icon
التغطية الحية

حين تضيق رئتا دمشق.. ماذا لو صار مطار المزة حديقة وطنية للسوريين؟

2026.09.04 | 07:14 دمشق

آخر تحديث: 2026.09.04 | 07:15 دمشق

مزة بارك
صورة متخيلة لـ"مطار مزة العسكري" بعد تحويله إلى "حديقة وطنية" (Ai)
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- دمشق والغوطة: كانت الغوطة تُعتبر "رئة دمشق"، حيث وفرت التوازن الطبيعي للمدينة، لكن التوسع العمراني والحرب أثرا سلباً على هذا الإرث، مما أدى إلى تدهور نوعية الحياة وارتفاع درجات الحرارة.

- مطار المزة العسكري: هناك نقاش حول تحويله إلى مطار مدني أو حديقة وطنية، مستلهمين تجربة تركيا في تحويل مطار أتاتورك، مما قد يعيد للمكان قيمة اجتماعية وبيئية ويغير ذاكرته السلبية.

- التخطيط العمراني: تحويل مطار المزة إلى حديقة يعزز جودة الحياة ويخلق فرصاً للاستثمار المستدام، مما يتطلب دراسة جادة للعائد الاقتصادي والاجتماعي، ويعيد لدمشق هويتها الطبيعية.

من جبل قاسيون كان معنى دمشق يُرى قبل أن يُشرح، مدينة تتكئ على الجبل وتطوّقها المساحات الخضراء من الشرق والغرب، في حين تمتد البساتين على ضفاف بردى، كأنّ الطبيعة نسجت حول العاصمة نظاماً للتبريد والحماية قبل أن تعرف المدن الحديثة -بقرون- مصطلحات الاستدامة والتخطيط الحضري.

كانت الغوطة، بشقيها الشرقي والغربي، جزءاً من هوية دمشق بقدر ما كانت مورداً للغذاء والماء والهواء ومكاناً للنزهة.

حتى إنّ الأمم المتحدة وصفت الغوطة الشرقية بأنها كانت تُعد "رئة دمشق"، قبل أن يتآكل جزء كبير من هذا الإرث تحت ضغط التوسع العمراني، ثم تأتي سنوات الحرب بما حملته من دمار وتجريف وحرائق وتراجع في النشاط الزراعي.

وتشير دراسات حديثة إلى انحسار واضح في الغطاء النباتي للغوطة، على امتداد العقود الماضية، في وقت تربط فيه أبحاث بيئية بين تقلص المساحات الخضراء وارتفاع درجات الحرارة وتدهور نوعية الهواء داخل المدن.

لهذا يبدو النقاش الدائر اليوم حول مستقبل "مطار المزة العسكري" أكبر من مجرّد نقاش بشأن منشأة جوية لطيران مدني خاص، ففي أحد جوانبه، هو سؤال عن شكل دمشق، التي يريد السوريون أن يعيشوا فيها بعد الحرب: أين تنتهي حاجة الاستثمار، وأين تبدأ حاجة المدينة إلى أماكن لا تُقاس قيمتها بعدد الشقق المباعة أو بحجم الإيرادات السنوية؟

حين تتسارع الاستثمارات.. ماذا يبقى للناس؟

نعم، تدخل سوريا مرحلة تحتاج فيها إلى رأس المال وفرص العمل وإصلاح بنية تحتية أنهكتها سنوات طويلة من الحرب والعزلة، ومن الطبيعي أن تتصدر الاستثمارات وإعادة الإعمار أولويات المرحلة.

ومنذ إسقاط نظام المخلوع، في 8 من كانون الأوّل 2024، توالت إعلانات عن مشاريع بمليارات الدولارات، من "دمشق الجديدة" ومشاريع سكنية في ريف العاصمة، إلى تطوير مطار دمشق الدولي، فضلاً عن بوليفاردات ومجمعات سكنية وتجارية في دمشق وعدد من المحافظات.

وبعض هذه المشاريع يتضمن بالفعل حدائق ومساحات خضراء، وهو ما يجعل الصورة أكثر تعقيداً من اختزالها في تمدّد إسمنتي متواصل.

