في تطور لافت يعكس طبيعة التحولات الداخلية في محافظة السويداء، أعلن حكمت الهجري، أحد مشايخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، أمس الثلاثاء، حلّ ما يُعرف بـ"اللجنة القانونية"، التي كان قد شكّلها سابقاً عقب الأحداث التي شهدتها المحافظة في تموز الماضي.
وجاء القرار وفق بيان نشرته صفحة الرئاسة الروحية التابعة لجماعة الهجري أمس الثلاثاء متضمناً تكليف القاضي شادي فايز مرشد بتشكيل كيان بديل تحت اسم "مجلس الإدارة في جبل باشان"، في خطوة قال إنها تهدف إلى تجاوز المحاصصة واعتماد الكفاءات العلمية في إدارة الشأن المحلي.
ويأتي هذا القرار في سياق محلي معقّد، تتقاطع فيه اعتبارات تنظيمية مع مؤشرات توتر داخلي، خاصة في ظل تزامنه مع حوادث ميدانية بارزة، من بينها واقعة اقتحام مديرية التربية، وما أثارته من تساؤلات حول طبيعة الخلافات داخل البنية القيادية المرتبطة بجماعة الهجري. وبينما يقدَّم القرار بوصفه إعادة هيكلة إدارية، يراه مراقبون مؤشراً محتملاً على إعادة ترتيب موازين القوى داخل الجماعة، أو محاولة لاحتواء تباينات برزت خلال الفترة الماضية.
في هذا التقرير نستعرض دوافع حلّ اللجنة القانونية وتشكيل المجلس الجديد، وعلاقة ذلك بحادثة مديرية التربية، إضافة إلى دلالات الخطوة على تماسك أو انقسام جماعة الهجري، وانعكاساتها المحتملة على المشهد المحلي في السويداء.
تصدير الأزمات والتهرب من المسؤولية
مع تفاقم الأزمات الأمنية والخدمية، وازدياد الانتقادات الموجهة للأداء العام في السويداء، يبدو أن القرار جاء ليؤدي وظيفة سياسية داخلية، تقوم على تحميل جهة محددة مسؤولية التدهور، بما يسهم في امتصاص الاحتقان الشعبي وتخفيف الضغط عن مراكز القرار الفعلية.
وفي هذا السياق يوضح كنان مسعود الناطق باسم "التيار الثالث" في السويداء، أن قرار حلّ اللجنة القانونية جاء وكأنها تمتلك أوراق قوة حقيقية على الأرض، في حين أن واقعها كان مختلفاً تماماً. ويضيف مسعود في تصريح لموقع تلفزيون سوريا، أن اللجنة جرى تحميلها مسؤولية مجمل الإخفاقات والأخطاء من قبل جماعة الهجري، وتصويرها على أنها السبب الرئيسي في عجز ضبط الأمن واستقرار الأوضاع في المحافظة.
ويرى مسعود أن هذه الخطوة تهدف بالدرجة الأولى إلى "تصدير الأزمة والهروب إلى الأمام"، مشدداً على أن اللجنة لم تكن سوى واجهة شكلية تفتقر لأي أدوات تأثير فعلية، ما يجعل تحميلها مسؤولية الفشل أمراً غير واقعي، ويعكس محاولة لإعادة توزيع اللوم بدلاً من معالجته.
من جانبه يؤكد مرهف مدير الإعلام في السويداء، في تصريح لموقع تلفزيون سوريا، أن الواقع الخدمي والإداري في المحافظة يشهد تدهوراً ملحوظاً على مختلف المستويات، لا سيما في قطاعات التعليم والأفران والكهرباء والاتصالات وخدمات البلديات والنظافة، حيث تراكمت الأزمات دون تحقيق أي تحسن ملموس لصالح المواطنين.
ويشير إلى أن هذا التراجع تفاقم بشكل خاص بعد أن نصّبت اللجنة القانونية نفسها بديلاً عن مؤسسات الدولة، وعطّلت العديد من المبادرات التي كان من شأنها دعم المجتمع وتلبية احتياجاته الأساسية، وذلك على خلفية مواقف سياسية مرتبطة بالأحداث الدامية التي شهدتها السويداء في تموز الماضي.
ويضيف أن تغيير اسم اللجنة أو استبدالها بجسم جديد تحت مسمى "مجلس" لن يغيّر من الواقع شيئاً، في ظل استمرار مظاهر الفساد، حيث تتعرض المساعدات وعمليات التمويل الوافدة إلى المحافظة لعمليات نهب وسوء إدارة.
وكان محافظ السويداء مصطفى البكور قد أوضح يوم الجمعة الماضي الأسباب وراء أزمة الطحين والمحروقات التي تشهدها المحافظة، قائلاً إن هناك تلاعباً واسعاً في توزيع المواد الإغاثية والمحروقات التي تدخل إليها، حيث اعتبر أن أسباب الأزمة "واضحة لمن يريد الحقيقة".
