icon
التغطية الحية

حملات رقابية وإغلاق منشآت.. كيف يبدو الواقع الطبي في سوريا؟

2026.07.18 | 13:59 دمشق

آخر تحديث: 2026.07.18 | 15:03 دمشق

سوريا
أطباء يجرون عملية جراحية في سوريا (وزارة الصحة السورية)
 تلفزيون سوريا - خاص
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- كشفت حملات التفتيش في سوريا عن مخالفات في المنشآت الصحية، مما أدى إلى إغلاق صيدليات ومستشفيات وإحالة العاملين للتحقيق، بهدف تعزيز الرقابة وتحسين جودة الخدمات الصحية.
- يواجه القطاع الصحي تحديات مثل نقص التجهيزات وهجرة الكوادر، مما يزيد تكاليف العلاج ويثقل كاهل الأسر، مع دعوات لتعاون القطاع العام مع المنظمات لتوفير الأدوية المكلفة.
- يشدد الخبراء على ضرورة تحويل الرقابة إلى برنامج دائم وتحسين البنية التحتية، من خلال إدخال أجهزة حديثة واستقطاب الكفاءات، لضمان خدمات صحية آمنة وفعالة.

كشفت حملات تفتيش نفذتها الجهات الصحية والرقابية في عدد من المحافظات السورية عن مخالفات واسعة داخل بعض المنشآت، شملت العمل من دون تراخيص، وسوء تخزين الأدوية، وضعف التعقيم، وتشغيل أشخاص غير مؤهلين.

وامتدت الإجراءات إلى محافظات حمص واللاذقية ودرعا، وأسفرت عن إغلاق صيدليات ومراكز تجميل ومستشفيات خاصة، إلى جانب إنهاء تكليف مسؤولين وإحالة عاملين وكوادر طبية إلى التحقيق والقضاء.

وأعادت الحملات طرح أسئلة تتجاوز إغلاق المنشآت المخالفة، لتشمل قدرة الجهات المعنية على تحويل الرقابة إلى مسار مؤسسي مستمر، يطول القطاعين العام والخاص، ويعالج أزمة التجهيزات والأدوية وهجرة الكوادر وارتفاع تكاليف العلاج.

إغلاق منشآت وإحالة عاملين إلى التحقيق

نفذت الهيئة العامة للرقابة والتفتيش جولة في مدينة حمص، أُغلقت خلالها 14 منشأة طبية وتجميلية منذ بداية تموز الجاري، بعد تسجيل مخالفات تتعلق بسوء تخزين الأدوية، وعدم استيفاء المستودعات الشروط الصحية، وغياب السجلات والقيود الدقيقة اللازمة لحفظ المواد الطبية ومتابعتها.

وشملت الإجراءات إنهاء تكليف رئيس دائرة الخدمات الطبية في حمص، وإحالة جميع العاملين في الدائرة إلى التحقيق، فضلاً عن إغلاق سبع صيدليات ضُبطت داخلها أدوية منتهية الصلاحية، وسبعة مراكز كانت تمارس أعمالاً طبية وتجميلية من دون ترخيص.

وفي اللاذقية، أصدرت مديرية الصحة قراراً بإغلاق ثلاثة مستشفيات خاصة، بعد رصد مخالفات فنية وصحية خلال حملة تفتيش شملت عدداً من مستشفيات المحافظة.

وتزامنت هذه الإجراءات مع حملات نفذتها وزارة الصحة ومديرياتها ونقابة الأطباء لضبط العيادات والمنشآت المخالفة، في حين أُحيل بعض المخالفين إلى القضاء أو النيابة العامة، وفُتحت تحقيقات إدارية مع كوادر طبية لإلزام المنشآت بالمعايير المهنية والقانونية.

مخالفات في مستشفيات درعا

قال الصحفي حمزة فهيد، في مداخلة على شاشة تلفزيون سوريا، إن الحملات الرقابية لم تقتصر على حمص واللاذقية، بل شملت معظم المحافظات السورية.

وأوضح أن محافظ درعا أنور الزعبي نفذ، برفقة مدير صحة المحافظة زياد المحاميد، جولة رقابية على المستشفيات الخاصة، وخصوصاً في مدينة درعا، كُشفت خلالها مخالفات تتعلق بالنظافة وشروط الترخيص.