مع ذلك، يبقى السؤال حاضراً: ما الذي يحصل عليه السوري من هذه المرحلة بوصفه ساكناً ومستخدماً للمدينة، وليس مشترياً لشقة أو مستثمراً أو زائراً لمنشأة تجارية؟

ويكتسب هذا السؤال وزناً أكبر في بلد ما يزال ملف السكن فيه من أثقل تركات الحرب، وما تزال مخيمات النزوح فيه قائمة، في حين تشكّل المنازل المدمرة ونقص الخدمات اثنين من أبرز عوائق العودة المستدامة، ووفق بيانات أممية، ما يزال أكثر من مليون نازح يعيشون في مواقع ومخيمات للنزوح داخل سوريا.

"مطار المزة العسكري"

أمام هذه الوقائع والظروف، جاء مشروع تطوير "مطار المزة العسكري"، حيث أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني أنها تعمل على خطط لإعادة تصنيف مطار المزة من منشأة عسكرية إلى مطار مدني محدود، متخصص بالطيران الخاص والتنفيذي، ليعمل مكملاً لمطار دمشق الدولي.

وتحدّثت الهيئة عن أعمال أولية تشمل إزالة الركام وتجهيزات مرتبطة بالملاحة الجوية، بالتوازي مع استكمال دراسات فنية وتشغيلية وبيئية وتنظيمية تأخذ في الاعتبار العمران المحيط والضوضاء وحجم الحركة الجوية والجوانب القانونية والمجتمعية.

وكون المشروع ما يزال في مرحلة الدراسات، فإنّ النقاش حول مستقبل الموقع يمنح أهمية إضافية، فالقرار الذي اتُخذ بشأن أرض بهذا الحجم والموقع لن يخص قطاع الطيران وحده، بل سيترك أثره في العاصمة دمشق ومدينتي داريا والمعضمية والمناطق المحيطة لعقود قادمة.

مطار ثانٍ أم خدمة يمكن استيعابها؟

عودة المستثمرين والشركات والوفود إلى سوريا ستخلق -بطبيعة الحال- طلباً على الطيران الخاص والخدمات المخصصة لرجال الأعمال، وتوفير هذه الخدمات جزء من إعادة وصل الاقتصاد السوري بالعالم، لكن السؤال يتعلق بالطريقة الأنسب لتوفيرها في المرحلة الراهنة.

فمطار دمشق الدولي نفسه يدخل مشروع تطوير تقدر قيمته بأربعة مليارات دولار، ويستهدف رفع طاقته في مراحله النهائية إلى نحو 31 مليون مسافر سنوياً، كما يتضمن التصور المعلن للمطار صالات لكبار الشخصيات والطيران الخاص، وقد شهد في آب الفائت، افتتاح صالة جديدة للضيافة ودرجة رجال الأعمال.

وهذا يضع خيارين قابلين للمقارنة أمام صانع القرار: تطوير منظومة متكاملة للطيران التنفيذي داخل مطار دمشق، الذي يعاد تأهيله وتوسيعه أصلاً، أو تشغيل مطار إضافي لهذه الوظيفة في المزة.

وحتّى الآن، لم يتضمن الإعلان الخاص بمطار المزة أرقاماً منشورة عن حجم سوق الطيران التنفيذي المتوقع، أو عدد الرحلات التي تجعل تشغيل منشأة مستقلة الخيار الأكثر جدوى.

والتجارب المشابهة لا تقدّم وصفة واحدة، ففي لبنان المجاور مثلاً تعمل الطائرات الخاصة من خلال منطقة للطيران العام داخل مطار بيروت الدولي، مع مرافق ومداخل وخدمات مستقلة نسبياً، بينما تمتلك إمارة أبو ظبي مطار البطين التنفيذي المخصص لهذا النوع من الطيران، في سوق تُعد من أبرز مراكز الأعمال والطيران في المنطقة.

