حول هويّة الأدب وإشكاليّة اللغة

حول هويّة الأدب وإشكاليّة اللغة

الصورة
10 تموز 2019

هوشنك أوسي

شاعر وكاتب وصحافي كردي سوري

كما هو الحال في العلوم التطبيقيّة، على صعيد التطوّر والاكتشافات، كذلك الحال في العلوم الإنسانيّة والآداب والفنون والنظريات والتقييمات النقديّة. فحركة الإبداع دأبها اجتراح أسئلة جديدة تحفّز الوعي النقدي، عبر تقديم نصوص جديدة؛ شكلاً ومضموناً، ليس فقط في سياق التجريب وابتكار أنساق جديدة للنصوص، والمزاوجة أو التطعيم بين الأجناس الأدبيّة وحسب، بل على صعيد تنسيب النص إلى اللغة المكتوبة بها أيضاً. في غضون هذا، لو قرأنا قصيدةً أو قصّة أو رواية مكتوبة بالدارجة الجزائريّة أو المغربيّة، ونحن نعرف نسبة المفردات الفرنسيّة الموجودة في هاتين اللهجتين، فهل يمكن أن ننسب المنتوج إلى الأدب العربي أم الفرنسي؟

مناسبة هذا التساؤل أو الاستهلال والتوطئة هو الحديث عن هويّة الأدب؛ هل تنسبُ للغة؟ أم لمضمون وماهيّة الأدب؟ أم للاثنين معاً؟! ذلك أن الكثير من أكرادنا الأفاضل، بخاصّة منهم الحريصون على اللغة الكرديّة والأدب الكردي المكتوب بها، يعتبون أيَّما عتب، على الكرد الذين يكتبون أدباً بلغة أخرى؛ عربيّة، تركيّة، فارسيّة، إنكليزيّة، ألمانيّة أو فرنسيّة...الخ، وأحياناً يعيبون عليهم ذلك، على أنهم هجروا لغتهم الأمّ إلى لغات الآخرين، بهدف نيل الرضا والحظوة من شعوب اللغات الأخرى، وأن هؤلاء الكرد الذين يكتبون بلغة غير لغتهم الأمّ، مهما كان نتاجهم وأدبهم يعالج ويطرح الهموم الكرديّة والبيئة الكرديّة، فإن أدبهم ينتمي إلى آداب الآخرين ولا ينتمي إلى الأدب الكردي، لانتفاء عامل اللغة.

بصراحة، لا أميل إلى الطرح الذي يحصر هويّة الأدب القوميّة باللغة الأم المكتوب به. ذلك أن اللغة وعاء ووسيلة نقل الأفكار والمشاعر والأحاسيس والمواقف

على وجاهة هذا الطرح في فرز الأدب الكردي المكتوب باللغة الكرديّة عن الأدب الذي يكتبوه الكرد بلغات الآخرين، باعتبار أن الأدب ذو خاصيّة لغويّة، لكن مع ذلك، يمكن طرح التساؤلات التالية أيضاً: هل ينبغي نسب أدب أميركا اللاتينية المكتوب بالإسبانية والبرتغالية، إلى الأدب الإسباني والبرتغالي، وعدم نسبه إلى آداب بلدان أميركا الجنوبيّة؟ كذلك أدب أميركا المكتوب بالإنكليزيّة، هل ينبغي نسبه إلى الأدب الانكليزي، وأنه لا يوجد أدب أميركي أصلاً، وكل ما يكتب بالإنكليزيّة في أميركا، الهند، باكستان، جنوب أفريقيا...الخ، هو أدب إنكليزي؟ وأيضاً الأدب الكندي، القسم المكتوب منه بالإنكليزيّة، هل يجب نسبه للأدب الإنكليزي، والقسم المكتوب بالفرنسيّة، يجب نسبه للأدب الفرنسي؟ ينسحب الأمر على الأدب البلجيكي الذي يُكتب بالهولنديّة (إقليم فلاندرز) والمكتوب بالفرنسيّة (إقليم والونيا) هل ينبغي توزيع هذا الأدب على فرنسا وهولندا؟ وكذا الحال في الأدب الذي يكتبه السويسريون، الموزّع على ثلاث لغات؛ الألمانيّة، الفرنسيّة والإيطاليّة؟ كذلك الأدب الأوكراني، وأدب شعوب القوقاز، وآسيا الوسطى، المكتوب بالروسيّة، هل ينبغي نسبه إلى الأدب الروسي؟

