حين يطير الدب الروسي

حين يطير الدب الروسي

حين يطير الدب الروسي

تاريخ النشر: 10.03.2018 | 17:03 دمشق

آخر تحديث: 10.03.2018 | 17:13 دمشق

المدن - بسام مقداد

جاء تحطم طائرة النقل العسكرية الروسية في حميميم منذ يومين ، وبغض النظر عن أسبابه التي قد لا نعرفها أبداً ، ليضيف عاملاً آخر إلى العوامل التي تراكمت بعد إعلان بوتين  عن "انتصاره" في الحرب السورية ، وتكاد تفرغ هذا "الانتصار" من معظم دلالاته ، التي أرادها له الرئيس الروسي . لكن الصفعات الشديدة ، التي يتلقاها الكرملين في الفترة الأخيرة ، لا تحدّ بالتأكيد ، من قدرته على القتل والتدمير التي يدعمها بمزيد من الطائرات الحديثة والسفن والمرتزقة ، إنما لا بد وأن تساهم في إفهامه (أو هكذا يؤمل)، أن سيناريو"الأرض المحروقة" الشيشاني الذي جاء به إلى سوريا ، ليس كافياً لتحقيق "الانتصارات" ، وأن مرحلة "الانتصارات بدون كلفة" ، قد انتهت إلى غير رجعة .

تشير تعليقات الاختصاصيين والخبراء الروس ، حتى على صفحات المواقع والصحف التابعة للكرملين ، إلى أن ماكينة القوة الروسية ، وعلى الرغم من ادعاءات الكرملين حولها ، تشكو من ضعف وتخلف كبيرين يشكلان واحداً من أسباب الصفعات ، التي تتلقاها هذه الماكينة في سوريا . يقول القائد السابق للجيش الجوي الروسي الرابع اللفتانت جنرال فاليري غوربنكو في تعليقه على حادثة حميميم الأخيرة ، بأن المستوى العام لإعداد الطيارين الروس قد انخفض ، على الرغم من الاهتمام الذي توليه الدولة لهذه المسألة في السنوات الأخيرة . لقد برزت مشاكل كبيرة في هذا المجال بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، إذ تدنى مستوى إعداد الطيارين الذين كانوا يطيرون قليلاً بسبب عدم توفر المحروقات وقطع الغيار ، مما أسفر عن بطالة طويلة للماكينات تبرز آثارها في حوادث السقوط المتكررة .

وزارة الدفاع الروسية نفت إعلان "جيش الإسلام" إسقاط الطائرة الروسية بإطلاق النار عليها حين هبوطها ، ورجحت فرضية "العطل الفني" على فرضية "الأحوال الجوية" وسواها من الفرضيات . لكن رئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما فيكتور بونداريف أشاد ، مع خبراء طيران روس ، بمميزات الطائرة الفنية ومستوى أمانها ، وقال بأن الطائرة تم تفحصها قبل إقلاعها من قاعدة كويرس في حلب . إلا أن موقعاً روسياً نقل عن مصدر "مطلع على الوضع" نفى أن تكون الطائرة قد تم تفحصها قبل إقلاعها ، وقال بأن الطائرة ، التي كانت تقوم برحلة مكوكية بين حميميم ـوكويريس ، لم تطفئ محركاتها  ، ولم يترك الطيارون مقاعدهم.

مقولة استنزاف الطيارين في طيران النقل العسكري، وعدم منحهم فرصة للراحة ، يؤكد عليها الجنرال فاليري غوربنكو المذكور ، ويشير إلى أنها كانت السبب في سقوط الطائرة "tu-54" في أدلر على البحر الأسود ، عشية رأس السنة  2016 ، التي ذهب ضحيتها نحو مئة فنان روسي ، حيث لم يخرج الطيارون من مقصورة القيادة قبل إقلاع الطائرة إلى حميميم .

صحيفة الكرملين "vzgliad" تنقل عن جنرال طيار متقاعد آخر ، لا تذكر اسمه،  قوله ، في تعليق على سقوط الطائرة المذكورة ، بأن قاعدة حميميم تسودها الفوضى ، وتولي القليل من الاهتمام لطيران النقل ، على العكس من الطيران المقاتل. ويقول هذا الجنرال ، بأن القاعدة تحولت إلى "معبر للجميع" ، تتغير فيها الكادرات بسرعة كبيرة ، ويتبدل الطيارون مرة كل ثلاثة أشهر ، يمضي منها الطيار شهرين للتأقلم ، ثم يبدأ الاستعداد للعودة ، في حين أن مدة تبديل الطيارين في أفغانستان كانت تمتد لسنة واحدة .