الفارق تصنعه في النهاية أرقام الطلب والكلفة والموقع والأثر العمراني والبدائل المتاحة، لكن ماذا لو خرجنا للحظة من حسابات المدارج والرحلات ورسوم الهبوط، ونظرنا إلى الأرض نفسها؟ ماذا لو لم يكن السؤال فقط: كيف يمكن إعادة تشغيل مطار المزة.. إنّما ما هو أفضل شيء يمكن أن تفعله العاصمة دمشق بهذه المساحة؟

من مدرج مغلق إلى "سنترال بارك" للسوريين؟

ماذا لو تحوّل مطار المزة إلى حديقة وطنية كبرى.. نعم الفكرة ليست خيالاً عمرانياً، فقد حوّلت تركيا جزءاً واسعاً من أرض "مطار أتاتورك" في إسطنبول إلى "حديقة وطنية" افتتحت بصورتها الواسعة عام 2025، وتضم مساحة خضراء تقدّر بنحو 1.2 مليون متر مربع، وعشرات الآلاف من الأشجار، ومسارات للمشي والدراجات، وملاعب ومرافق ثقافية ومناطق مهيأة أيضاً للاستخدام في حالات الكوارث.

تكمن أهمية التجربة في أنها لا تفترض تشابه دمشق وإسطنبول، ولا تدعو إلى استنساخ نموذج جاهز، بقدر ما تطرح منظوراً مختلفاً لمصير أرض مطار قديم: اعتبارها رصيداً عاماً للمدينة يمكن أن ينتج قيمة بيئية واجتماعية وعمرانية طويلة الأمد، لا مجرّد عقار يبحث عن وظيفة اقتصادية جديدة.

تخيّلوا لو أنّ مطار المزة العسكري، بكل ما يحمله من ذاكرة مثقلة بالاعتقال والتعذيب والانتهاكات، انتقل في الوجدان السوري من مطار عسكري وسجن قضى فيه سوريون تحت التعذيب، إلى ما يشبه "سنترال بارك" للسوريين: مساحة مفتوحة يدخلها الجميع، لا يُسأل فيها أحد عن بطاقة كبار الشخصيات، ولا عن قدرته على شراء شقة أو دفع ثمن تذكرة.

يمكن أن يبقى المدرج نفسه شاهداً على تاريخ الموقع ويتحوّل إلى ممشى طويل، تحيط به الأشجار ومسارات الجري والدراجات والملاعب المجانية وساحات الأطفال ومناطق النزهات والمرافق الثقافية.

ويمكن للمكان أن يحتضن مشتلاً كبيراً لإنتاج الأشجار المستخدمة في إعادة تشجير دمشق والغوطة، وأن يؤدي وظيفة في خطط الطوارئ والتجمع والإغاثة عند الكوارث، إضافة إلى دوره اليومي كمتنفس لسكان العاصمة وريفها.

وفي مدينة يندر فيها العثور على مساحات واسعة يمكن تخصيصها دفعة واحدة للناس، تصبح الأرض نفسها فرصة يصعب تعويضها إذا فُقدت.

"ذاكرة لا تُمحى بإعادة تأهيل المدرج"

طبعاً، أرض مطار المزة ليست صفحة بيضاء، فقد ارتبط لعقود بإدارة المخابرات الجوية ومراكز احتجاز وثّقت منظمات حقوقية وقوع انتهاكات وتعذيب داخلها، لذلك يحمل الموقع بالنسبة إلى آلاف السوريين معنى يتجاوز الطيران والعمران.

وهنا يدخل أبناء داريا ومعضمية الشام إلى جانب المقيمين فيهما منذ عقود، في صلب النقاش، فالمدينتان الملاصقتان للمطار عاشتا طويلاً تحت تأثير المنشأة العسكرية وما فرضته من قيود على التوسع العمراني والمخططات التنظيمية ومستقبل الأراضي المحيطة بها.

الباحث الحقوقي والمستشار القانوني أسامة أبو زيد -من سكّان داريا والمعتقل السابق في مطار المزة العسكري- يرى أن مستقبل الموقع لا يمكن فصله عن ذاكرته ولا عن أثره على المنطقة المحيطة، فقد اعتُقل خلال سنوات الثورة في المطار وأقبية المخابرات الجوية، لذلك يعتبر أن المكان يحمل بالنسبة إلى معتقليه وأبناء داريا والمعضمية تاريخاً ثقيلاً.