حادثة التربية.. الشرارة التي فجّرت الأزمة
شكّلت حادثة اقتحام مديرية التربية في السويداء نقطة مفصلية في تصاعد التوترات، إذ اقتحمت مجموعة مسلحة، الإثنين، مبنى المديرية وأغلقت أبوابه بقوة السلاح، مجبرةً مدير التربية الجديد صفوان بلان على الاعتذار عن مهامه، بعد تكليفه من قبل وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو.
وبحسب ما أفاد به ناشط مدني في السويداء، فضّل عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، لموقع تلفزيون سوريا، فإن "المجموعة التي يقودها مهند مزهر وطاهر العلي، قامت بتغيير أقفال المكاتب وإطلاق النار في الهواء لترهيب الموظفين، رفضاً لتعيين بلان وتمسكاً بالمديرة السابقة ليلى جهجاه".
وأضاف أن "عناصر المجموعة اقتادوا المدير الجديد تحت تهديد السلاح إلى مبنى قيادة الشرطة، حيث أُجبر على تقديم اعتذار رسمي عن تولي المنصب تحت الضغط".
وفي قراءة لدلالات هذه الحادثة، يرى نجيب أبو فخر، مؤسس تيار "سوريون وسنكون"، أن ملف التربية كان "الشعرة التي قصمت ظهر البعير"، وأدى إلى تصاعد حالة السخط الشعبي تجاه الجهات التي تدير المشهد في السويداء.
وأوضح في حديثه لتلفزيون سوريا عبر برنامج "سوريا اليوم" أن ما جرى من تهديد بالسلاح للموظفين وترهيب للمدنيين، بمن فيهم نساء وأطفال، يعكس بوضوح فقدان السيطرة الإدارية، واللجوء إلى القوة كأداة لفرض القرار، في ظل غياب مؤسسات قادرة على إدارة الأزمات.
وأشار أبو فخر إلى أن المحافظة تشهد حالة تململ متزايدة، وسخطاً شعبياً على ما وصفه بـ"فشل الإدارة القائمة على منطق القوة"، لافتاً إلى أن عدداً من مدارس السويداء ومعلميها أعلنوا إضرابات مفتوحة، احتجاجاً على إهانة الكادر التعليمي، واستمرار الأزمات المرتبطة برواتب المعلمين وأوضاع الطلاب، إلى جانب المطالبة بفصل الملف الخدمي وإعادته إلى مؤسسات الدولة في دمشق لتحمّل مسؤولياتها.
وتعزيزاً لهذا الطرح أفاد مصدر خاص لموقع تلفزيون سوريا بأن اقتحام مديرية التربية وما رافقه من إجبار المدير الجديد على الاعتذار، دفع أعداداً من الأهالي إلى التوجه نحو مبنى المحافظة، حيث عبّروا عن غضبهم من "اللجنة القانونية".
وتحت هذا الضغط الشعبي، أعلن حكمت الهجري لاحقاً حلّ اللجنة وتكليف شادي مرشد بتشكيل كيان بديل، في خطوة بدت مرتبطة بشكل مباشر بتداعيات الحادثة.
خطوة نحو دمشق
في موازاة الجدل الداخلي حول دوافع حلّ اللجنة القانونية، تبرز قراءة أخرى ترى في هذه الخطوة مؤشراً على تحوّل تدريجي في خطاب جماعة الهجري، قد يفتح الباب أمام إعادة التموضع باتجاه دمشق.
وفي هذا السياق يقول الناطق باسم التيار الثالث، كنان مسعود، إن مقارنة بيان تشكيل اللجنة القانونية وتشكيل المجلس الجديد تكشف أن الخطاب ركّز على "الإدارة" وليس على "الإدارة الذاتية"، أي على إدارة شؤون المحافظة ضمن سياقها المحلي، ما يمكن قراءته كتنازل واضح من جماعة الهجري عن شعارات الاستقلال والحكم الذاتي، رغم حفاظهم على كلمة "الباشان" كنوع من حفظ ماء الوجه.
ويؤكد مسعود أن الجماعة عملياً لم تعد تطالب بالاستقلال أو الانفصال، وأن الغاية من حل اللجنة القانونية وتشكيل المجلس الجديد كانت إيصال رسالة مفادها "نريد تسوية أمورنا وإعادة ترتيب العلاقة مع المركز".
من جانبه يضع نجيب أبو فخر هذه التطورات في إطار أوسع، معتبراً أن هناك توجهاً دولياً يدفع باتجاه فتح قنوات حوار حقيقية بين السويداء ودمشق، رغم وجود أصوات محلية ما تزال ترفض هذا المسار. ويرى أن التغييرات الجارية قد تكون جزءاً من تهيئة البيئة السياسية والاجتماعية لهذا التحول.
ويضيف أبو فخر أن حالة من المراجعة بدأت تتشكل داخل المجتمع المحلي، حيث بات كثير من أهالي السويداء يتساءلون عن أسباب الاستماع إلى الأطراف الخارجية مقابل تجاهل مطالبهم، مشيراً إلى أن استمرار حالة الصبر الشعبي يرتبط بتراكم الوعود بإيجاد حل شامل لأوضاع المحافظة، ما يعزز التوقعات بأن المرحلة المقبلة قد تشهد مساراً تصحيحياً في العلاقة مع الدولة.