وأشار فهيد إلى رصد حالات لأطباء يعملون من دون استيفاء شروط ترخيص المكان أو الاختصاص، إلى جانب وجود أطباء لم يستكملوا اختصاصاتهم، رغم عملهم داخل غرف العمليات أو أقسام العناية المشددة.

ولفت إلى أن الدولة ورثت عن النظام المخلوع قطاعاً صحياً متهالكاً، ناقلاً عن مدير مستشفى درعا الوطني نزار رشدان قوله، قبل نحو ستة أشهر، إن القطاع وصل بعد التحرير إلى "نقطة الصفر"، بعدما كان يبدأ من "تحت الصفر" خلال المرحلة الأولى.

ورغم ذلك، أشار فهيد إلى تسجيل تحسن في بعض الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين في المحافظة، موضحاً أن مدير صحة درعا أصدر، في السادس من تموز الجاري، تعميماً يمنع الأطباء من تقاضي أي مبالغ مالية داخل المستشفيات الحكومية.

وسبق ذلك قرار أصدره مدير مستشفى إزرع الوطني محمود الزعبي، أكد فيه أن خدمات الأشعة والتحاليل الطبية والعيادات تُقدم للمواطنين مجاناً، بعدما كان المرضى يدفعون مبالغ مالية مقابل الحصول عليها.

تراخيص منحت بالمال والواسطة

رأى فهيد أن توقيت الحملات يعكس توجهاً رسمياً لضبط قطاع يرتبط مباشرة بحياة المواطنين، مشيراً إلى أن توسيع الرقابة قد يحقق نتائج إيجابية ويلقى قبولاً لدى السكان.

وتحدث عن انتشار الفساد سابقاً داخل المؤسسات الحكومية، مؤكداً أن النظام المخلوع منح تراخيص لبعض المستشفيات والمنشآت الصحية مقابل المال أو الواسطة، من دون التحقق من استيفائها المعايير اللازمة.

كما أشار إلى انتشار ظاهرة تأجير بعض الصيادلة شهاداتهم لأشخاص آخرين، لافتتاح صيدليات بأسمائهم وتشغيلها عبر أشخاص غير مختصين، ما سمح بممارسات عرضت حياة المواطنين للخطر.

وبيّن أن الحملات الحالية تدقق في المعايير الصحية واختصاصات الأطباء، وتراجع السجلات الطبية والعلاجية للمرضى في المستشفيات الحكومية والخاصة، إضافة إلى التحقق من صلاحية الأدوية ونوعيتها والشهادات التي يحملها العاملون.

حماية المريض وضمان سلامة الأدوية

قال الصيدلاني والناشط في المجال الطبي مأمون سيد عيسى، في مداخلة على تلفزيون سوريا، إن الحملات تأتي في إطار حماية صحة الإنسان وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمرضى.

وأكد أن الجهات الصحية مطالبة بمنع الأخطاء الطبية، وضمان سلامة الأدوية الموجودة في الصيدليات، وتعزيز ثقة المجتمع بالنظام الصحي، محذراً من أن عدم الالتزام بالمعايير قد يؤدي إلى تدهور حالة المريض أو إصابته بإعاقة، وقد يصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأوضح أن ضبط الصيدليات يمنع تداول أدوية منتهية الصلاحية أو غير مرخصة، في حين تسهم مراقبة الأدوية النفسية والوصفات والسجلات في الحد من استخدامها بصورة خاطئة أو وصولها إلى أشخاص لا يحتاجون إليها.

وشدد على أهمية وجود صيادلة مختصين على رأس عملهم، ولا سيما أن كثيراً من الأدوية في سوريا تُصرف مباشرة للمراجعين، الأمر الذي يضاعف مخاطر تشغيل الصيدليات عبر أشخاص يستأجرون شهادات صيادلة أو لا يمتلكون مؤهلات مناسبة.

ورأى سيد عيسى أن الحملات تمثل خطوة أساسية، لكنه حذر من اقتصارها على موجة مؤقتة تنتهي بعد مدة قصيرة، داعياً إلى تحويلها إلى برنامج رقابي دائم واستباقي.

مستشفيات بلا تعقيم ومراكز تجميل بلا أطباء

أشار سيد عيسى إلى وجود مستشفيات تعمل من دون تراخيص مكتملة أو من دون أطباء اختصاصيين، فضلاً عن منشآت لا تطبق شروط التعقيم المطلوبة.

