حول غارات مطار أبو الظهور.. الأهداف والرسائل

2026.08.31 | 10:22 دمشق

4445
+A
حجم الخط
-A

عمليًا، ومنذ اليوم الأول لسقوط نظام الأسد البائد، وقبيل هجومها الأخير على مطار أبو الظهور، الذي لا يبعد عن الحدود التركية بأكثر من 70 كم، قامت "إسرائيل" بشن مئات الغارات الجوية المترافقة مع توغلات برية، احتلت من خلالها القوات الإسرائيلية مرتفعات وسفوح جبل الشيخ الاستراتيجية، إلى جانب عشرات الكيلومترات من الجنوب السوري المحاذي لمرتفعات الجولان المحتل (المنطقة العازلة).

كما قامت بتجهيز العديد من النقاط الأمنية والتحصينات الهندسية العسكرية، وشقّت الطرق الالتفافية في المنطقة، ناهيك عن أن الغارات الجوية والاعتداءات المتكررة قد دمّرت أكثر من 80% من القدرات الاستراتيجية البرية والبحرية والجوية، ومراكز الأبحاث، ومراكز سيادية للدولة السورية الجديدة، مثل مبنى الأركان، فضلًا عن تنفيذ ضربات في محيط القصر الجمهوري.

أما الحجة الإسرائيلية الجديدة هنا، بعد أن كانت إيران وتموضعاتها هي الذريعة الأهم للاعتداءات قبيل سقوط نظام "الأسد" المجرم، فقد أصبحت الذريعة الآن لهذه الاعتداءات المتكررة على الأراضي السورية، وكما تدّعي "تل أبيب"، هي عدم ثقتها بالنظام السوري الجديد وقياداته، ولا بأصوله وأيديولوجياته الجهادية، ولا بالتقارب الكبير والواسع مع جارته تركيا وتحالفاته الاستراتيجية معها.

مطار أبو الظهور.. الرسائل والأهداف الإسرائيلية

في الواقع، ومنذ اللحظات الأولى لسقوط النظام البائد، فإن الاعتداءات والتصعيد الإسرائيلي العدواني البري والجوي المتكرر على "سوريا"، والذي تجلّى أخيرًا بقصف مطار "أبو الظهور"، وما أرادته "تل أبيب" من رسائل ردعية موجّهة إلى الدولة السورية والحليف التركي، يدل دلالة قطعية، ولا شك فيها، على أن "تل أبيب" تعمل، بل وتسعى جاهدة، لفرض وصياغة معادلة أمنية ردعية ميدانية جديدة، تضمن لها، مع قادم الأيام والأشهر، تحقيق حزمة من الأهداف الاستراتيجية والتكتيكية القريبة والبعيدة، التي ستُبقي الدولة السورية من خلالها دولة ضعيفة وغير مستقرة.

ولعلّي هنا أذكر بعض أهم هذه الأهداف التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها على الساحة السورية:

  • تطويق أي انتشار أو أي نفوذ عسكري ميداني تركي متقدم على الجغرافيا السورية، وخاصة أن حكومة "أنقرة"، في عهد الإدارة الانتقالية الجديدة برئاسة السيد "أحمد الشرع"، تهدف إلى تقوية وتدريب وتسليح الجيش السوري، بما يضمن لها ويمكّنها من تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي لدولة جارة تربط بينهما قواسم ومصالح استراتيجية عديدة، وحدود مشتركة طويلة.

وهذا بالتأكيد ما سينعكس كثيرًا على تحقيق استقرار وسلامة الأراضي التركية، وضمانًا مهمًا لأمنها القومي المضطرب بالقرب من حدودها الجنوبية، ناهيك عن أن "أنقرة" ستكسب عمقًا استراتيجيًا مهمًا وفعالًا سيخلط الأوراق الأمنية للكيان الصهيوني، وهذا كله مجتمعًا ما لا ترغب فيه "إسرائيل" مطلقًا، ولا تطيق أن تراه حقيقة واقعة قد تجبرها مستقبلًا على إعادة الحسابات التي ستعيق وتقيّد حريتها العدوانية على الأراضي السورية إلى حد كبير.

وهذا بالتأكيد ما عبّر عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، عبر تحذيره وتصريحه من أن أي توسع للوجود العسكري التركي في "سوريا" ستعتبره "إسرائيل" بمنزلة خطوة تهدد أمنها القومي، وتخلّ بالتوازن الإقليمي الهش الذي، وحسب وصفه، قد ساد بعد سقوط نظام "الأسد" المجرم، مؤكدًا في الوقت نفسه أن دولته لن تسمح بأي تغيير في المعادلات الأمنية القائمة الآن، أو في قواعد الاشتباك القائمة على حدودها الشمالية، ومشددًا على أن "تل أبيب" تمتلك الأدوات اللازمة والرادعة المختلفة لحماية أمنها ومصالحها الاستراتيجية.

وعليه، ووفقًا لتحليلات المهتمين، فإن الساحة السورية لم تعد مجرد ساحة تنافس بين "إسرائيل" و"تركيا"، بل أصبحت منطقة احتكاك واصطدام محتمل بينهما، وفقًا للتناقض في خطوطهما الحمراء المعلنة والخفية.

  • وضع العقبات، وتشديد القيود الصارمة أمام أي مساعٍ أو تحركات وجهود إقليمية (تركية) ودولية تهدف إلى تشكيل جيش سوري قوي، وخاصة أن "تل أبيب" ترى أن أي جهود لإعادة بناء جيش سوري جديد، بدعم إقليمي أو دولي، ستكون مصدرًا وتهديدًا مباشرًا لكيانها وأمنها القومي، وهذا، "برأيي"، ما سيولد صراعًا استراتيجيًا على مسار ومستقبل الدولة السورية، وشكل ودور التدخلات الإقليمية والحسابات فيها.

