حين تشوه البلاغة صورة الحقيقة

تاريخ النشر: 27.11.2019 | 15:27 دمشق

آخر تحديث: 27.11.2019 | 23:01 دمشق

نبّهت وكالة الأنباء الألمانية محرريها قبل أيام إلى ضرورة عدم استخدام تعابير "تراجيديا" و"دراما" في تغطياتها لجرائم العنف ضمن الأسرة والمجتمع عموماً، إلا في حال استخدامها من قبل السلطات نفسها!

وبحسب الصحفي سليمان عبدالله المتخصص بالشؤون الألمانية الذي تابع القصة، فإن الوكالة بررت هذا التعديل في أسلوبها التحريري بالقول إن تعابير مثل "دراما" و"تراجيديا" تخفي أو تقلل من سوء العنف المميت المتعمد الذي يستهدف الفئات الضعيفة في المجتمع كالنساء والأطفال! وكذلك فإنها تجعل من جرائم القتل حوادث قدرية حتمية تبدو الفوارق فيها بين دور الضحية ودور الجاني غير واضحة! وهي توحي أيضاً بإمكانية تحمل الضحية جزءاً من المسؤولية في وقوع الجريمة، كما يصبح الجاني ضحية علاقة مدمرة!

القصة هنا وبحسب السياق الذي وضعتها الوكالة فيه، تبدو نتيجة لتحليل سوسيولوجي يربط بين الفن وسياقه اللغوي وبين الإعلام وبين المجتمع! وهي تذكر بالتمييز بين وظائف اللغة الذي عمل عليه ذات يوم العالم اللغوي اللساني رومان جاكبسون حيث يساهم هذا التمييز في توضيح الفروق بين سياقات الكتابة التي يظن كثيرون أنها متشابهة، ويجعل (الوظيفة) معياراً لاغنى عنه لدراسة قوة التأثير والقدرة على الوصول الأفضل أو الصحيح للمتلقي!

وكتتمة افتراضية لعمل جاكبسون فإنه من الطبيعي أن تُميز كُتبُ الأسلوب التي تصنعها المؤسسات الصحفية لإرشاد صحفييها إلى طريقة عملها التحريرية بين لغة الأخبار وبين لغة المقالات والزوايا، وأن تلفت نصائح الخبراء انتباه المحررين وكذلك مديري المفاصل الأساسية في المؤسسة بألا ينساقوا لإغواء البلاغة في صياغاتهم الخبرية، وتجنب الفذلكة اللغوية في كل منتجاتهم التي يجب أن تستهدف الجمهور باتجاه خط مستقيم، فتنطلق كالسهم إلى عقول القراء والمستمعين والمشاهدين.

فإذا كانت وكالة الصحافة الألمانية قد ربطت تنبيهها المشار إليه أعلاه بجرائم جنائية في السياق المجتمعي، فما هو الحال بنا ونحن نلاحظ ونراقب الانزياحات اللغوية الكارثية، في اللغة الإخبارية التي يجب أن تنشر أخبار المذابح والجرائم التي تتعرض

البلاغة مغوية حقاً، وما أسهل أن يجد الصحفي نفسه غارقاً في حذلقاتها، دون معرفة ودراية بعلومها (البيان والبديع والمعاني)

لها شعوب ثارت على مستبديها، وتتعرض بشكل مكثف لحملات إخبارية وإعلامية بشكل عام تسعى لتشويه حراكها، ولإلباسه وجهاً مختلفاً عن حقيقته، يجعله يظهر وكأنه ينتمي لسياق الأفعال الإرهابية، مروراً باتهام الأخبار التي تُظهر حقيقته بالكذب والمبالغة والتلفيق!

