icon
التغطية الحية

حين يُهدم الشاهد.. إسرائيل تُدمّر مشفى الجولان الأثري في القنيطرة

2026.01.07 | 15:19 دمشق

مشفى الجولان القديم - تلفزيون سوريا
مشفى الجولان القديم - تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا ـ باسل المحمد
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بهدم مشفى "الجولان القديم" في القنيطرة، مما أثار إدانات محلية ودولية لكونه خرقاً لاتفاقيات وقف إطلاق النار والقانون الدولي، ويعد تصعيداً خطيراً في جنوب سوريا.
- تأسس المشفى عام 1950 وكان رمزاً للتطور الصحي، وتعرض لأضرار خلال حرب 1967، لكنه بقي رمزاً وطنياً بعد انسحاب القوات الإسرائيلية عام 1974.
- عملية الهدم جاءت ضمن سياسة إسرائيلية لمحو المعالم المرتبطة بفترة الاحتلال، وسيظل ركام المشفى رمزاً لجراح الاحتلال المفتوحة.

في خطوة وُصفت بأنها محاولة لطمس الشواهد على جرائم الاحتلال، أقدمت قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي على هدم مشفى "الجولان القديم" في مدينة القنيطرة المدمَّرة، أحد أبرز معالم المدينة وأهم رموزها التاريخية.

وكان المشفى شاهداً حيّاً على حجم الدمار الذي لحق بالقنيطرة خلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي بين عامي 1967 و1974، قبل أن يتحوّل، بفعل الجرافات والمواد المتفجّرة، إلى كومة من الركام.

وأثارت عملية الهدم إدانات واسعة على المستويين المحلي والدولي، في وقت تأتي فيه هذه الخطوة ضمن سياق تصعيد ميداني خطير، تخلّلته توغلات إسرائيلية متكررة جنوبي سوريا، وسط تحذيرات من أن هذه الانتهاكات تشكّل خرقاً صارخاً لاتفاقيات وقف إطلاق النار والقانون الدولي.

"مشفى الجولان القديم" تاريخياً

أُنشئ مشفى "الجولان القديم"، عام 1950، ليكون المستشفى الرئيسي في مدينة القنيطرة ومحيطها، وعلى مدار عقدين كان المشفى جزءاً لا يتجزأ من البنية العمرانية والحياة المدنية في القنيطرة، حيث قدّم الخدمات الطبية لسكان المنطقة وكان رمزًا للتطور الصحي في تلك الحقبة.

وخلال حرب حزيران 1967، تعرّضت القنيطرة للاجتياح الإسرائيلي في اليوم الأخير من الحرب، ولحقت بالمشفى أضرار جسيمة من جراء القصف والاشتباكات، ورغم ذلك، بقي المبنى قائماً جزئياً بعد توقف المعارك، ليشهد على ضراوة ما حدث في تلك الحرب.

في عام 1973 استعادت القوات السورية السيطرة على القنيطرة مؤقتاً، في أثناء ما سُمي وقتئذ بـ"حرب تشرين"، لكن المدينة عادت للاحتلال الإسرائيلي في الهجوم المضاد.

ومع توقيع اتفاقية فض الاشتباك عام 1974 وانسحاب الجيش الإسرائيلي، كانت القنيطرة مدينة مدمَّرة بالكامل تقريباً، إذ انتهجت قوات الاحتلال سياسة الأرض المحروقة قبل انسحابها، حيث دُمّرت معظم المباني والبنى التحتية بشكل ممنهج، بما في ذلك المستشفيات والمدارس ودور العبادة.

وآنذاك، وثقت الأمم المتحدة عملية التدمير واعتبرتها انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني و"جريمة حرب" تستوجب الإدانة، وفي خضم ذلك الخراب، برز مشفى "الجولان القديم" كواحد من الهياكل القليلة التي ظلت أطلالها شاخصة.

رمز وطني وشاهد على العدوان

على مدى العقود التالية، باتت أطلال مشفى الجولان رمزاً وطنياً مهماً في الذاكرة السورية والعربية، فقد أبقى نظام الأسد مدينة القنيطرة المهدمة على حالها كـ"متحف مفتوح" يخلّد آثار العدوان الإسرائيلي، رافضاً إعادة إعمارها لتبقى شاهدًا دوليًا على ما ارتكبه الاحتلال، وليستمر نظام الأسد بالعزف على منظومة المقاومة والممانعة وتحرير الأرض.