ويطرح "أبو زيد" أسئلة عن سبب اختيار المطار تحديداً، والدراسات التي استند إليها القرار، والجهات التي جرت استشارتها قبل تحديد مستقبله، ويمتد موقف "أبو زيد" إلى البعد العمراني، إذ يشير إلى أنّ وجود المطار فرض لعقود قيوداً على توسّع داريا ومعضمية الشام ومخططاتهما التنظيمية ومستقبل الأراضي المحيطة.

ويدعو إلى إشراك أصحاب الأراضي والجوار والفعاليات المحلية والخبراء في أي قرار يتعلق بالمنطقة، مؤكداً أن المطلوب ليس امتيازات لداريا، وإنما أن يُسمع صوت أهلها في قرار سيترك أثره لعقود، ضمن رؤية لإعادة الإعمار تشمل العدالة التنموية واحترام الملكية ومشاركة المجتمعات المحلية.

أمّا الصحفي تمام أبو الخير، وهو من أبناء داريا، فركّز على جانب أكثر مباشرة يتعلق بالتخطيط، متسائلاً عن أثر استمرار المطار على التنظيم العمراني والاستثمار في المدينة، وخصوصاً في منطقة الخليج، وعن موقع رأي أهالي داريا والمعضمية في قرار يمس مستقبل الأراضي والمشاريع المحيطة.

هذه الأسئلة لا تتطلب اتخاذ موقف مسبق مع المشروع أو ضده، فوجود مطار عامل يفرض بطبيعته اعتبارات تتعلق بالضجيج ومسارات الطائرات وارتفاعات الأبنية واستخدامات الأراضي، وبالتالي فإنّ مستقبل داريا والمعضمية ليس تفصيلاً جانبياً في دراسة مستقبل الموقع.

وإذا اختير خيار الحديقة يوماً، يمكن لذاكرة المكان أن تكون جزءاً منها أيضاً، مساحة تذكارية أو متحف صغير يوثق ما حدث في المطار يمكن أن يحفظ الذاكرة، ويمنح الموقع في الوقت نفسه وظيفة جديدة: أن يتحول المكان الذي ارتبط بالخوف والمنع إلى فضاء يستطيع السوريون دخوله بحرية.

الغوطتان.. حين تضيق رئتا دمشق

في النهاية، تعود المسألة إلى دمشق وغوطتها، التي كانت تاريخياً أكثر من مجرّد حزام أخضر حول العاصمة، حيث تشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أنها وفّرت -قبل الحرب- نسبة كبيرة من الفاكهة والخضراوات المنتجة في دمشق وريفها، قبل أن تتعرّض لسنوات من الحرب وتراجع المياه والجفاف.

وفي موسم 2024-2025، انخفضت كميات الأمطار بصورة حادة، في حين أطلقت محافظة ريف دمشق لاحقاً، حملات لاستعادة الغطاء النباتي في أجزاء من الغوطة المتضررة.

إلى الغرب، تصبح المسألة أكثر حساسية مع استمرار تمدّد البناء والطرق والكتل السكنية، ومع كل أرض مفتوحة يجري البناء عليها، تصبح إمكانية إنشاء متنفس واسع للعاصمة أندر وأكثر كلفة.

نعم، يمكن للبرج أن يُبنى في مكان آخر، وللمجمّع التجاري أن يتكرّر، ويمكن لخدمات الطيران الخاص أن يُعاد توزيعها إذا أثبتت الدراسات وجود بديل عملي، أمّا الحديقة الكبرى داخل كتلة عمرانية مكتظة، فهي من الأشياء التي يصعب اختراعها بعد خسارة الأرض، التي كان يمكن أن تحتضنها.

والجدل الذي شهدته دمشق سابقاً حول استثمار أجزاء من حديقة الجاحظ أظهر مقدار حساسية السكّان تجاه ما تبقى من مساحات عامة وخضراء، وقد تراجعت المحافظة عن المشروع لاحقاً وبقيت الحديقة مفتوحة، لكن الحادثة كشفت شيئاً أكبر يقول: إنّ الفضاء المجاني في مدينة مكتظة هو جزء من نمط الحياة نفسه.

كم تساوي حديقة في مدينة تختنق؟

قد تنتهي الدراسات الخاصة بـ"مطار المزة العسكري" إلى أنّ تشغيله للطيران التنفيذي حاجة اقتصادية حقيقية، وقد تظهر أرقام للطلب والكلفة تجعل هذا الخيار مقنعاً، وحينها تستحق هذه الأرقام أن تُعرض للرأي العام بوضوح.

