icon
التغطية الحية

حين يتحول العمران إلى سلاح.. دمشق المدينة التي أعيد تشكيلها بالقوة

2026.02.12 | 16:46 دمشق

آخر تحديث: 2026.03.16 | 20:25 دمشق

maxresdefault_1.jpg
حين يتحول العمران إلى سلاح.. دمشق المدينة التي أعيد تشكيلها بالقوة
دمشق ـ لمى الراجح
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- استخدم النظام المخلوع التخطيط العمراني كأداة للسيطرة، حيث تم تحويل الأزقة إلى شوارع مكشوفة تسهّل المراقبة، مما عزز القبضة الأمنية ودمر الهوية المجتمعية.

- استُخدمت الساحات العامة كأدوات للسيطرة، مع تصميمها لتكون مكشوفة، وإحاطة دمشق برموز بصرية تكرس حضور النظام، مما أدى إلى اختناق المدينة وتراجع الحق المجتمعي في الفضاء المشترك.

- كرّس النظام مركزية دمشق، مما أدى إلى لاعدالة مكانية، حيث تركزت الخدمات في المركز، بينما عانت الأطراف من ضعف المرافق، مما خلق فجوة اجتماعية طبقية.

أعاد النظام المخلوع رسم ملامح العاصمة دمشق العمرانية توظيفاً لسياساته الأمنية والقمعية ضد السوريين خلال عقود من حكم البلاد، واستخدم التخطيط العمراني أداةً للسيطرة والعنف ووسيلة للمراقبة وتعزيز القبضة الأمنية وتدمير الهوية المجتمعية.

ورغم بقاء بعض معالم دمشق التاريخية، كالقلعة، والتكية السليمانية، وسوق الحميدية، وزقاق مدحت باشا، وقصر العظم، وجامع الشيخ محيي الدين والكثير من المعالم الدينية والتاريخية، إلا أن المدينة اليوم محكومة بإرث طويل من التقطيع المتعمد، يعود جزءاً منه إلى مخطط ميشيل إيكوشار في عهد الانتداب الفرنسي.

ورغم أن المخطط وضع في ثلاثينيات القرن الماضي، إلا أنه ظل المرجعية الأساسية للتوسع العمراني حتى عام 1968، ما جعل أثره ممتداً لعقود لاحقة، حيث عمل المخطط على فتح الأزقة الضيقة إلى شوارع مكشوفة تسهّل المراقبة، ليستثمر النظام المخلوع هذا الإرث ويدمجه بالنموذج السوفييتي، وذلك حسب ما أشارت له المهندسة نور الخياط المختصة في التصميم الحضري التشاركي والاستدامة المجتمعية.

وظهرت الكتل الإسمنتية الثقيلة والممرات الضيقة والمداخل المحدودة في مؤسسات الدولة والمشاريع السكنية، من المزة 86 إلى مساكن برزة ومساكن الحرس والشرطة، حيث يتم استنساخ الأبنية وفق منطق مركزي لا يرى في المدينة سوى مساحة يجب إخضاعها.

واليوم تتجه دمشق نحو مرحلة جديدة من إعادة الإعمار، خصوصاً في الأحياء التي دمرها القصف مثل القابون وجوبر، فكيف ستتعامل الحكومة الجديدة مع الإرث الذي خلفه النظام المخلوع؟ وهل ستفتح الباب أمام التصميم العمراني الأكثر عدالة وتشاركية؟ أم ستبقي الوضع على ما هو عليه داخل أحياء مدينة دمشق؟

وفي هذا السياق حاولنا التواصل مع محافظة دمشق عبر مكتبها الإعلامي للاستفسار عن خطط الحكومة في التعامل مع هذا الإرث في العمران، ومعرفة رؤيتها لمستقبل التخطيط في العاصمة، إلا أننا لم نتلقَ أي رد من قبلهم.

"الأب القائد يراقب"

توليد الإحساس الدائم في المراقبة لا يأتي فقط من خلال الحراس أو الكاميرات على سبيل المثال، بل يكون ذلك أيضاً من خلال التصميم العمراني. ولفهم هذا المشهد لابد من التوقف عند أفكار ميشيل فوكو في كتابه "المراقبة والمعاقبة". فوكو يشرح كيف تنتقل السلطة من العقاب المباشر إلى أنظمة تجعل الناس يراقبون أنفسهم. نموذج "البانوبتيكون" الذي تحدث عنه، حيث يتم مراقبة الفرد دون أن يعرف إن كان تحت المراقبة، وبالطبع فإن هذا النموذج يتجسد بوضوح في دمشق.