تحوّل المشفى إلى نصب تذكاري حيّ يجسّد معاناة أهالي القنيطرة وصمودهم في وجه الاحتلال، خاصة أنه كان يحمل على جدرانه كتابات ولافتات تُظهر للعالم حجم التخريب المتعمَّد، من ذلك لافتة عُلِّقت على مدخله كتب عليها: "هذا هو مستشفى الجولان-دمّره الصهاينة وحوّلوه إلى هدف للرماية".

وقد حرصت وفود أجنبية عديدة على زيارة الموقع خلال زياراتها إلى سوريا، من دبلوماسيين وصحفيين وحتى شخصيات دينية بارزة مثل البابا يوحنا بولس الثاني، عام 2001، للوقوف مباشرةً على معالم المدينة المدمَّرة وما لحق بها.

وبذلك غدا المشفى رمزاً جمعياً ليس فقط للدمار، بل أيضًا للصمود والتشبّث بالحقوق، حيث تكرر ظهوره في الخطاب الرسمي والإعلامي السوري كدليل على وحشية الاحتلال في الجولان.

تفاصيل عملية الهدم الأخيرة

توغلت قوة عسكرية إسرائيلية كبيرة في عمق مدينة القنيطرة المهدمة بمؤازرة آليات هندسية ثقيلة أمس الثلاثاء، وبحسب مراسل تلفزيون سوريا تألفت القوة من أربع جرافات مجنزرة مدعومة بعدد من الآليات المصفحة وجنود مشاة، حيث طوقت القوة موقع المشفى القديم وشرعت في عملية هدم ممنهجة لما تبقى من هيكله.

وبحسب مصادر محلية فقد استخدم الاحتلال الجرافات لتقويض الجدران والأساسات، في حين سُمع دوي انفجار عنيف هزّ المنطقة، نجم -وفق التقديرات- عن تفجير عبوات ناسفة أو ألغام وضعت داخل المبنى لإكمال تدميره.

وخلال وقت قصير، كان المستشفى التاريخي قد سوّي بالأرض بالكامل وتحول إلى أنقاض متناثرة، لينتهي بذلك فصل دام لعقود كأحد معالم القنيطرة وشواهد نكبتها.

هذه العملية جاءت بعد سلسلة تمهيدية من الاعتداءات على المشفى نفسه خلال الأشهر السابقة، إذ أفادت تقارير ميدانية أن أجزاء من المبنى كانت قد تضررت أو أُزيلت في توغلات إسرائيلية سابقة قبل نحو سبعة أشهر، ما أضعف هيكله بشكل كبير، وبذلك كان تفجير السادس من كانون الثاني تتويجًا لهذه الاعتداءات، حيث قضى تمامًا على ما تبقى من البناء.

ووصف صحفيون محليون المشهد بالقول إن "الاحتلال واصل ما بدأه عام 1974 من محوٍ لمعالم القنيطرة، فأنهى المهمة الآن بنسف المستشفى الذي كان شاهدًا على عدوانيته".

ولم تقتصر التحركات الإسرائيلية ذلك اليوم على موقع المشفى؛ فقد سجلت توغلات متزامنة لقوات الاحتلال في مناطق متفرقة جنوبي القنيطرة، حيث دخلت آليات عسكرية إلى بلدتي الرفيد وجباتا الخشب وأقامت حواجز مؤقتة هناك، كما توغلت دوريات في محيط قرى أخرى قرب خط وقف إطلاق النار وقامت بعمليات تمشيط واستطلاع مكثفة قبل أن تنسحب لاحقاً.

هذا التصعيد الميداني عزز القناعة لدى الأهالي بأن هدم المشفى لم يكن حدثاً معزولاً، بل جزء من سياسة إسرائيلية مستجدة لبسط نفوذها العسكري ومحو ما أمكن من المعالم والذكريات المرتبطة بفترة احتلالها السابقة.

في المحصلة وبينما يواصل الاحتلال الإسرائيلي سعيه لفرض وقائع جديدة في الجولان السوري بقوة السلاح، لا يبدو أن المعركة تقتصر على الأرض وحدها، بل تمتد إلى الذاكرة ذاتها، بوصفها شاهداً يجب إسكاتُه.

ومع ذلك سيبقى ركام مشفى "الجولان القديم"، رغم هدمه، أثراً لا يُمحى في الوجدان، يذكّر الأجيال المتعاقبة بما أصاب المدينة وأهلها، ويكرّس حضوره رمزًا لجراح الاحتلال المفتوحة، مهما تعددت محاولات طمس الحقيقة أو تغييب معالم الجريمة.