حي الشيخ جراح.. ومهزلة الشعارات العلمانية

تاريخ النشر: 11.05.2021 | 16:54 دمشق

آخر تحديث: 11.05.2021 | 17:01 دمشق

في شهر حزيران من العام 1967 كان لواء المظليين الإسرائيلي الاحتياط 55، هو الوحدة التي دخلت المدينة القديمة في القدس وتولت احتلالها، اتصل ضابط مخابرات اللواء إيريك أخمون مع القيادة وبصوت يحمل اهتزازا خاشعا وانفعالا روحيا واضحا قال لهم عبر جهاز اللاسلكي وهو يصعد درجات السلم الحجرية بجوار حائط البراق: إنني شخص غير متدين ولم أكن كذلك يوما ولكني الآن أنزل درجات حائط المبكى إنه حائط المبكى!. يتحدث العسكري غير المتدين بخشوع الكاهن عن جدار مقدس لدى طائفته وينقل هذا الشعور إلى القيادة العسكرية ثم تذاع ليسمعها الجميع، مع عرض لمشاهد الجنود يتقدمون بسرعة في تشكيل قتالي داخل المدينة القديمة. خلطت إسرائيل تديُّن أخمون الملتبس بعلمانية مريبة مستمدة ربما من تعاليم "سفر التثنية"، وباشرت منذ تلك اللحظة التي نقلت فيها مشاعر أخمون الجياشة بتغيير الوقائع على الأرض، بما يتناسب وحجم الاهتزاز العاطفي لمجتمع "غير متدين" إزاء أثر ديني قديم. وضعت إسرائيل  كثيرا من نقاط العلام وأقامت الأسوار وحاولت حصر كل ما هو عربي في بقعة ضيقة، وخلقت مبدأ سياسياً ينسخ كل الحروب السابقة وتطلعات الشعب الفلسطيني ينص على أن إسرائيل يمكن أن تعيد أراضي احتلتها مقابل العيش بسلام وسط العالم العربي.

أرادت إسرائيل أن تحصر الخلاف بتفاوت وجهات النظر حول الحدود، وقد اعتبرت وجودها قد أصبح حقيقة نهائية وهي تنتصر في حرب كبرى خاطفة على دول محلية كبرى، واعتمدت على إيديولوجيا متناقضة تستند فيها إلى التاريخ الأسطوري للشعب اليهودي

أرادت إسرائيل أن تحصر الخلاف بتفاوت وجهات النظر حول الحدود، وقد اعتبرت وجودها قد أصبح حقيقة نهائية وهي تنتصر في حرب كبرى خاطفة على دول محلية كبرى، واعتمدت على إيديولوجيا متناقضة تستند فيها إلى التاريخ الأسطوري للشعب اليهودي كما هو مدون في التوراة، وإلى راهن مدني متحضر ذي شكل ديمقراطي على النمط الغربي، ومدجج بتسليح متقدم، وهي تمتلك التكنولوجيا اللازمة لإنتاجه، بما يمكنها من المحافظة على كيانها الحالي بعيدا عن التهديد، وطوال حياة إسرائيل القصيرة تمسكت بهذين المبدأين بشدة دون أن تلتفت إلى التناقض المنطقي بينهما، ولكن ضابط المخابرات أخمون عبر عنه بدقة. نجحت إسرائيل بتسويق مبدئها الجديد ووصلت به إلى قرار واضح من الأمم المتحدة، وراهنت على الوقت الذي وقف لصالحها حتى أصبح الخلاف الحدودي حقيقة واقعة، عُقد من أجلها مؤتمر مدريد قبل ثلاثين عاما، فكان نقطة علام جديدة في تاريخ القضية الذي شهد التحول الجديد في جوهرها، والذي طرح سؤالين: أين هي فلسطين؟ وأين هي حدودها؟ ولجعل الإجابة على ذلك غير ممكنة، عمدت إسرائيل إلى تفتيت الكيان الباقي من أرض فلسطين إلى أجزاء صغيرة غير قابلة لتشكيل كيان واحد، وكان المؤسف إمكانيتها شق الشارع الفلسطيني إلى قسمين كبيرين معزولين فكريا وجغرافيا وأمعنت مع الوقت في ترسيخ هذا الانشقاق الذي كان رهانها منذ البداية.

