حوار مع وزير الزراعة الأسبق نور الدين منى حول أثر حرائق الغابات

تاريخ النشر: 28.09.2020 | 06:38 دمشق

حوار: تيم الحاج

على مدار أكثر من أسبوعين اشتعلت الحرائق في مناطق متفرقة في الساحل السوري وحماة، وظلت الحرائق تمتد أمام الاستجابات الخجولة من قبل المؤسسات المعنية التابعة لحكومة نظام الأسد إلى أن شملت مناطق عديدة، وصل لظاها إلى المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة في الساحل.

مشاهد احتراق الغابات يبدو أنها ستُحفر طويلاً وعميقاً في ذاكرة سكان تلك المناطق أولاً، والسوريين عامة، إذ إن فرشاة الحرائق السوداء لطّخت الأشجار بلونها الأسود، وسرقة منها اللون الأخضر الذي كان يكسو جبال وتلال تلك المناطق.

ولعل أول سؤال يدور في الأذهان أمام هذا المشهد هو مصير تلك الغابات، وكم تحتاج من وقت حتى تعود إلى ما كانت عليه، بعد أن أذابت النيران مئات آلاف الأشجار، وهنا يُطل سؤال آخر ليس بأقل أهمية عن ما سبقه، وهو ما هو تأثير فقدان هذا الكم الكبير من الأشجار الخضراء على المنطقة الساحلية وعلى سوريا عامة، إذا ما وضعنا أمامنا ما يُطلق على هذه الغابات من مصطلح "الرئة التي تتنفس منها سوريا".

لكن ولعل من أهم التساؤلات التي شغلت بال السوريين خلال رؤيتهم الغابات تحترق هو محاولتهم معرفة الجهة التي تقف وراءها، خاصة وأن اتهامات كثيرة انتشرت عن وجود مستفيدين منها.

موقع تلفزيون سوريا وقف على هذه التساؤلات وغيرها، عبر حوار أجراه مع وزير الزراعة الأسبق الدكتور نور الدين منى، والذي يُعد أحد الشهود على تلك الحرائق، بحكم وجوده في بلدة تلدرة التابعة لمدينة  السلمية بريف حماة.

تعريف بالوزير نور الدين منى

شغل منى منصب وزير الزراعة بين 2001 و2003، كما شغل منصب مسؤول وممثل أممي في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بين عامي 2004 و2014، وهو أستاذ ورئيس قسم الاقتصاد الزراعي في جامعة حلب بين 1996 و2001.
حاصل على دكتوراه في الاقتصاد الزراعي عام 1986 في جامعة "تكساس ايه آند إم" في الولايات المتحدة الأميركية، كما درس علوم المحاصيل الحقلية في جامعة حلب، وعمل خبيراً لدى المركز الدولي للأبحاث الزراعية (إيكاردا).

فيما يلي أجوبة الوزير نور الدين منى على تساؤلات طرحها عليه موقع تلفزيون سوريا:

وفق ما رصدناه فإن 57 حريقاً حراجياً، اندلع منذ مطلع العام الحالي وحتى بداية أيلول الجاري، حيث اُلتهمت 1.7 هكتار من الأراضي المحمية. هل ممكن أن تطلعنا على معلوماتكم حول نتائج هذه الحرائق لجهة أنواع الأشجار التي طالتها الحرائق وأعدادها بشكل تقريبي وأماكن توزعها؟

إن مساحة حرائق الغابات في سوريا التي حدثت في الفترة ما بين 27 آب وحتى 11 أيلول 2020، تقدر بـ 9000 هكتار موزعة على اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص، وبالنظر إلى تصنيف هذه الحرائق بحسب شدتها فإنها بين متوسطة خفيفة (3.5 آلاف هكتار)، ومتوسطة مرتفعة (5.2 آلاف هكتار)، ومرتفعة (301 هكتار)، حيث تعتبر هذه الحرائق الأكبر في سوريا، وفق المعلومات المنشورة لـ"منصة الإنذار المبكر" في "مركز الاستشعار عن بعد" التابع لـ"المجلس الوطني للبحوث العلمية اللبنانية".

وقد التهمت الحرائق آلاف الهكتارات من الأراضي الحراجية السورية، وكذلك الآلاف من الأشجار المثمرة
 استناداً لـ "مديرية الحراج" السورية، التي قالت إن "عدد الحرائق التي أصابت الغابات بلغت 403 حرائق، وقضت على نحو 240 هكتاراً".