اعتمد النظام المخلوع رقعة الشطرنج في التخطيط العمراني، التي تجعل الأحياء مكشوفة، والشوارع قابلة للمراقبة، والفضاءات العامة محدودة، والمحاور المستقيمة، وذلك حسب ما قالته المهندسة نور الخياط، وتتابع: "حي الميدان على سبيل المثال، بحاراته وأزقته، كان من الصعب السيطرة عليه، ولكن استطاع النظام المخلوع من خلال تقطيع الحي في العديد من أجزائه، وجعله شوارع مستقيمة بدلاً من وجود الحارات الضيقة، وتشييد الأبراج لتكون نقاط مراقبة، سهل ذلك السيطرة ومراقبة الحي".

كما عمد النظام المخلوع إلى تعميق الإحساس بالمراقبة والخوف والولاء الأمني من خلال انتشار الأفرع الأمنية والاستخباراتية داخل الأحياء السكنية والساحات العامة، وجعل من التصميم العمراني أداة لخدمة هذه الأفرع، حيث تتلاصق الأبنية الأمنية مع الأبنية السكنية كنوع من الحماية لهذه الأفرع وكنوع من توليد الإحساس بالسيطرة.

ساحات واسعة تبدد الحرية

في هذا الصدد أشار المهندس المعماري عبد الحميد بكاري والمختص بدراسات تخطيط المدن المستدام لإعادة الإعمار إلى أن ساحة الأمويين التي أصبحت إحدى ساحات الاحتفالات الرئيسية بعد سقوط النظام المخلوع، كانت سابقاً إحدى أدوات سيطرته، هذه الساحة في الأصل كانت جزءاً من مخطط إيكوشار على شكل ساحة شعاعية متفرعة الأوصال، موقعها في قلب العاصمة جعلها عقدة يمكن من خلالها التحكم بحركة المدينة.

ساحة واسعة، بلا زوايا مخفية، تسمح بالمراقبة من كل اتجاه، وعلى أطرافها تنتشر مؤسسات تحمل رمزية السلطة: هيئة الأركان، المكتبة الوطنية التي حملت اسم "مكتبة الأسد"، والهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون كبناء شاهق يمكن من خلاله مراقبة الساحة باستمرار، ومراقبة مداخل الشوارع المتفرعة عنها، حيث كانت تقطع الساحة باستمرار سيما خلال سنوات الثورة، ويتم نصب حواجز للتفتيش.

يقول عبد الحميد: " كان لدى النظام أهداف عسكرية أمنية وهي جعل ساحة الأمويين كبيرة بالمساحة وشوارعها عريضة، لتسهل مرور الآليات العسكرية، وربطها بشكل مباشر مع أوتوستراد المزة، الذي يشكل بدوره محوراً أمنياً يخدم مطار المزة العسكري ومقرات الفرقة الرابعة".

ومن ساحة الأمويين يمتد الطريق إلى كفرسوسة، حيث تتكرر الصورة نفسها: ساحة واسعة، مفتوحة، بلا زوايا خفية، تتصل بطريق يودي مباشرة إلى مركز أمن الدولة. وعلى الطرف المقابل لهذا الفرع الأمني تم تشييد مبنى ضخم عرف باسم "بناية المخابرات"، تحول خلال "معركة دمشق الأولى" عام 2012 إلى مركز مراقبة وانتشار للقناصين وظل الوضع مستمراً لسنوات والغاية منه كانت حماية مركز أمن الدولة.

أما قصر الشعب، فلم يكن اختيار موقعه اعتباطي، حيث تم تشييده في تلة عالية في منطقة المهاجرين، ليبدو كما لو أن "الأب القائد" يراقب المدينة من فوق، بعيداً عن الناس، وبصورة تجعل الوصول إليه شبه مستحيل، كان ذلك جزءاً من هندسة رمزية للسلطة، حيث يصبح الموقع نفسه رسالة سياسية.

ولم يكتفِ النظام بتحويل دمشق إلى شبكة مراقبة عمرانية، بل أحاطها بطبقة من الرموز البصرية التي تكرس حضوره. تماثيل الأب والابن، اللوحات الضخمة لحافظ أو بشار الأسد، وأسماء الصروح العمرانية التي حملت لقب "الأسد" مثل "مكتبة الأسد، ضاحية الأسد"، كلها عناصر صممت لتقول إن سوريا ككل ملك لـ "آل الأسد".

أما الحدائق العامة والتي تعد عنصراً أساسياً في أي مدينة للاستجمام، وتحسين البيئة، وتعزيز الروابط الاجتماعية، أصبحت شبه غائبة في دمشق. ففي مدن كبرى مثل لندن، تم تخصيص جزء من حديقة عامة ذات مساحة كبيرة وهي "هايد بارك" لتكون فضاءً عاماً للنقاش والتجمع بحسب المهندس عبد الحميد، أما في دمشق فقد تقلصت الحدائق لصالح مبانٍ حكومية أو مواقف سيارات، وذلك بهدف تقليص مساحات وحدائق تفاعلية والتي عادة يجب ألا تقل نسبتها عن 27 في المئة من المخطط التنظيمي.