 

بداية هذا الشهر تضامن المجتمع الإسرائيلي بقوة مع ضحايا حادثة جبل ميرون قرب صفد، الذي وقع خلال احتفالات دينية إسرائيلية في عيد الشعلة نتيجة حادث تدافع وتزاحم، ولم يقتصر التعاطف على الجانب الإنساني بل تعدى ذلك ليظهر جوهر المجتمع الإسرائيلي الديني والمتعصب

 

بداية هذا الشهر تضامن المجتمع الإسرائيلي بقوة مع ضحايا حادثة جبل ميرون قرب صفد، الذي وقع خلال احتفالات دينية إسرائيلية في عيد الشعلة نتيجة حادث تدافع وتزاحم، ولم يقتصر التعاطف على الجانب الإنساني بل تعدى ذلك ليظهر جوهر المجتمع الإسرائيلي الديني والمتعصب، الذي يسمح بمثل هذا الاكتظاظ في ظروف صحية غير طبيعية، وفي ظل الإنذارات السابقة المتكررة التي كانت تصدر كل سنة حول خطورة المكان وإمكانية تعرض المحتفلين للخطر، ولكن عبء الواجب الديني طغى على مواجهة الخطر عند رجل الحكومة "العلماني" وعند المتدين العادي. في هذا الحادث لم تفلح إسرائيل في التغطية على حقيقة مبدئها الديني الذي يقود العلماني ويوجهه ويوحي له بما يفعل، ثم يأتي القرار الإسرائيلي بمنع ممارسة الانتخابات في مدينة القدس الشرقية تحت الذرائع الدينية نفسها لتمنع حدثا ديمقراطيا يفترض أن تشارك في صنعه وإنجاحه أيضا، ولكن إسرائيل القائمة على الفكر المتخيل والتراث الأسطوري لم تكتفِ بوضع عوائق جديدة في وجه أي شكل لجغرافيا فلسطينية يمكن أن تولد، لكنها تخلق اليوم إشكالا جديدا في مدينة القدس الشرقية، بعد أن حولت قضية فلسطين والقدس إلى جملة اسمية هي القدس الشرقية، والآن في أحداث حي الشيخ  جراح تسعى إلى مزيد من التفتيت والمحاصرة في سياق ذات الخطة القديمة التي دأبت على استعمالها منذ أكثر من سبعة عقود..

لا يمتلك المقدسيون ولا سكان حي الشيخ جراح أي أيديولوجيا ولا حتى أسلحة للدفاع عن حيهم، فيدافعون بابتسامات عفوية ويسلمون أيديهم ليتم تقييدها قبل جرهم إلى المعتقلات، لا نتوقع أن تنتصر الابتسامات مهما بلغت درجة براءتها وعفويتها، ولكن يمكن أن تستمر المقاومة، وهي العامل الذي لا تريده إسرائيل لكنها من جهة أخرى تدفع بمزيد من الشبان والفتيان للانغماس  بأجسادهم في أوساط تجمعات رجال الشرطة، وتستطيع كسبا للوقت أن تؤجل اجتماع اللجنة الدستورية العليا، ويمكنها أن تنفث خوفها عبر إعلامها من مناسبة عيد الفطر لربط توقيت ديني إسلامي بانفجار الأوضاع فتوحي بأن الأمر يتم بإدارة إرهابيين، ويمكن أن يتيح لها هذا الادعاء استقدام مزيد من رجال الشرطة وقد تستقدم الجيش أيضا لفرض هدوء تبتلع بعده قطعة أخرى من القدس الشرقية وقد تبدأ بالبحث عن تسمية أخرى لما تبقى من المدينة بذرائع تاريخية ذات عناوين علمانية جذابة.

أسر 70 عنصراً من قوات النظام خلال المعارك الدائرة شرقي درعا | فيديو
أنباء عن اتفاق مبدئي لوقف إطلاق النار في درعا البلد والتصعيد مستمر في الريف
نصرة لدرعا البلد.. مقاتلو الريف الشرقي يسيطرون على 7 حواجز لقوات النظام |فيديو
كورونا.. 3 وفيات و65 إصابة جديدة في سوريا
إغلاق قسم كورونا في مشفى تشرين باللاذقية.. ما السبب؟
فايزر ـ بيونتيك: الجرعة الثالثة من اللقاح توفر حماية كبيرة ضد سلالة "دلتا"