حول ضرورة إعادة النظر في مفهوم "أدب المهجر"

حول ضرورة إعادة النظر في مفهوم "أدب المهجر"

الصورة
13 آب 2019

هوشنك أوسي

شاعر وكاتب وصحافي كردي سوري

ربما يعتبر البعض عدم الرضا المتبادل بين المبدع والناقد حالة صحيّة، تخدم الفعل الثقافي والإبداعي. ذلك أن جلّ النقّاد، إن لم يكن كلّهم، دائمو السخط والتذمّر والامتعاض مما يُنتج حاليّاً من أدب. وسبق أن تناولت هذه الظاهرة في مقالات أخرى. كذلك جلُّ المبدعين والمبدعات، إن لم يكن كلّهم، غالباً ما يشتكون من التجاهل والشلليّة التي تكتنف الحراك النقدي، لجهة تكريس أسماء على حساب أخرى، وتعظيم وتصنيم تجارب على حساب تجارب أخرى.

ومع حالة المظلوميّة والشكوى التي يعاني منها بعض أو أغلب المبدعين والمبدعات، نجدهم يتواصلون مع الحراك النقدي، بطريقة أو بأخرى، لدرجة ربما تصل في بعض الأحيان إلى الحطّ من المقام الإبداعي، والتنازل عما يمكن تسميته بـ"الكرامة الشخصيّة" أو "الكرامة الإبداعيّة". هذه الظاهرة باتت من أعراض وأعطال المشهد النقدي الذي يفترض به أن يلاحق النّصوص الإبداعيّة، لا العكس. ثم إن النقد الدائم التذمّر من الراهن، والمستمرّ في كيل المدائح للماضي الإبداعي، ويبقي نفسهُ أسير ورهين التجارب التي مضت عليها عقود، أقل ما يقال فيه بأنه نقد ماضوي، سلفي، أصولي، لا يريد الخروج من جلباب "السلف الصالح" من جيل المبدعين الروّاد في العالم العربي.

وفي هذا الإطار والسياق، يمكن قول الكثير. لكن ما أريد تسجيله على الحراك النقدي في هذه الأسطر، وذكرته

ما زالت حركة النقد في العالم العربي تعيد طرح الأسئلة ذاتها عن "أدب المهجر" أو "أدب الشتات" في إطار إعادة إنتاج نفس المفاهيم بنفس الصيغة التي كانت متعارفاً عليها منذ ما يزيد على عقود.

في ملتقَيي الرواية في مصر وفلسطين، هو مفهوم "أدب المهجر". فرغم التطوّرات والتغييرات والتبدّلات التي شهدها العالم، سواء في أنماط المعيشة والتفكير، وانعكاس ذلك على تغيّر أنماط وأدوات وطرائق التعبير عن الذات الفرديّة والجمعيّة، والرؤى والنظريّات النقديّة التي تناولت هذه التحوّلات بالتحليل والشروح، رغم كل ذلك، ما زالت حركة النقد في العالم العربي تعيد طرح الأسئلة ذاتها عن "أدب المهجر" أو "أدب الشتات" في إطار إعادة إنتاج نفس المفاهيم بنفس الصيغة التي كانت متعارفاً عليها منذ ما يزيد على عقود.

ومعلوم أن "أدب المهجر" يوصف به ما كتبه شعراء وأدباء عرب عاشوا خارج بلدانهم ما بين 1870 و1900، وأسسوا هناك جمعيات وروابط وأندية ثقافيّة تهدف إلى تنظيم وتعزيز العلاقة بين أولئك الكتّاب والأدباء. وبعيداً من ذكر لوائح أو قوائم بأسماء أدباء وأديبات المهجر، ونتاجاتهم الإبداعيّة، وخصائص تلك النتاجات والقواسم المشتركة بينها، وكل هذه التفاصيل والمعلومات التي يمكن أن يحصل عليها أيّ قارئ أو كاتب أو باحث بسهولة، ألم يعد من الضروري أن يعيد النقد في العالم العربي النظر في مفهوم "أدب المهجر"؟ وهل بقي شيء اسمه "أدب المهجر" مع شبه انعدام للحدود بين الوطن والمهجر، وتحوّل المهجر وطناً، والوطن مهجراً في بعض الأحيان؟! ذلك أن مفهوم الوطن والنوستالجيا التي تعبّر عن نفسها في النتائج الإبداعي الأدبي، لم يعد بذلك المفهوم كما كان في نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين، بخاصّة بعد ثورة التقانة والمعلوماتيّة ووسائل التواصل الاجتماعي! زد على هذا وذاك، ماذا يمكن أن نسمّي نتائج كاتب، يشعر بالاغتراب في وطنه، ويعاني القمع والذلّ وهدر الكرامة وانعدام الحريّة في بلده، ويهجو حاله وحال بلده، بالضد من البيت الشعري: "بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ..." ويتمنّى الفرار أو الفكاك من هذه الحال، ولا يجد إلى ذلك سبيلا؟ وماذا يمكن أن نسمّي نتائج كاتب وأديب، منحته الغربة ما كان محروماً منه في الوطن، على صعيد الأمان والحريّة والحياة الكريمة، وفرص العمل والتعليم والصحّة...إلخ!؟