البلاغة مغوية حقاً، وما أسهل أن يجد الصحفي نفسه غارقاً في حذلقاتها، دون معرفة ودراية بعلومها (البيان والبديع والمعاني)، التي تضع أصولاً وقواعد للكتابة عموماً، وفي الكتابة الصحفية خصوصاً، والتي يجب أن تقتصر على أنواعٍ صحفية محددة، كالمقال، والزاوية، حيث يُترك الأمر لدراية ومعرفة وقبل ذلك موهبة كتّابها، وقدرتهم على جعلها موظفة في سياق الخطاب الذي يريدونه.

فمن أبرز ما يقع به صحفيو المشهد الإعلامي السوري الراهن، هو انسياقهم بحسن نية في عملهم الإخباري إلى عدم تدقيق التشابيه والمجازات التي يوردونها، فيذهبون إلى تسمية جرائم الحرب المرتكبة من قبل قوات النظام بعبارات تشوش على المتلقي، فيضطر للتمحيص والبحث ليعرف من ارتكب هذه الجرائم، فحين تمر معنا عبارة "المذابح المرتكبة في سوريا" سنكون مضطرين للبحث عن أي مذابح نتحدث، ولكن

بات على الصحفيين عدم اللجوء إلى عبارات يظنون أنها ترفع من هول وقعها على المتلقي، وتضيف إلى رهبتها في النفوس

حين نقول "المذابح التي ارتكبتها قوات النظام" فإن السياق يصبح أوضح وأكثر دقة، وكذلك فإنه أمسى من الضروري وبعد كل ما جرى على الأرض في سوريا ألا تسند الوقائع لأفعال المبني للمجهول!

لقد بات على الصحفيين عدم اللجوء إلى عبارات يظنون أنها ترفع من هول وقعها على المتلقي، وتضيف إلى رهبتها في النفوس، فهنا ثمة مفارقة يجب أن يتم التوقف عندها دائماً، إذ يحيل الصحفي عقله إلى مساحة يظن أنه يستطيع فيها مد يده والتغيير في معطياتها، وهذه أولى الأخطاء، فيلجؤون لآلات البلاغة في توصيف الحدث ويذهب إلى وضع العنوان اللافت، من خلال البحث عن عبارات مستقاة من سياقات غير إخبارية، كالآداب والفلسفة، وكذلك المسرح والسينما، ومن أمثلة هذه الأفعال عنونة أحد ما لتقرير يتحدث عن وضع المخيمات السورية بالقول: "فاجعة النزوح السوري"، أو قوله "تطور دراماتيكي"، أو أن يذهب أحد فيصف كارثة كبرى بالقول: "القيامة الآن" كما فعلت صحيفة عربية في توصيفها لأحداث 11 من أيلول!!

قد يستسيغ كثيرون هذا الانتحاء الخاص في العمل الصحفي، خاصة مع وجود تجارب مهمة لصحفيين بارزين صنعوا تجربتهم الخاصة بقوة لغتهم، وقدرتهم على التحكم بالقدر الذي استخدموه من أدوات البلاغة، ولكن على المتأثرين بهؤلاء أن يضعوا أساسيات العمل الصحفي أمام أعينهم قبل أن يستغرقوا في تلذذهم بنصوصهم، فـ"البحث عن الحقيقة "وتقديمها للجمهور" كما وقعت"، وليس وفق تأويلنا لوقوعها، هو أكثر ما يحتاجه الجمهور، ليعرف، وليتذكر أيضاً!

النظام يستبدل عناصر حواجزه في غربي درعا ويرسلهم إلى تدمر
بموجب الاتفاق.. قوات النظام تدخل مدينة داعل وتُخلي حاجزاً في درعا البلد
درعا.. ملازم في جيش النظام يهين لؤي العلي رئيس "الأمن العسكري"
فحص جديد في مدارس سوريا بدلاً عن الـ PCR يظهر النتيجة بربع ساعة
4 وفيات و1167 إصابة جديدة بكورونا شمال غربي سوريا
صحة النظام: تفشي كورونا شغل أسرة العناية المركزة في دمشق واللاذقية بنسبة 100%