ويقول هذا الجنرال ، بأن كتيبة النقل في القاعدة ، ليس معروفاً لمن تتبع ، الكل في القاعدة يركز اهتمامه على إعداد الطيران المقاتل . أما كتيبة النقل هذه فيعهد أمرها لشخص ما ، أو لشخصين على الأكثر ، وليس لدى الجيش الجوي إمكانية لإيلاء كتائب النقل هذه مزيداً من الاهتمام .

كلام الاختصاصيين الروس هذا حول قاعدة حميميم لا ينتقص أبداً من تفوق الطيران الروسي على السوريين وقدرته المتنامية  في القتل وتدمير المستشفيات والمدارس والعمران ، سيما وقد سبقه كلام كثير مشابه ، بعد تعرض هذه القاعدة ، عشية رأس السنة ، لهجمات طائرات الدرون ، وما نشر من صور تسربت من داخل القاعدة نفسها ، ما دفع بعض الخبراء الروس إلى القول "بصراع نفوذ" داخل القاعدة نفسها .

لكن كلام الاختصاصيين الروس هذا  لا يتناسب مطلقاً مع الصورة ، التي قدمها الرئيس بوتين في رسالته إلى البرلمانيين الروس ، مطلع الشهر الجاري ، عن أسلحة جديدة هائلة الفتك والتدمير ، أصبحت تملكها روسيا ، دون غيرها من الدول ، أو هي في الطريق لامتلاكها . هذه الرسالة ، التي مرت مرور الكرام على كافة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في روسيا ، وخصصت الجزء الأكبر منها للتسلح والسلاح ، لم تأت على ذكر سوريا مرة واحدة ، بل هي لم تأت على ذكر الشرق الأوسط برمته .

رسالة بوتين كانت موجهة إلى الولايات المتحدة والغرب عموماً ، الذي كان ينبغي أن "يرتجف خوفاً" ويسارع إلى طاولة المفاوضات مع روسيا ، التي لم يسمعها هذا الغرب سابقاً ، "فاسمعونا جيداً الآن"، على قول بوتين . لكن الغرب لم يفعل ، بل جاءت ردة فعله "متحفظة" عموماً ، حسب إعلام الكرملين نفسه . وكيف يمكن للغرب أن يصدق ما جاء في رسالة بوتين من وصف "لأسلحة جديدة رهيبة "، مرفقة بشرائط فيديو لا تصور هذه الأسلحة "لأسباب معروفة" على قول بوتين ، كيف له أن يقبض على محمل الجد هذه التهديدات المباشرة ، وهو يعاين عن كثب كيف تعجز الحملة الروسية في سوريا عن الارتقاء حتى إلى مستوى الخبرة السوفياتية في الحرب الأفغانية .

المهمة ، التي تنطح لها الرئيس بوتين في رسالته إجبار الغرب على الجلوس إلى طاولة المفاوضات ، واعتبار روسيا نداً كاملاً على الطاولة ، أصبحت مستحيلة ، برأي "مركز كارنيغي موسكو" . فالولايات المتحدة أعلنت ذلك بالفم الملآن منذ العام 2002 ، حين خرجت من اتفاقية الحد من الأنظمة المضادة للصواريخ ، ورفضت العودة إلى طاولة المفاوضات ، استجابة للنداءات الروسية المتكررة . فالولايات المتحدة ، التي تنفق الآن 700 مليار دولار على السلاح والتسلح ، وتسعى إلى رفع المبلغ إلى تريليون دولار ، حسب كارنيغي موسكو ، في حين لا تنفق روسيا سوى 70 مليار دولار ، غير مستعدة للجلوس مع أحد ، وليس مع روسيا فقط ، للتفاوض على الشراكة في زعامة العالم .

سباق التسلح ، الذي أعلن عنه بوتين في رسالته الأخيرة ، لا ينفع النفي اللفظي له ، ولن ينجح بوتين به ، حيث انهار الاتحاد السوفياتي تحت وطأته . وحال الرئيس الروسي بإمكانياته الراهنة ، التي أخذت تفصح عنها بوضوح أحوال سلاحه وطيرانه في سوريا في الفترة الأخيرة ، تشبه الفكاهة القديمة حول النسر والدب ، اللذين كانا على متن طائرة وقررا التحرش بالمضيفة الحسناء ، التي لم تتردد في رميهما من الطائرة . ولما نظر النسر إلى الدب المتهاوي كتلةً صماء في الفضاء ، قال له : ولماذا تتراذل إذا كنت لا تجيد الطيران .