  • فرض وإقامة "منطقة عازلة" وأمنية موسعة في جنوبي "سوريا"، اعتبارًا من "مجدل شمس وجبل الشيخ شمالًا، وصولًا إلى حوض اليرموك بريف درعا جنوبًا"، وذلك لتحقيق عدة ميزات وأهداف استراتيجية وعسكرية، يأتي على رأسها منع أي تهديدات حدودية محتملة، وإبعاد أي قوات مسلحة أو أي سلاح ثقيل عن حدود "الجولان والجليل"، وضمان أمن المستوطنات والإسرائيليين.

ناهيك عن تأمين المكاسب الاستخبارية والمراقبة الدائمة للعمق السوري بعد السيطرة المطلقة على المرتفعات الحاكمة في "جبل الشيخ"، والتي ستضمن لها التفوق الاستراتيجي والاستطلاعي الدائم.

  • اللعب على وتر الأقليات، من خلال دعم وتشجيع حالات التمرد على الدولة السورية، والهدف الواضح لها هنا هو تثبيت حالة من عدم الاستقرار الأمني والمجتمعي، عبر محاولات الترويج الكاذب والمشبوه بأنها الحامي لبعض المكونات والأقليات في سوريا، مثل: الدروز، والأكراد، والعلويين.

سوريا ومسألة الدخول في تحالف مكة

لا شك أنني أريد الربط بين اعتداء مطار "أبو الظهور" الأخير، وبين الرغبة الإسرائيلية في الوقوف في وجه مسألة التفكير بانضمام "سوريا" المستقبلي إلى الحلف الدفاعي الجديد، والمعروف باسم "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، والذي، وكما نعلم، يضم تركيا والسعودية وباكستان.

ويأتي هذا الاعتداء الأخير على المطار، برأيي، كرسالة ضاغطة مركبة، بعد تأكيد وزير الخارجية السوري، السيد "أسعد الشيباني"، قبل أيام أن "دمشق" تبحث خيار الانضمام إلى التحالف بجدية، خاصة أن الدوافع التي تأمل "سوريا" تحقيقها من الانضمام إلى حلف "مكة" الدفاعي تتجاوز، بحسب التقديرات، مسألة الحصول فقط على مظلة أمنية وغطاء دفاعي إقليمي يساعدها على حماية البلاد من الضغوط الخارجية والتهديدات الإسرائيلية المستمرة، بل تعتبره "دمشق" خطوة مهمة ستسهم في تسريع جهود إعادة الاستقرار الأمني والمجتمعي وبناء المؤسسات الوطنية في البلاد.

بالمقابل، فإن "إسرائيل" لن تنظر، باعتقادي، بإيجابية إلى احتمالية انضمام "سوريا" إلى هذا الاتفاق، وستقف حتمًا بحزم وتعنّت وغطرسة في وجه هذه الخطوة، والسبب الأهم أن "تل أبيب" تنظر إلى "سوريا" باعتبارها أحد مصادر الخطر القادم والقريب من حدودها الشمالية.

وبالتالي، فهي تعتقد أن تحول "دمشق" إلى دولة أكثر قوة، وتمتلك أسلحة ثقيلة، وتحظى بدعم دولي، وتتمتع بقدرات عسكرية أكبر، لن يكون وضعًا مطمئنًا، أو وضعًا ترغب "إسرائيل" في رؤية فصوله، خصوصًا إذا جاء ذلك في إطار اتفاق دفاعي يضم "تركيا والسعودية وباكستان".

وبالتالي، ستكون الضغوط والرسائل والتهديدات الإسرائيلية لـ"دمشق" موجودة وبشكل أكبر، وبطرق مختلفة، لردعها عن المضي قدمًا في إجراءات الدخول المحتمل في هذا التحالف.

ختامًا

في الواقع، فإن "إسرائيل" تنظر إلى أي وجود عسكري تركي في "سوريا"، وتصنفه على أنه تهديد مباشر وحتمي لحرية حركتها في الأجواء والأراضي السورية، ويطيح بمعادلتها الأمنية التي تريد فرضها في دول الجوار والمحيط الإقليمي.

كما تخشى "تل أبيب" من أن يؤدي التعاون العسكري التركي السوري المتقدم إلى تقييد عملها وغاراتها ضد أهداف إيرانية، أو أهداف محتملة، مما قد يعيد تشكيل توازن الردع الجديد في المنطقة.

أما "دمشق"، فتحاول عمليًا تجنب التحول مجددًا إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، كما تسعى في الوقت نفسه إلى موازنة علاقاتها المتميزة مع "أنقرة"، التي دعمتها خلال سنوات الحرب، إلى جانب مراعاة المخاوف الإسرائيلية التي ما تزال تهدد أمنها، وتثقل كاهلها على مرأى من دول العالم وصمت منظماته الأممية.

وعليه، فالرئيس "أحمد الشرع"، وخط سير الدولة السورية الدبلوماسي بشكل عام، يحاولان التحلي بمرونة تمكّنهما من الاستفادة من علاقات متميزة مع الجميع، دون أن تكسب الدولة مزيدًا من الأعداء، غير أن هذا المسار، وفقًا لكل التقديرات، محفوف بالمخاطر التي لا يمكن تجاهلها.