وحذر من أن ضعف التعقيم قد يؤدي إلى انتقال العدوى إلى المرضى خلال العمليات الجراحية، والتسبب بمضاعفات صحية خطيرة قد تصل إلى الوفاة.

كما شدد على ضرورة توفير الأجهزة الإسعافية الأساسية داخل المستشفيات، والتخلص من النفايات الطبية بطريقة سليمة، بدلاً من رميها مع النفايات العادية، لما تشكله من خطر على الأطفال والعاملين في جمع القمامة والمجتمع عموماً.

وفي السياق ذاته، قال حمزة فهيد إن بعض مراكز التجميل حصلت خلال السنوات السابقة على تراخيص لا تستحقها بسبب الفساد وضعف الرقابة، في حين تعمل مراكز أخرى من دون وجود طبيب مختص.

وأوضح أن بعض هذه المراكز يشرف عليها ممرضون أو أشخاص خضعوا لدورات قصيرة لا تؤهلهم لممارسة الإجراءات الطبية والتجميلية، مؤكداً ضرورة وجود طبيب مختص وأجهزة مناسبة وأدوية مطابقة للمواصفات القياسية السورية وغير منتهية الصلاحية.

وحذر فهيد من أن الخطأ داخل مركز تجميل أو مستشفى عام أو خاص قد يتسبب بالوفاة أو الشلل أو الإعاقة الدائمة، ضارباً مثالاً بإعطاء حقنة بنسلين بطريقة خاطئة، أو حدوث تداخل دوائي لا ينتبه إليه شخص غير مختص.

كيف يعرف المواطن المنشأة المرخصة؟

بيّن مأمون سيد عيسى أن المنشآت الصحية ملزمة بعرض تراخيصها في مكان واضح داخل الصيدلية أو العيادة أو مركز التجميل، حتى يتمكن المراجع من التحقق من قانونية عمل المنشأة.

وأوضح أن رخصة الصيدلية يجب أن تتضمن صورة الصيدلاني المسؤول، ليعرف المواطن ما إذا كان الشخص الموجود أمامه صيدلانياً مرخصاً، أم مساعداً، أم شخصاً غير مؤهل.

وأضاف أن المواطنين يستطيعون ملاحظة بعض المخالفات الظاهرة، مثل غياب النظافة والتعقيم أو إجراء عمليات لا تتناسب مع طبيعة ترخيص المنشأة.

لكنه شدد على أن المسؤولية الأساسية لا يمكن تحميلها للمواطن، بل تقع على الجهات الصحية والرقابية التي تمتلك معايير واضحة وأدوات للتفتيش والتحقق من التزام المنشآت.

الرقابة لا ينبغي أن تقتصر على القطاع الخاص

دعا سيد عيسى إلى توسيع الحملات لتشمل منشآت القطاعين العام والخاص من دون تمييز، مؤكداً أن كون المنشأة حكومية لا يعفيها من التفتيش أو تطبيق معايير السلامة.

وطالب بدخول فرق الرقابة إلى المستشفيات والمخابر وغرف الإسعاف الحكومية، والتحقق من مستوى التعقيم وكفاءة الأجهزة وسلامة الأدوية والتزام العاملين بالشروط المهنية.

واعتبر أن بناء قطاع صحي جديد يتطلب وضع الإنسان وصحته في مقدمة الأولويات، بدلاً من حصر الإجراءات في المنشآت الخاصة أو التحرك فقط بعد ورود شكوى أو وقوع خطأ طبي.

كلفة العلاج ترهق الأسر السورية

إلى جانب المخالفات الفنية والإدارية، يواجه المرضى أزمة متصاعدة تتعلق بارتفاع تكاليف العلاج في القطاع الخاص وضعف قدرة المستشفيات الحكومية على تلبية جميع الاحتياجات.

وقال سيد عيسى إن الأسرة التي لا تجد حاضنة لطفلها في مستشفى حكومي تضطر إلى التوجه إلى مستشفى خاص، حيث تدفع كلفة الحاضنة وأجور الأطباء صباحاً ومساءً، إضافة إلى ثمن الأدوية والخدمات الأخرى.

وأوضح أن هذه التكاليف تنتج فاتورة مرتفعة ترهق معظم الأسر السورية، مؤكداً ضرورة الحفاظ على القطاع العام وتطويره، حتى لا يضطر المرضى إلى تحمل نفقات تفوق قدرتهم.

