلك التي استطاعت العودة مبكرًا.

السكن والخدمات يحددان استدامة العودة

ويفيد مفهوم "الحلول الدائمة" في دراسات النزوح بأن انتهاء النزوح لا يساوي مغادرة موقع الإيواء لأن النزوح حالة تتصل بفقدان القدرة على ممارسة الحياة اليومية بصورة مستقرة، ولهذا تعتمد المؤسسات الدولية في قياسه على استعادة الحقوق والسكن والعمل والوصول إلى الخدمات إلى جانب الحماية من التهجير المتكرر، ومن هذه الزاوية يصبح إغلاق المخيم نتيجة لتحسن شروط الحياة في المناطق الأصلية وليس هدفًا إداريًا مستقلًا يمكن تحقيقه بقرار أو موعد زمني.

من جانبه، يرى أدريان إدواردز، المتحدث السابق في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن إغلاق المخيمات لا يكفي وحده لاعتبار أزمة النزوح منتهية، لأن المعيار الأكثر أهمية هو قدرة العائلات على الاستقرار بعد العودة وعدم اضطرارها إلى النزوح مرة أخرى. ويشير إلى أن السكن والخدمات الأساسية وفرص العمل والحماية القانونية عناصر مترابطة، وأن غياب أحدها يمكن أن يحول العودة إلى انتقال مؤقت بدل أن تكون حلًا دائمًا.

ويضيف خلال حديثه لموقع "تلفزيون سوريا" أن وضع جدول زمني لإنهاء المخيمات يمكن أن يساعد على تنظيم الجهود وحشد التمويل، لكنه يجب ألا يتحول إلى معيار وحيد للنجاح، لأن أوضاع المناطق الأصلية تختلف بدرجة كبيرة من مكان إلى آخر. ويرى أن تقييم الجاهزية يجب أن يسبق العودة، عبر فحص مستوى الخدمات وسلامة المساكن وإمكان الوصول إلى التعليم والصحة وفرص كسب الدخل.

ويعتبر إدواردز أن المرحلة الأكثر حساسية تبدأ بعد مغادرة الأسر للمخيمات، لذلك ينبغي متابعة أوضاع العائدين خلال الأشهر التالية وقياس نسبة من استطاعوا البقاء ومن اضطروا إلى المغادرة مجددًا، لأن هذه المؤشرات تكشف بصورة أدق ما إذا كانت العودة مستقرة أم أن النزوح أعاد إنتاج نفسه بصورة مختلفة.

كذلك يأتي السكن في مقدمة العقبات مع تقدير البنك الدولي قيمة الأضرار المباشرة التي أصابت الأبنية والبنية التحتية والأصول غير السكنية بنحو 108 مليارات دولار واحتياجات إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، فيما تحدثت الخطة المتعلقة بالمخيمات عن ترميم قرابة 60 ألف منزل، لكن استعادة المنزل لا تكفي إذا بقيت الكهرباء والمياه والمدرسة والمركز الصحي والطريق وفرص العمل خارج قدرة البلدة على استيعاب سكانها العائدين.

ما الذي يجعل عودة النازحين قابلة للاستمرار؟

ويقدم مفهوم "القدرة المحلية على الاستيعاب" تفسيرًا أكثر دقة لهذه المشكلة لأن عودة السكان تضيف طلبًا سريعًا على الخدمات والوظائف والأسواق والسكن في مناطق خرج جزء كبير منها من الحرب بموارد محدودة، فإذا عادت الأسر بوتيرة تتجاوز قدرة الاقتصاد المحلي على استيعابها يمكن أن ينتقل النزوح من المخيم إلى شكل آخر أكثر هشاشة داخل المدن والقرى، وقد سجلت المنظمة الدولية للهجرة بالفعل حالات عاد فيها سوريون إلى مناطقهم ثم رجعوا إلى المخيمات بعدما وجدوا أن شروط الاستقرار غير متوافرة.

كذلك تدخل حقوق الملكية في صميم ملف العودة بعد سنوات تركت منازل مدمرة ووثائق مفقودة وأراضي انتقلت حيازتها ونزاعات على الإرث ومساكن تشغلها أسر أخرى، ولذلك لا تعني معرفة الأسرة بموقع منزلها أنها تستطيع استعادته أو ترميمه أو إثبات حقها فيه بسهولة، وتتحول الملكية هنا من مسألة قانونية فرعية إلى أحد محددات الاستقرار لأن الأسرة التي لا تستطيع تثبيت حقها في الأرض أو المسكن تبقى معرضة لنزاع جديد حتى بعد مغادرة المخيم.

ويرتبط ذلك بما تسميه دراسات التعافي "الأمن القانوني للإقامة" الذي يجعل العلاقة بين الفرد والمكان قابلة للحماية أمام المؤسسات والمحاكم والإدارة، وهي نقطة شديدة الأهمية في مجتمع شهد حركة سكانية واسعة وتبدلات كبيرة في الحيازة خلال أكثر من عقد، لذلك تصبح معالجة السجلات العقارية وإثبات الملكية وتسوية النزاعات جزءًا من سياسة إنهاء النزوح بنفس أهمية إعادة البناء المادي.

وترى عزة غطاس، الحقوقية المتخصصة في شؤون اللاجئين والهجرة، أن العودة لا ترتبط بالأمن وحده، لأن الأسرة تحتاج أيضًا إلى القدرة على إعالة نفسها والوصول إلى الخدمات والحفاظ على حقوقها في السكن والملكية. وتوضح أن غياب مصدر دخل منتظم يمكن أن يعيد العائلات سريعًا إلى دائرة الاعتماد على المساعدات أو يدفعها إلى الانتقال إلى مناطق أخرى، حتى إذا استطاعت العودة إلى بلدتها الأصلية.

وتشير خلال حديثها لموقع "تلفزيون سوريا" إلى أن حقوق الملكية تمثل واحدة من أكثر القضايا حساسية بعد سنوات النزاع، مع فقدان الوثائق وتغير حيازة بعض المنازل والأراضي وتعدد النزاعات على الإرث والسكن. وترى أن برامج العودة تحتاج إلى آليات واضحة وسريعة لتثبيت الملكية وتسوية النزاعات، لأن الاستقرار يصبح هشًا إذا لم تكن الأسرة قادرة على إثبات حقها في المنزل أو الأرض التي تعود إليها.

في حين تضيف الألغام والذخائر غير المنفجرة عقبة مباشرة أمام العودة، إذ وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 341 مدنيًا بينهم 88 طفلًا بسبب مخلفات الحرب بين كانون الأول 2024 وحزيران 2026، وربطت محادثات سورية بريطانية في تموز برنامج إنهاء المخيمات بإزالة الألغام وإعادة تأهيل المناطق المتضررة، وهو ارتباط منطقي لأن العودة إلى منزل صالح داخل قرية تحيط بها الأراضي الملوثة لا تحقق استقرارًا فعليًا مهما تحسنت بقية الخدمات.

وتكشف هذه المعطيات أن المعيار الأهم خلال الأشهر المقبلة لن يكون عدد المخيمات التي تغلق وإنما عدد العائلات التي تستطيع البقاء بعد العودة، فالنزوح في جوهره تعطل للعلاقة بين الإنسان ومكانه وموارده وشبكاته الاجتماعية، ومعالجة هذا التعطل تحتاج إلى سياسة تجمع السكن والملكية والعمل والخدمات والأمان المحلي في مسار واحد، وإلا يمكن أن يختفي المخيم من الخريطة في حين تبقى الظروف التي صنعت النزوح قائمة بصورة أخرى.