icon
التغطية الحية

حين لاحق النظام الموتى.. سيرة الجثامين المخفية في سوريا

2026.08.06 | 15:31 دمشق

آخر تحديث: 2026.08.06 | 15:33 دمشق

1
أسرار المقابر السورية - تلفزيون سوريا
عمر الخطيب – تلفزيون سوريا 
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تعاني آلاف العائلات السورية من فقدان أحبائها دون معرفة مصيرهم، حيث تشير التقارير إلى وجود أكثر من 130 ألف مفقود ومخفي قسريًا، مما يعيق توثيق الانتهاكات والوصول إلى العدالة.
- في حمورية، انهارت بناية على المدنيين، وتحولت إلى مقبرة جماعية، ونُقلت الجثامين إلى جهة مجهولة بعد سيطرة النظام، مما زاد من يأس العائلات.
- في دوما ودير الزور، تعرضت القبور للتخريب والتدمير، مما صعّب على العائلات العثور على أماكن دفن أحبائهم، وزاد من معاناتهم وانتظارهم للعدالة.

تخيل أن ترى جثمان زوجتك أو ابنك للمرة الأخيرة، ثم يختفي أمام عينيك ولا تعرف أين دُفن ولا إن كان له قبر أصلا، فما معنى أن لا تعرف أين دفن أفراد عائلتك؟ وهل بعد هذا الألم ألم، وبعد هذه المعاناة معاناة؟

هذا ما وجد السوريون أنفسهم أمامه في مواجهتهم الطويلة مع نظام الأسد المخلوع وحلفائه من إيران إلى روسيا إلى "حزب الله" اللبناني. 

أين أبناؤنا؟ 

في الحروب يُقتل الناس ثم يدفنون. أما في سوريا، فهناك عائلات لا تعرف حتى اليوم إن كان أحباؤها قد دُفنوا، وأين انتهت جثامينهم.

بعد سقوط نظام الأسد، تنفس ملايين السوريين الصعداء، لكن تلك اللحظة لم تكن نهاية الحكاية بالنسبة إلى آلاف العائلات. فبينما احتفل كثيرون بزوال نظام حكم استمر لعقود، بقيت أمهات وآباء وزوجات وأبناء يحملون السؤال ذاته الذي لم يجدوا له جوابا حتى اليوم: أين أبناؤنا؟ وأين رفات من نحب؟

تشير تقديرات أممية وتقارير حقوقية إلى وجود أكثر من 130 ألف مفقود ومخفي قسريا في سوريا. لكن المأساة لا تقتصر على من اختفوا وهم أحياء، بل تمتد أيضا إلى جثامين قيل إنها نُقلت، أو اختفت، أو تعذر على ذويها معرفة أماكن دفنها.

من مدينة إلى أخرى، تختلف التفاصيل، لكن النتيجة تبدو واحدة.. عائلات تبحث عن قبر كما تبحث عن الحقيقة. وفي هذا السياق، يصف مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، عمليات إخفاء جثامين الضحايا بأنها تمثل شكلا من أشكال "الإخفاء القسري للجثة"، موضحا أن إخفاء مصير الجثمان أو مكان دفنه يحرم العائلات من حقها في معرفة الحقيقة ودفن أحبابها، ويعيق توثيق الانتهاكات ويحول دون الوصول إلى العدالة. 

حمورية... حين لم يترك الموت أصحابه 

من أكثر القصص إيلاما تلك التي شهدتها مدينة حمورية في الغوطة الشرقية، هناك، ومع اشتداد الحملة العسكرية على الغوطة، اضطر مئات المدنيين إلى الاحتماء في الأقبية والأنفاق هربا من القصف المتواصل.

ويستعيد الصحفي عبد المعين حمص، الذي وثق تلك الأيام، مشهدا ما يزال يطارده حتى اليوم؛ نحو 70 مدنيا تجمعوا داخل قبو أحد الأبنية، يتحلقون حول شيخ ويرددون معه بصوت واحد: "يا لطيف.. يا لطيف".

لكن القصف لم يترك لهم فرصة للنجاة، إذ انهارت البناية فوق رؤوسهم، وتحول القبو إلى مقبرة جماعية. وبعد سيطرة قوات النظام على المدينة، بدأت مرحلة أخرى من المأساة.

بحسب شهادات الأهالي، استُخرجت الجثامين من تحت الأنقاض ونُقلت إلى جهة مجهولة، وعندما حاول ذوو الضحايا معرفة مصير أحبائهم، أُبلغوا بأن الجثامين نقلت إلى مخفر كفر بطنا ومستشفى المواساة، لكن المخفر نفى استلام أي جثامين، في حين أكد الأهالي أنهم لم يحصلوا على أي معلومات في المستشفى بل تم طردهم وتهديدهم. وبقيت عائلات كاملة لا تعرف حتى اليوم مصير جثامين أبنائها.

ويستعرض التحقيق صور أقمار صناعية وشهادات شهود عيان لتتبع ما جرى في موقع المبنى بعد القصف، في محاولة لإعادة بناء تسلسل الأحداث. 

دوما.. شهادات عن قبور تغيرت ملامحها 

في مدينة دوما، يتناول التحقيق شهادات لسكان محليين أفادوا بوقوع عمليات نبش لبعض القبور واستخراج رفات من مقبرة السنديانة بعد سيطرة قوات النظام على المدينة.

وجاء ذلك عقب هجوم شنه النظام بالأسلحة الكيميائية استهدف المدينة في 7 من نيسان/أبريل 2018 وترافق مع محاصرة الأماكن التي سقطت العبوات وبحسب تقرير لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية صدر في تموز 2018، دمر النظام اثنتين من أسطوانات الغاز السام، التي استخدمت في أثناء الهجوم الكيماوي.

ويعرض التحقيق شهادات عن عمليات نبش القبور وأخذ جثامبن منها إلى جهة مجهولة، إلى جانب صور من الأقمار الصناعية تظهر عمليات حفر والبحث في السنديانة وغيرها من المواقع داخل المدينة. 

دير الزور.. قبور فقدت أسماءها 

في دير الزور، تختلف القصة، لكن الألم لا يختلف، فخلال سنوات الحرب، اضطر الأهالي إلى دفن ضحايا القصف في الحدائق العامة بعدما تعذر الوصول إلى المقبرة الرئيسية بسبب قربها من أماكن تمركز قوات النظام.

واحتفظ كثير من الأهالي بصور ومقاطع فيديو التقطوها لحظة الدفن، ليس للذكرى، بل خوفا من أن يأتي يوم تختفي فيه معالم تلك القبور.

وفعلاً بعد سيطرة قوات النظام على المدينة، يقول الأهالي إن عددا من تلك المواقع تعرض للتخريب، وإن شواهد القبور أزيلت أو ديست بالآليات العسكرية، ما جعل العثور على أماكن دفن الضحايا مهمة شديدة الصعوبة. 

ذاكرة تنتظر العدالة 

في سوريا لم يعد السؤال يقتصر على عدد الذين قتلوا، بل أصبح أيضاً: كم منهم بقي له قبر.. وكم منهم ما زال مفقوداً حتى بعد موته؟

قد يكون النظام قد سقط، لكن هذا الملف ما زال مفتوحا، وما تزال آلاف العائلات السورية تنتظر معرفة مصير أحبائها، والطريق لإعادة رفات كل مفقود إلى ذويه ما يزال طويلا على ما يبدو، وسط عشرات آلاف الأسر التي ما زالت، رغم سقوط الطاغية، تبحث عن قبر تزوره أوجاعها.