هذا التصميم العمراني الذي اعتمده النظام المخلوع جاء على حساب انعدام الفراغات والمساحات الخضراء، وغياب الحق المجتمعي في اتخاذ القرار، ليتبقى عدد محدود من الحدائق مثل حديثة تشرين أو السبكي، وفي هذا الصدد تقول محدّثتنا نور: "تدمير غوطة دمشق والتي هي رئة دمشق لم يكن قراراً واحداً مباشر، بل سلسلة طويلة من السياسات التي جعلت المساحات الخضراء آخر ما يؤخذ بالحسبان في التخطيط. النتيجة كانت واضحة: تقلص الحدائق داخل المدينة، واختفاء البساتين، وتحويل الأراضي الزراعية إلى كتل إسمنتية خانقة".

بهذه السياسات، تحولت دمشق من مدينة كانت تتنفس عبر بساتينها إلى مدينة تختنق تحت ثقل الإسمنت مع تقلّص المساحات العامة، وتراجع الحق المجتمعي في الفضاء المشترك، والإبقاء على عدد محدود من الحدائق مثل حديقة تشرين.

بينما يقول محدّثنا عبد الحميد: " حديقة تشرين بالأصل وجدت داخل تجمع الأمني في ساحة الأمويين، مع وضع أسوار للحديقة، بالإضافة لتعمد عدم ضبط السلوكيات المنفلتة داخل الحديقة، مما جعل كثيراً من الناس تفضل عدم الذهاب إليها".

هندسة الخوف في المدارس

لم تكن المدارس السورية بمنأى عن المنطق العمراني الذي حكم دمشق لعقود. فكما شُيدت الأبنية الحكومية لتشبه الثكنات، تم تصميم المدارس بطريقة تجعلها أقرب إلى السجون منها إلى فضاءات تعليمية بحسب المهندس عبد الحميد. مبانٍ إسمنتية ضخمة، بألوان باهتة تميل إلى الرمادي أو البني، ومدخل واحد على الغالب، بما يسهل ضبط الحركة، وممرات طويلة وضيقة تمنع أي تجمعات، وصفوف متراصة تنتهي غالباً بغرفة "الموجّهة أو المديرة" التي تراقب كل ما يجري، حتى النوافذ كانت مزودة بقضبان معدنية سميكة، والساحات واسعة ومكشوفة من الأعلى، بما يجعل مراقبة الطلاب أمراً يسيراً.

هذا التصميم لم يكن اعتباطياً، بل كان جزءاً من سياسة النظام المخلوع في عسكرة العقول وتكريس المراقبة منذ الطفولة.

جغرافيا الامتياز: كيف صنعت سياسات النظام المخلوع الطبقية في دمشق

كرس النظام المخلوع على مدى عقود مركزية دمشق، ما كشف عن لاعدالة مكانية عميقة، جعلت معظم الخدمات والمؤسسات الحيوية تتمركز في قلب العاصمة.

هذا التمركز خلق صراعاً طبقياً غير معلن، تحدده الجغرافيا بقدر ما تحدده الفوارق الاقتصادية. وتقول محدثتنا نور: " ينعم سكان وسط دمشق بخدمات مستقرة وبنية تحتية متراكمة منذ سنوات، تعيش الأطراف واقعاً مختلفاً يقوم على انقطاع الخدمات وضعف المرافق وغياب التخطيط".

هذا التفاوت لم يكن طارئاً، بل نتيجة لسياسات عمرانية ركزت الاستثمار في المركز باعتباره واجهة سياسية، وسمحت للأطراف بالتوسع العشوائي من دون بنى تحتية كافية.

ومع الوقت تشكل شعور طبقي واضح: سكان المركز يعتبرون أنفسهم جزءاً من "دمشق الحقيقية"، في حين يشعر سكان الأطراف بأنهم خارج حدود الامتياز.

ويشير المهندس عبد الحميد إلى مفهوم "20 دقيقة"، أي ضرورة أن يحصل الفرد على خدماته الأساسية ضمن مسافة قصيرة، مؤكداً على أهمية تأمين شبكة طرقات والعمل على تطوير النقل في سوريا.

وهكذا نشأت داخل العاصمة مدينتان: دمشق المخدمة في المركز، ودمشق المهمشة على الأطراف، تفصل بينهما فجوة اجتماعية طبقية تتجاوز الجغرافيا.