وتشير مواقع اشتعال النيران إلى أن الحرائق مفتعلة ومدروسة بعناية، والتقارير الأولية اعتبرت أن الإهمال والتعمد كانا سببين لتلك الحرائق، في حين تشير تقارير "حكومية رسمية" من مديرية زراعة اللاذقية، أن الحرائق التهمت بين عام 2010-2018 أكثر من ربع مساحات غابات سوريا، وقد وصل عددها المسجل إلى 2000 حريق، بمساحة إجمالية 103 آلاف هكتارات في الساحل، حيث طالت هذه الحرائق أشجار الصنوبريات سريعة الاشتعال، بسبب احتوائها للزيوت واحتراقها سهل الانتشار بسبب الهواء، وعموماً الحرائق في الساحل السوري وخاصة التي طالت محمية الشوح والأرز في صلنفة، تكثر فيها أشجار البلوط والسنديان والتي تعتبر الأفضل لصناعة الفحم وأغلاها ثمناً.


ما الأثر المباشر لهذه الحرائق على المناخ السوري وعلى سكان تلك المناطق والسوريين عموماً؟ أيضاً ما الأثر على الحيوانات التي تعيش بين الغابات التي شهدت حرائق؟

تنقسم الآثار الناجمة عن جرائم حرائق الغابات إلى آثار اجتماعية واقتصادية، تتمثل بموت عناصر من "فوج الإطفاء" أو من سكان التجمعات البشرية القريبة من الغابة، أو نزوح بعض التجمعات من منطقة لأخرى، إلى جانب تكاليف وخسائر مادية من الترميم والنزوح.

 أما الآثار البيئية فتتمثل بارتفاع  الحرارة خلال فصل الصيف نتيجة التعرية، وكذلك انخفاضها في الفصل البارد، وتتأثر كل من الرطوبة والهواء والإشعاع الشمسي في الغابة، نتيجة إزالة كثير من الأشجار.

 وتؤدي التعرية وإزالة الغطاء العضوي إلى التخلخل النسبي في التنوع الحيوي المتوازن في الغابة المحروقة، من حيث التنوع في الجزء النباتي (فلورا) بالعلاقة مع الجزء الحيواني (فونا).

أيضاً الحرائق تؤثر على التربة وخواصها مما قد يؤدي إلى انجراف التربة بعد الأمطار الغزيرة، كما تترك حرائق الغابات آثاراً سلبية على المياه الجوفية، من حيث الكمية والنوعية، وكذلك على خصوبة التربة.

ويتعرض التنوع الحيوي إلى صدمات وهزات حيث تموت أو تهاجر حيوانات وكذلك طيور، بمعنى آخر، تتغير خصائص الموئل والتنوع الحيوي الغابوي.

وبشكل عام يفقد المواطنون وسكان التجمعات القريبة، ما يسمى بالأثر البصري (استجمام وترويح).

للحرائق آثار اقتصادية أخرى تتمثل بخسارة الأخشاب وموت الأشجار، وتدني قيمة الخشب المتبقي من حيث النوعية. تحرم أهالي المنطقة من دخل إضافي من جني وجمع النباتات الطبية والعطرية وبيعها.

وبشكل بسيط فإن حرائق الغابات هي خسارة وطنية لكل أبناء الوطن، باستثناء الذين قاموا بحرق هذه الغابات التي تمثل رئة يتنفس بها الناس.

تحصل معظم الحرائق في موسم الجفاف، خاصة في أشهر آب وأيلول وتشرين الأول والثاني، ووفقاً لتحليل أجرته وكالة الأغذية والزراعة الأممية (FAO) فإن الحرائق تلحق الضرر الأكبر بالغابات أكثر من أي من العوامل الطبيعية الأخرى من الآفات البكتيرية والحشرات والأعاصير والصقيع وغيرها، وفي منطقة حوض المتوسط، وعلى عكس بقية المناطق حول العالم حيث تُعزى النسبة الكبرى للحرائق إلى الأسباب الطبيعية، خاصة الصواعق، فإن الحرائق المفتعلة هي الطاغية، في حين لا تمثل النسبة الطبيعية سوى 1 إلى 5% من مجموع الحرائق حسب البلد. هل يرشدنا هذا التحليل إلى أن الحرائق في سوريا كانت بفعل فاعل -حتى أن فوج إطفاء اللاذقية- أشار إلى ذلك، وإذا كانت مفتعلة من يقف وراءها وماذا يستفيد؟ وأين دور نقاط المراقبة الحراجية للتصدي إلى هذه الظاهرة؟ وماهي آلية "التفحيم" التي يجري الحديث عنها؟
 