بصراحة، لا أميل إلى الطرح الذي يحصر هويّة الأدب القوميّة باللغة الأم المكتوب به. ذلك أن اللغة وعاء ووسيلة نقل الأفكار والمشاعر والأحاسيس والمواقف...، من شخص لآخر. وأعتبرُ اللغة العربيّة، هي بمثابة لغة أمّ ثانية. وأيّة لغة يتقنها المرء، قراءةً وكتابةً وتعبيراً عن الفكر والمشاعر، هي أيضاً لغة أمّ. ذكرت ذلك أوّل مرّة قبل سنوات، معتبراً اللغة العربيّة لغة أمّ ثانيّة بالنسبة لي، ردّاً على مطالبة كاتب وصحافي سوري (معارض) طالب الكرد بالتوقّف عن الكتابة باللغة العربيّة، طالما "أن الكرد يكرهون العرب" حسب زعمه طبعاً.

اعتباري اللغة العربيّة لغة أمّ ثانية بالنسبة لي، جرّ عليّ سخط واستهجان وسخرية بعض أكرادنا، بخاصّة منهم ممن يشتغلون في حقل الثقافة والأدب، بل يكتبون باللغة العربيّة أيضاً! ولأنني من الكرد الذين يكتبون بلغتين؛ العربيّة والكرديّة، وأمثالي كُثر طبعاً، أجدُ أن ما أكتبهُ ينتمي إلى الأدب الكردستاني، استناداً إلى الواقع الكردستاني الشديد التنوّع والثراء والغنى من جهة، وأن الكرد كتبوا بلغات الأنظمة التي اضطهدتهم أيضاً، وأبدعوا في تلك اللغات، من جهة ثانية. كذلك أعتبر ما يكتبه الكرد بأيّة لغة كانت، طالما الهاجس والموضوع والهدف كردي وإنساني، ينتمي إلى الأدب الكردستاني والمكتبة الكردستانيّة، حتى ولو كانت بنسبة خمسين بالمئة.

وربما يقول قائل: وماذا لو كتب كاتب عربي باللغة العربيّة عن الواقع الكردي أدباً، بمنتهى الدقّة والتفصيل والشغف الذي يكتبه كاتب كردي، ألا يعتبر ذلك أيضاً أدباً كرديّاً؟ والجواب ببساطة؛ نعم. حتى لو كتبَ بعين وذهن وروحيّة المستكرد (على وزن المستشرق، أو المستعرب). وهنا، لا أتحدّث عن الانتماء الجيني أو العرقي للحالة والبيئة الكرديّة. وفي هذا الإطار، أعتبر كل ما غنّاه غرابيت خاتشو وآرام تيغران (فنانان أرمنيان راحلان، غنيّا باللغة الكرديّة) وكل الأغاني الكرديّة التي غنّاها الفنان إبراهيم كيفو (اشوري-سرياني) هو جزء أصيل من الغناء الكردستاني والأرمني أيضاً.

رغم أن قرّاء العربيّة من الكرد السوريين، هم أضعاف قرّاء الكرديّة، وكذا الحال في كردستان تركيا، وهذه حقيقة دامغة، لا يمكن أن ينكرها أحد، لأسباب سياسيّة معروفة ليست خافية، إلاّ أن ذلك ليس فقط السبب الوحيد والوجيه الذي يدفع بعض الكتّاب والمبدعين الكرد إلى الكتابة باللغة العربيّة أو التركيّة فقط. والحال أن تنسيب الكردي الذي يكتب بالعربية أو التركية أو الفارسية على أنه كاتب عربي أو تركي أو فارسي، هكذا منطق، ينطوي على نزوع قومي استئصالي داخلي. نعم، هناك كاتب كردي يكتب بالعربية أو بالتركيّة أو أية لغة أخرى. ولا يمكنني بأي حال من الأحوال، نصب محكمة أو محاكمة ليلماز غوني أو سليم بركات، لأنهما كتبا وأبدعا بالتركيّة والعربيّة فنّاً وأدباً حاولا فيهما تسليط الضوء على محنة ومعاناة وتراجيديا الكرد، بشكلٍ أو بآخر.