وتبرز الأزمة بصورة أكبر لدى مرضى السرطان، إذ يتراوح سعر بعض الجرعات بين 500 و1200 دولار، في حين قد يحتاج المريض إلى عشر جرعات أو أكثر، أو إلى جرعة كل 20 يوماً أو شهرين بحسب حالته.

وأشار سيد عيسى وفهيد إلى أن هذه المبالغ تفوق قدرة معظم السوريين، ولا سيما أن دخل كثير منهم قد لا يتجاوز 100 دولار، ما يدفع بعض المرضى إلى بيع منازلهم وممتلكاتهم أو الاستدانة للحصول على العلاج.

ودعا سيد عيسى إلى تعاون القطاع العام مع المنظمات لتوفير أدوية السرطان والأمراض المزمنة والمكلفة للمرضى الذين لا يجدون العلاج في المستشفيات الحكومية ولا يستطيعون تحمل كلفته في القطاع الخاص.

أجهزة متهالكة وكوادر هاجرت

قال حمزة فهيد إن القطاع الطبي ما يزال يعاني نقصاً كبيراً في المعدات، رغم مرور نحو عام ونصف على التحرير، مشيراً إلى أن معظم الأجهزة الطبية الحديثة لم تدخل إلى سوريا خلال سنوات الثورة منذ عام 2011.

وأوضح أن العقوبات التي فُرضت بسبب انتهاكات النظام المخلوع أثرت في توريد الأجهزة وقطع الغيار، في حين أصبحت كثير من المعدات الموجودة حالياً متهالكة، وتحتاج إلى الصيانة، وبعضها لم يعد مستخدماً في دول كثيرة.

وأكد أن تطوير القطاع يتطلب إدخال أجهزة حديثة واستقطاب كفاءات طبية عالية، إلى جانب افتتاح معامل أدوية جديدة تغطي حاجة السوق المحلية وتوفر العلاجات بأسعار يستطيع المواطنون تحملها.

وأشار مأمون سيد عيسى إلى أن هجرة الكوادر حرمت سوريا من أعداد كبيرة من الأطباء والصيادلة وأصحاب الخبرة، داعياً العاملين في أوروبا وتركيا والولايات المتحدة ودول أخرى إلى العودة والمساهمة في بناء نظام صحي جديد، والاستفادة من الخبرات التي اكتسبوها في الخارج.

ولا تقتصر احتياجات القطاع على الأجهزة والكوادر، إذ تحتاج منشآت عديدة إلى الترميم وإعادة التأهيل. وأوضح فهيد أن أجزاء واسعة من مستشفى درعا الوطني تعرضت للدمار بسبب قصف النظام المخلوع بالبراميل والأسلحة الأخرى، وأن أعمالاً تجري حالياً لإعادة تأهيل الأقسام المتضررة.

ورأى أن تحسن الواقع الطبي يتطلب الجمع بين ثلاثة عناصر أساسية، هي الأبنية المناسبة، والأجهزة الحديثة، والكوادر المؤهلة.

رقابة استباقية وحماية لحقوق المرضى

اعتبر سيد عيسى أن منع تكرار المخالفات يتطلب مسارين متوازيين، يقوم الأول على التوعية وتعزيز الضمير المهني، في حين يعتمد الثاني على الرقابة المستمرة.

وأكد أن العاملين في المنشآت الصحية يتعاملون مع أرواح بشر، وأن الالتزام بالشروط الفنية والأخلاقية يجب ألا يرتبط فقط بوجود المفتش أو الخوف من العقوبة.

ومع ذلك، تبقى الرقابة ضرورية، بحسب سيد عيسى، لأن جميع العاملين لا يلتزمون بالمعايير من تلقاء أنفسهم، ما يستدعي تنفيذ جولات استباقية قبل وقوع الأخطاء، والتحقق دورياً من التراخيص وسلامة الأدوية وكفاءة الأجهزة وجودة التعقيم.

ودعا إلى مراقبة الأسعار التي تفرضها المنشآت الصحية، محذراً من استغلال حاجة المرضى وفرض مبالغ مرتفعة عليهم، في ظل عدم معرفة كثير منهم بحقوقهم أو بالشروط الطبية التي يجب توافرها.