تقول لنا الحرائق التي طالت مساحات كبيرة من سوريا والتي بقيت على مدى أيام. وكانت الجهات المسؤولة في موقف العاجز والمتفرج. إن الغابات تحترق ولا وسائل مكافحة لها كانت ناجعة، ولا التقنيات المستخدمة كانت متطورة، ولا كل قواعد الحيطة والحذر وإدارة المخاطر كانت متبعة.

 وبكل الأحوال فإن حرائق سوريا ليست جديدة، فقد أصبحت روتينية متكررة ، وتعكس سباتَ وسكونيةَ وفشلَ السياسة الحكومية تجاه الأحراج.

فحرائق الغابات السورية، ترقى بالفاعلين عن قصد ومن كان معهم أو وراءهم، إلى مستوى الخيانة العظمى. وعلى "الجهات الحكومية" أن تعترف بكل شفافية وعلى الإعلام بماذا حدث، ومن هو المسؤول، فزيارة المسؤولين على مستوى الوزارة والمحافظة بوجوه عابسة كالحة، هذا لن ينقذ ثروتنا الحراجية.

وبشكل عام فإن حرائق الغابات تنتج إما من حوادث طبيعية (البرق، ارتفاع حرارة مع إمكانية وجود مخلفات زجاجية، أو صخور ذات طبيعة معينة، أو تماس كهربائي، إذا كان التوتر العالي يمر من غابة معينة)، وهذه النسبة تمثل نحو 5% من أسباب الحرائق عالمياً.

أو العامل البشري، ومردُّه إما لهدف مقصود مفتعل، ويكون لغايات خاصة اقتصادية. وإما خطأ بشري غير مقصود (رمي أعقاب السجائر أو عدم إطفاء مخلفات الشواء وتركها أو إهمال).

عالمياً، نسبة العامل البشري 95%، أما في سوريا، فإن العامل البشري (مقصود وغير مقصود) تصل إلى 98-99%، وهذا يعني ببساطة غياب تطبيق قانون الحراج نتيجة الفساد، وغياب المراقبة، وضعف الثقافة  والوعي البيئي، والتنصل من المسؤولية .

يمكن القول ببساطة، إن أغلب حرائق الغابات في سوريا هي بشرية المصدر، وأغلبها تسجل في "الدوائر الحكومية"، أنها مجهولة السبب ( تحت مسميات حرائق إهمال)، والحقيقة أنها ليست كذلك.

 لماذا تعتقد أن روسيا لم تساهم بإطفاء الحرائق كما فعلت إيران مع أنه من المفترض أن القدرات الروسية في هذا المجال أوسع وأكثر تقدماً؟

ساد في بعض الأوساط في سوريا استغراب واستهجان لتأخر مشاركة وزارة الطوارئ الروسية في إطفاء الحرائق رغم خبرتهم المتميزة في هذا المجال، وطالت التساؤلات لعدم تدخل روسيا رغم أنها تملك أكبر قاعدة جوية لها في سوريا، بالرغم من أنها ساهمت في إطفاء الحرائق في إسرائيل ولبنان ولم تفعل ذلك في سوريا، مع العلم أن الحرائق اقتربت كما يقال من قاعدة حميميم، ويشاع أيضاً أن هناك رغبة في استثمار المناطق المحروقة سياحياً وعسكرياً.

عام 1984 وُضع في سوريا نظامٌ للإنذار المبكر حول الحرائق، ولكنه لم يكن فعالاً بتقليل أعدادها ولا شدتها، هل الأمر مرتبط بعدم تطور معدات الإطفاء وأساليب تعامل رجال الإطفاء مع الحرائق، إذ شهد عام 2019 وحده 627 حريقاً؟


انتشرت إشاعات واتهامات حول تقاعس وتقصير السلطات والجهات صاحبة العلاقة بحجة نقص الإمكانيات، والبعض اعتبر أنها عملية منظمة مدروسة تهدف إلى تحقيق مكاسب وأرباح مادية وفرص استثمارية. حتى أن تقديرات الخسائر غير دقيقة لصعوبة الوصول إلى مناطق أعالي الجبال وغياب الطرقات الحراجية في بعض الحالات، وهنا تجدر الإشارة إلى أن هناك شخصيات ذات نفوذ في تلك المناطق ودورها في استثمار عمليات التفحيم مما قد يساعد في اشتعال الحرائق، إذ يباع  الطن الواحد من الحطب بسعر 220 - 250 دولاراً. كما أن هناك ثغرات في قانون الحراج يتم استثمارها لتسجيل أراضي حراجية تحت أملاك خاصة.

