حين يصبح التأثير شهادة.. تلفزيون سوريا في تقرير مراسلون بلا حدود

2026.04.30 | 12:22 دمشق

آخر تحديث: 2026.04.30 | 14:57 دمشق

3556
+A
حجم الخط
-A

تصنيف منظمة "مراسلون بلا حدود" لتلفزيون سوريا، في تقرير مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، بوصفه وسيلة تمتلك "تأثيرا كبيرا في المشهد الإخباري السوري"، ليس سطرا عابرا في تقرير دولي، بل شهادة جديدة لمسيرة مؤسسة أُجبرت أن تولد في المنفى، ثم تعود، وتسجل حضورها في وطن لم يعرف الحرية الإعلامية طوال أكثر من خمسة عقود.

لا يمكن النظر إلى هذا التصنيف بوصفه إنجازا مرحليا جديدا فحسب، بل بوصفه محطة فارقة في تاريخ تلفزيون تأسس في لحظة بالغة القسوة من المشهد السوري، في 3 آذار 2018، حين كانت الثورة تمر بإحدى أكثر مراحلها تراجعا وتهديدا لوجودها ومعناها، وحين كان الرهان على الإعلام المستقل يبدو مغامرة محفوفة بالخسارة.

من المنفى، إلى أول وسيلة إعلامية مستقلة مرخصة في سوريا الجديدة، وصولا إلى هذا التصنيف الدولي، كانت المسيرة شائكة وطويلة.

أن تنشئ وسيلة إعلامية في المنفى، في بيئة تطغى عليها مشاهد التهجير والموت، وأن تواجه الشك والتحريض والعزلة، لم يكن خيارا سهلا، بل عبئا ثقيلا. ومع ذلك، وُلد المشروع على قناعة راسخة: أن ما يجري يحتاج إلى منصة تحفظ السردية، وتحمي صوت الضحية، وتمنع اغتيال الحقيقة تحت ركام السياسة والسلاح.

الإيمان بضرورة وجود إعلام مهني ومستقل لم يكن ترفا، بل حاجة ملحة في بلد مثقل بالجراح، ممزق على المستويات كافة، تتقاذفه القوى وتخشى مالاته، وتخاف، في الوقت ذاته، من نهاية تكون في صالح جلاد أتقن القتل واحترفه.

من المنفى، إلى أول وسيلة إعلامية مستقلة مرخصة في سوريا الجديدة، وصولا إلى هذا التصنيف الدولي، كانت المسيرة شائكة وطويلة. عمل متواصل، ومواجهة لمحاولات الإقصاء المهني والأخلاقي، وضغوط سياسية، ومخاطر أمنية، ومعارك مفتوحة على أكثر من جبهة. في كل ذلك، كان التلفزيون يستثمر تراكم خبراته، ويبني أداءه على قناعة صحفيين آمنوا بعدالة القضية، وبحق الناس في أن يُسمَع صوتهم.

لم تكن مغامرة مؤسسة فضاءات، مقامرة، حين أطلقت المشروع في ما كان يُوصَف آنذاك بعام الهزيمة، لولا الإيمان العميق بأن الضحية التي تقاوم تستحق أن تُحفظ روايتها، وأن السوريين يستحقون منبرا يقود هذه المهمة، ويتعلم، ويخطئ، ويتطور في مهنة معقدة، تحتاج إلى عقل بارد وقلب حاضر في آن واحد.

هذه ليست لحظة مجد شخصي، ولا كتابة احتفال بذات، بل تأكيد جديد على أن العمل التراكمي الصادق، حين يُبنى على إيمان ومسؤولية، لا يضيع.

اليوم، لم يعد تلفزيون سوريا تلفزيون المنفى، ولا وسيلة لجوء مؤقتة في الفضاء العام. هو موجود في بيته، بين ناسه، جزء من يومياتهم وأسئلتهم، ينقل ما يجري ويتفاعل معه، ويحقق خطوة بعد أخرى، مدركا أن الطريق الأصعب مضى، وأن ما ينتظر في البناء والتنمية لا يقل تعقيدا في مشهد مليء بالاختلاف والاستقطاب، لكنه قدر لا يمكن الالتفاف عليه.

على المستوى الشخصي، وعلى مستوى المؤسسة التي أنتمي إليها منذ تأسيسها، لا يسع هذا الإنجاز إلا أن يكون لحظة امتنان. امتنان لكل من آمن بالمشروع ودعمه، وفي مقدمتهم مؤسسة فضاءات، والدكتور عزمي بشارة، الذي لم يكن الدعم بالنسبة إليه مجرد قرار، بل رهان واعٍ على الإعلام الحر بوصفه شرطا من شروط النهوض.

هذه ليست لحظة مجد شخصي، ولا كتابة احتفال بذات، بل تأكيد جديد على أن العمل التراكمي الصادق، حين يُبنى على إيمان ومسؤولية، لا يضيع. وأن التأثير الحقيقي لا يُصنع بالضجيج، بل بالصبر، والمهنية، والانحياز الدائم لحق الناس في المعرفة.