حُرّاس الفضيلة.. ولماذا يريدون لسوريا أن تبقى بلا فرح؟

2025.12.10 | 05:56 دمشق

DAMASCUS, SYRIA - DECEMBER 08: People wave flags as they watch a light show and fireworks during celebrations marking the first anniversary of the overthrow of the Assad regime in Umayyad Square on December 8, 2025 in Damascus, Syria. The first anniversary of the fall of the Assad regime in Syria is being marked today across the country. Former leader Bashar al-Assad was granted asylum in Russia after he fled the country and his government collapsed on December 8, 2024. The fall of the regime, which ended o
+A
حجم الخط
-A

منذ السابع والعشرين من نوفمبر بدأت أصواتٌ مألوفة ترتفع، أصواتُ من نصّبوا أنفسهم «حراسًا للفضيلة» واعتادوا إخضاع السوريين لامتحان دائم فيما يجوز وما لا يجوز، هؤلاء لم يتأخروا في إصدار فتاواهم الجديدة، لكنها هذه المرّة تحرّم الفرح بذكرى سقوط بشار الأسد وانكسار قفل «الأبد» الذي أُريد للبلاد أن تعيش تحته إلى ما لا نهاية. خرجوا علينا ليقولوا إن الابتهاج لا يليق بالسوريين، وإن الضحك يرهق أعصابهم، وإن البهجة تُربك صحة شعب عاش عقودًا بين جدران تتنصّت وجدران تعاقب، في ظل قبضة لا ترحم، ومع اقتراب الثامن من ديسمبر، اشتد صراخهم، وتضاعفت تحذيراتهم من «مضاعفات الابتسامة» وأخطار «دموع الفرح» في الذكرى الأولى لتحرّر البلاد من طغمة الأسدين.

يا حراس الفضيلة... من الذي خوّلكم تصنيف السوريين؟ من أعطاكم حق الوصاية على قلوبهم؟ بأي منطق تمنحون أنفسكم سلطة تقرير ما يجب أن يشعر به الناس؟ وكيف تقنعون أنفسكم أنكم قادرون على حراسة الفضيلة في حين تحاولون في الوقت ذاته جرّها إلى ميدان السياسة؟ هل أنتم وحدكم من يرى الحقيقة؟ هل تقفون خلف حجاب يكشف لكم ما لا يظهر لنا، في حين يحجب عن الآخرين نور الحقيقة؟

قبل أن تعلنوا تحريم الفرح، هل خطر ببالكم سؤال بسيط: لماذا يفرح السوريون؟ هل عبرت بكم الموضوعية يومًا؟ هل حاولتم النظر إلى الأمر بعين باحث أو إعلامي أو أكاديمي كما تدّعون؟ أليست دراسة الظواهر، بحسب أبسط القواعد العلمية، تبدأ بفهم الظاهرة قبل الحكم؟

وإن كان فهم الأسباب قد استعصى عليكم، فدعوني أضع بين أيديكم بعضًا من الدوافع التي تجعل السوريين يحتفلون في هذا اليوم:

أولاً: الفرح حقّ إنساني بديهي، لا يحتاج إلى إذن من أحد، لا من سلطة ولا من وصيّ، ولا حتى من "حراس الفضيلة"

ثانيًا: يفرح السوريون لأنهم تخلّصوا من حكمٍ استبدّ بهم لعقود، من دكتاتور أراد أن يختصر الوطن بشخصه.

ثالثاً: يفرح السوريون لأن المعتقلين والمعتقلات خرجوا من الزنازين التي غيّبتهم سنوات، واستعادوا رؤية الشمس واستنشقوا الهواء.

رابعاً: يفرح السوريون لأن آلة القتل والتدمير التي أكلت الحجارة قبل البشر توقّفت أخيرًا.

خامساً: يفرح السوريون لأن عمليات التهجير القسري والنزوح واللجوء قد توقّفت.

سادساً: يفرح السوريون لأن كثيرين منهم استطاعوا لقاء أهلهم وأحبتهم بعد فراقٍ طويل، بل ووداع موتاهم كما يليق بالإنسان.

سابعاً: يفرح السوريون لأن فرصة البحث عن المفقودين، بين المقابر الجماعية وردم المدن وقوائم المعتقلين، باتت ممكنة.

ثامناً - يفرح السوريون لأن العودة إلى البلدات المدمّرة، رغم الألم، أصبحت خيارًا بعد أن كانت حلمًا بعيدًا.

تاسعاً - يفرح السوريون لأن تضحيات السوريين لم تذهب سدى، ولأنهم يشعرون أن ثورتهم أثمرت ولو بعد حين.

عاشراً: يفرح السوريون لأنهم استعادوا أصواتهم وأملهم وقدرتهم على اتخاذ قرارهم، ولن يسمحوا بعد اليوم لطاغية أن يحكمهم بالقهر.

هذه الأسباب – وغيرها كثير – ليست مرتبطة بحزب ولا بشخص ولا بسلطة، بل هي امتداد مباشر لجرح السوريين الطويل مع نظامٍ جعل من القمع مشروعه الوحيد.

يا حراس الفضيلة... إذا كانت مشكلتكم مع الحاكم الجديد أو مع من هم في السلطة اليوم، فهذه مشكلتكم أنتم، لا مشكلة السوريين، لماذا تصوّبون سهامكم على الناس بدل أن توجهوها إلى حيث تعتقدون أنه الخلل؟ أليس من التناقض أن تعلنوا دفاعكم عن القيم الإنسانية ثم تجرّموا الفرح بزوال طاغية؟ كيف تجمعون بين ادّعاء حراسة الفضيلة وبين حرمان شعبٍ كامل من أبسط مشاعر الحياة؟

أنا أتفهّم أن بعضكم لم يكن جزءًا من الثورة، أو أن الثورة لم تُحقق أحلامه، أو أن مشروعه السياسي لم يجد مكانًا في سوريا الجديدة، وأتفهّم أن البعض كان حليفًا للأسد يومًا، أو يرى نفسه مكسورًا أمام صورة جديدة للبلاد لم يعتد عليها. لكن كل ذلك لا يمنحكم سلطة على ضمائر الناس، ولا يخولكم إعلان الفتاوى على مشاعر الملايين من السوريين.

السوريون اليوم لا يحتفلون بشخص، ولا بسلطة، ولا بحزب.

يحتفلون باستعادة مواطنتهم المسروقة، يحتفلون بأنهم أخيرًا قادرون على التعبير، على التحليق، على الحلم وعلى الفرح، إنهم يحتفلون بـ الخلاص

فدعوا السوريين يفرحون فالفرح – ببساطة – ليس من اختصاصكم.