لماذا تبقى الجهات المعنية بالحرائق مهملة وُتلقي اللوم على العوامل الطبيعية؟

أسباب الحرائق واضحة وضوح الشمس: أسباب بشرية تباركها "الجهات الحكومية"، فما من حريق مهما كان نوعه إلا له علاقة جدلية مع الفساد الحكومي. وبغضّ النظر عن الأسباب والعوامل الكامنة وراءها، أو مدى ملاءمة السياسات الإدارية ومعاييرها التطبيقية في هذا الإطار، فإنه لا يزال هناك نقص في مستوى الوعي على عدة مستويات (الحرائق، أسبابها ونتائجها وسبل الوقاية منها). وتتطلب إستراتيجية مكافحة حرائق الغابات: تخطيطاً مسبقاً بتوفير فرق المكافحة، وهم المسؤولون عن تنظيم الغابات على مدار السنة، وإزالة مسببات الحريق وإعداد مصادر مياه مناسبة للتدخل فور اندلاعه، إضافة إلى "رجال البحرية"، وهم يتدخلون عندما تكون الحرائق والغابات مطلة أو قريبة من البحار والأنهار والمحيطات. وعند زيادة حجم الحريق وصعوبة محاصرته بمعرفة "رجال الإطفاء".

منذ العام 1952، بدأت جهود توسيع الرقعة الحراجية من خلال استصلاح ثمانية آلاف هكتار ما بين عامي 1952 و1976، وما بين 1977 و1984 غُرست أكثر من 25 مليون غرسة سنوياً وزُرع أكثر من 96 ألف هكتار، ثم ارتفع عدد الغراس إلى 30 مليوناً كل عام، لكن عند مقارنة هذه الأرقام مع بيانات مديرية الحراج في وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي نجد أن عدد الغراس انخفض إلى مليون ونصف المليون غرسة عام 2018، لماذا برأيك؟ وما هي المعوقات التي تقف أمام مواصلة زرع أعداد كبيرة من الغراس؟

معظم مشاريع الحزام الأخضر ومشاريع التشجير التي نفذت في سوريا لم يكتب لها النجاح لأسباب متعددة، أذكر بعضها: ضعف الوعي والثقافة البيئية لدى معظم الناس وعدم تبني ثقافة "ازرع ولا تقطع" وشبه غياب لمحاسبة التعديات على أراضي التشجير الحراجي الصناعي أو الطبيعي.

وخلال "الحرب السورية" زاد معدل القطع بسبب نقص في كمية وقود التدفئة وارتفاع أسعارها فلجأ الكثير من الناس لقطع الأشجار إما لبيع الأخشاب أو للاستعمال الأسري لعمليات الطهي والتدفئة.

أخيراً.. كم برأيكم تحتاج الغابات السورية من الوقت كي تستعيد عافيتها؟ وما الحلول التي يتوجب اتباعها كي يتم تسريع عملية تعافي الغابات؟

هذه الغابات تحتاج إلى عشرات السنين، لتعود إلى سابق عهدها، هذا إذا لم تطلْها يد الفاسدين والمتنفذين، باستثمارات صناعية ومشاريع ترضي مكاسبهم الشخصية على حساب المواطنين.

الحلول المقترحة: تعديل وتطبيق قانون الحراج بكل مواده دون استثناء وخاصة لأصحاب النفوذ، والبدء الفوري بعمليات الترقيع والصيانة والزراعة، عبر حملات تشجير منظمة ومشاريع الأحزمة الخضراء.

إضافة إلى متابعة الرعاية والحماية والتنظيم والإدارة للغابات، باستخدام الكفاءات المؤهلة الخبيرة وتأمين جميع وسائل الحماية بما فيها مراكز الإنذار المبكر.