تنسيب النتاج الأدبي بقرينة اللغة، مسألة إشكاليّة ما تزال مفتوحة على الجدل والنقاش، ولا يمكن إطلاق أحكام قيمة فيها على أدب الكاتب الكردي الذي يُكتب بلغة غير كردية

وكوني أعتبر نفسي كاتباً كرديّاً يكتب بلغتين، ويعتبرهما "لغتيّ أم"، لا أدعو إلى إحياء اللغة الكرديّة، لأنها لغة غير ميّتة أصلاً، حتى أدعو إلى إحيائها. وصفة الكاتب الكردي السوري، تتيح لي هامش أن أكتب بالعربيّة إلى جانب كتابتي بالكرديّة. وأعتقد أن هذه الصفة مناسبة لي. وحين أجيد الكتابة بالهولنديّة أو الفرنسيّة، أو حين أكون مساهماً فعّالاً في الثقافة البلجيكيّة، حتى ولو كان عبر الترجمات والأفكار التي تضيف إلى هذه الثقافة شيئاً جديداً، يحقّ لي أن أصف نفسي بكاتب كردي بلجيكي أو سوري بلجيكي. ليس لأنني صرت أحمل جنسيّة هذا البلد، بل لأنني مساهم في صناعة ثقافة هذا البلد.

تنسيب النتاج الأدبي بقرينة اللغة، مسألة إشكاليّة ما تزال مفتوحة على الجدل والنقاش، ولا يمكن إطلاق أحكام قيمة فيها على أدب الكاتب الكردي الذي يُكتب بلغة غير كردية، وإلاّ لاعتبرنا أدب كولومبيا والأرجنتين إسبانيّاً، وأدب البرازيل برتغاليّاً، وأدب جبران خليل جبران، أدباً إنكليزيّاً - أميركيّاً، وعربيّاً! ولاعتبرنا أدب ملاي جزيزي، خليطاً، تغلب عليه الصبغة الكرديّة، لوجود كميّة لا بأس بها من الأبيات الشعريّة العربيّة والمفردات الفارسية والعربية والتركية أيضاً!

 ثمة خوف وقلق على اللغة الكرديّة. وهذا الخوف والقلق مشروع، يشترك فيه بعض الكرد مع العرب الذين لديهم قلق وخشية على اللغة العربيّة، الأكثر انتشاراً وقدرةً وقوّةً من اللغة الكرديّة. إذ يرى البعض أنه لو استمرّ الكرد في الكتابة اللغة العربيّة، ربما بعد 300 سنة، ستحلّ العربيّة محل اللغة الكرديّة. ولكن الكرد منذ 300 سنة يكتبون بالعربيّة والتركيّة والفارسيّة، ماذا حلّ باللغة الكرديّة؟ لا شيء. بالعكس، تطوّرت اللغة الكرديّة وصارت أفضل من اللغة التي كتب بها أحمدي خاني وملايي جزيري قصائدهم، من حيث القواعد والمفردات والاشتقاقات.

شخصيّاً، لا ينتابني الشعور بالفخر لأنني أكتب بالكرديّة أو العربيّة، لأنني أعتبر ذلك من طبائع الأمور، نتيجة ظروف، لسنا بصددها. واستمراري في الكتابة بالعربيّة والكرديّة، يشعرني بالمتعة. وهذا يكفي لأن استمرّ في الكتابة بهاتين اللغتين. وأميل الى اعتبار الأدب الجميل الممتع الذي يكتبه الكرد بالعربية أو التركية أو الفارسية أو الفرنسية أو الألمانية أو الصينية أو أية لغة، على أنه رافد مهم يغني ويثري ويضيف إلى الثقافة والأدب الكردي الكثير.

 

 

شارك برأيك