لكن القيمة الاستراتيجية للأرض تبرر أيضاً إخضاع خيار "الحديقة الوطنية" لدراسة جادة بالمعايير نفسها، ليس فقط من زاوية البيئة، إنّما من زاوية العائد العمراني والاستثماري أيضاً:

  • كم شجرة تستطيع المساحة أن تستوعب؟
  • كم شخصاً يمكن أن يستخدمها كل يوم؟
  • ما أثرها في درجات الحرارة ونوعية الهواء والصحة العامة؟
  • كيف يمكن أن تنعكس على القيمة العقارية والعمرانية للمزة وداريا والمعضمية؟
  • ما حجم الاستثمارات التي يمكن أن تنشأ حولها من مقاهٍ ومطاعم ومرافق رياضية وثقافية وخدمات سياحية وترفيهية، من دون أن تفقد الحديقة طابعها العام والمجاني؟
  • وهل يمكن أن تستقطب مشاريع مستدامة ومشاتل ومراكز ثقافية ومساحات للفعاليات، وتخلق فرص عمل، وتصبح في الوقت نفسه نقطة انطلاق لمشروع أكبر يعيد شيئاً من الحزام الأخضر الذي أحاط بدمشق؟

بهذا الشكل، يصبح السؤال أقل ثنائية بين "الاستثمار" و"الحديقة"، وأكثر عن نوع الاستثمار نفسه: هل يكون العائد محصوراً في حركة الطائرات، أم موزّعاً على المدينة وسكانها والاقتصاد المحيط بها؟

هذه حسابات اقتصادية-استثمارية أيضاً، حتّى إن لم تظهر مباشرة في شبّاك رسوم الهبوط، فالمدينة تربح حين تتحسن صحة سكانها وقدرتهم على المشي والرياضة والتنفس، وحين ترتفع القيمة العمرانية والعقارية للأحياء القريبة من المساحات الخضراء، وحين تمتلك أرضاً واسعة يمكن توظيفها في حالات الطوارئ والفعاليات العامة، وحين يستطيع الناس الاستفادة من مدينتهم والعيش فيها من دون أن يتحول كل فضاء فيها إلى خدمة مدفوعة أو فرصة تجارية مغلقة.

ومن هنا يعود النقاش إلى نقطة البداية: الغوطة التي أحاطت دمشق يوماً من الشرق والغرب، وشكّلت جزءاً من هوائها وغذائها وهويتها، فبعد ما خسرته الغوطتين من غطاء أخضر، ومع ما يلتهمه التوسّع العمراني من هوامش دمشق الغربية، تزداد قيمة كل مساحة واسعة ما يزال بالإمكان أن تُعاد إلى المدينة بوصفها متنفساً عاماً.

لذلك، قد تكون أرض مطار المزة فعلاً واحدة من الفرص القليلة المتبقية لمنح العاصمة دمشق شيئاً مما فقدته، وإعادة رسم علاقتها بالمساحات الخضراء والهواء والفضاء العام.

مزة بارك
صورة متخيلة لـ مطار مزة العسكري بعد تحويله إلى "حديقة وطنية" (Ai)

طبعاً، قد تعود الطائرات إلى المدرج إذا أثبتت الدراسات أن تشغيله كـ"مطار مدني مخصص للطيران الخاص ورجال الأعمال" هو الخيار الأكثر جدوى، لكن من حق دمشق أيضاً أن تدرس احتمالاً آخر بالجدية نفسها: أن يتحوّل مكان ظل لعقود عسكرياً ومغلقاً ومثقلاً بذاكرة السجن إلى مساحة مفتوحة للناس.

ففي مدينة تضيق رئتاها عاماً بعد عام، قد تكون القيمة الأبعد أثراً لهذه الأرض في ألا تعود مجرد مدرج للطائرات، بل أن تصبح رئة جديدة لدمشق: فضاءً مفتوحاً للسماء والناس، وواحدة من تلك المساحات النادرة، التي يُمكن تركها للأجيال القادمة.