بالتوازي مع الأسئلة السالفة، وآمل أن يساعدني النقّاد في البحث عن الإجابة عن هذا التساؤل: هل مفهوم "أدب المهجر" كان وما زال موجوداً لدى الأرمن الذين أجبروا على ترك ديارهم والهجرة إلى الشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا، وأبدعوا هناك شعراً ونثراً؟! وينسحب السؤال على أدب ونتائج الأدباء اليهود في ألمانيا وأوروبا الشرقيّة وروسيا، قبل وأثناء وبعد الحرب العالميّة الثانيّة!؟

عطفاً على ما سلف أيضاً، ورغم أنني لستُ ناقداً، ولا أزعم ذلك، إذا أجري مسح نقدي لنماذج من الشعر والروايات المكتوبة في السنوات العشر الأخيرة، وتمت مقارنتها بما كتبه ميخائيل نعيمة أو إيليا أبو ماضي أو جبران خليل جبران...إلخ! غالب الظنّ أن النتائج ستظهر بأن نسب التقاطع بين طرائق التفكير والتعبير لن تكون متشابهة، لجهة الرومانسية والحنين والنوستالجيا.

والحال تلك، إذا كتب أدباء سوريون يعيشون في مصر أو المغرب أو لبنان أو العراق...، هل يمكن اعتبار

من المفترض أن تجترح حركة النقد توصيفات وتسميات جديدة للأدب المكتوب في المهاجر أو الأوطان الجديدة

أدبهم "أدب مهجر"؟! وبالعودة إلى الفترتين الأمويّة والعبّاسيّة، وقياساً على خصائص "أدب المهجر" يجب اعتبار نتائج شعراء اليمن والحجاز الذين كانوا يعيشون في العراق والشام، واعتبار شعراء العراق والشام الذين كانوا يعيشون في الأندلس، وحنينهم إلى الوطن، والبكاء على الأطلال، ورثاء الماضي والتغنّي به...إلخ، على أنه "أدب مهجر"!

شخصيّاً، لا أميل إلى هذه التسمية، وأرى أنه بات من الضرورة بمكان إعادة النظر في الكثير من التوصيفات الأدبيّة ذات المنحى النقدي، على سبيل الذكر لا الحصر: "أدب المهجر"، "الشعر ديوان العرب"...إلخ! ذلك أن ما كان يبرر أو يجيز تسميات أو توصيفات كهذه، لم يعد واقعاً وجائزاً حاليّاً! وعليه، من المفترض أن تجترح حركة النقد توصيفات وتسميات جديدة للأدب المكتوب في المهاجر أو الأوطان الجديدة. وإن بقي الحال على ما هو عليه، أي كاتب تتم دعوته إلى إقامة إبداعيّة في أوروبا أو أمريكا لمدّة شهر أو شهرين أو سنة، وسيكون منتوجه الأدبي في هذه الفترة، "أدب مهجر"! أو أي كاتب يهاجر لمدة معيّنة خارج بلده، ويكتب هناك، ثم يعود، سيكون نتائجه "أدب مهجر"! زد على هذا وذاك، كميّة الاحتفاء بـ"أدب المهجر" والتنظير والدفاع عن هذا المفهوم، صار يدفع أشباه الكتّاب والمبدعين إلى اعتبار أنفسهم "أدباء مهجر" وأنهم "حصيلة تلاقح ثقافات".. وأشياء من هذا القبيل!

أعتقد أن الأمر يتعلّق بسؤال الإبداع ومنسوبه في النتائج المكتوبة، سواء أكان في الوطن أو خارجه، فلا تفضيل لما هو مكتوب في الوطن على ما هو مكتوب في المهجر أو العكس، إلاّ بكميّة ونسبة الإبداع، وجودة النصّ، بصرف النظر عن ثنائية "وطن - مهجر".

وهنا، ليس في وسعي إطلاق أحكام، بقدر ما أحاول إثارة أسئلة، ربما تدفع ببعض النقّاد نحو محاولة الإجابة عنها، عبر دراسات وبحوث نقديّة، تحرر الفعل الإبداعي المكتوب خارج الأوطان من تلك الحمولة النقديّة التقليديّة التي ربما تجاوزها الزمن وتحوّلات الأمكنة، وتداخل الحيَوات بين "الأوطان - المَهاجر" و"المَهاجر - الأوطان".

شارك برأيك