حلول جذرية حول سوريا في سوتشي

تاريخ النشر: 28.09.2021 | 06:58 دمشق

تحمل القمة التي يعقدها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في سوتشي الروسية الأربعاء، أهمية بالغة على صعيد العلاقات الثنائية بين البلدين، وعلى صعيد المنطقة والعالم، والأهم أنه اجتماع سيحظى بأهمية بالغة على صعيد الملف السوري، وهو ما يهمنا كسوريين بالدرجة الأولى، وبالطبع الملفات الأخرى ستحمل أهمية أيضا لأنها ستنعكس بشكل مباشر على تطورات المشهد السوري سياسيا وعسكريا وميدانيا، ومن الصواب الحديث هنا أن هذا اللقاء سيحمل أهمية كبيرة على صعيد حلول جذرية لكل المسائل السورية، بمعنى أنه من الخطأ اعتبارها محصورة بموضوع إدلب، بناء على عدة عوامل وتطورات ترتبط بأوضاع الدول نفسها الداخلية، وبعلاقاتها الثنائية والدولية.

من المهم معرفة أن هذه القمة تجري على الصعيد الدولي، في ظل تطورات مهمة، منها السياسة الخارجية الأميركية الجديدة التي تعمل على مراجعة شاملة للوجود الميداني في مختلف أنحاء العالم ومن بينهما منطقة الشرق الأوسط، فالانسحاب الأميركي من أفغانستان أعطى إشارات جديدة للسياسة المستقبلية، تبعه انسحاب تدريجي من السعودية وسحب بطاريات صواريخ باتريوت، ويجري الحديث عن انسحابات مماثلة من العراق وسوريا، وكل هذه التطورات تشير إلى توجه الاهتمام الأميركي إلى زوايا ومناطق أخرى في العالم، وتشير أغلب التحليلات إلى أنها باتجاه المواجهة مع الصين المنافس الاقتصادي الأكبر للولايات المتحدة في العالم، ونظرا لهذه السياسة الجديدة لواشنطن، بدأت دول المنطقة في مرحلة من التشاور فيما بينها لإصلاح وترميم العلاقات، لأنها مهتمة أكثر من باقي دول العالم بالاستقرار، وخاصة دول من مثل تركيا والسعودية ومصر وإيران، ومن ورائهم دول قريبة من المنطقة من مثل روسيا.

السياسة الأميركية الجديدة يتداخل معها علاقات الدول الثنائية مع بعضها البعض، وهي التي تدفع وتقود إلى سياسات جديدة في المنطقة أيضا، ومنها العلاقات الثنائية التركية الأميركية، التي لا تسير في أحسن حال بينهما، وهو ما جاء على لسان الرئيس أردوغان الذي أكد في أكثر من مناسبة مؤخرا أنه لم يبدأ بشكل إيجابي مع الرئيس الأميركي جو بايدن، بخلاف الرؤساء الثلاثة السابقين الذين عمل معهم، وهو ما يشير إلى تطبيق بايدن لوعوده قبل انتخابه، بمحاولة تغيير الحكم بتركيا عبر دعم المعارضة في الانتخابات التركية المقبلة، والإطاحة بحزب العدالة والتنمية الحاكم، بعد فشل الإطاحة به من خلال الانقلاب العسكري في عام 2016، وهذا التطور يدفع بطبيعة الحال تركيا للبحث عن تحالفات جديدة، تماما كما حصل سابقا باللجوء إلى شراء منظومات دفاع جوية روسية سابقا، بعد رفض أميركا بيعها صواريخ باتريوت، أثارت غضب واشنطن.

الروس يبدو أنهم باتوا الفاعل الأبرز على الأرض السورية، والتوافق معهم من وجهة نظر تركية ربما يحمل التأثيرات والتطورات الأهم

الموقف الأميركي من تركيا يدفع بطبيعة الحال إلى تصعيد الأوضاع الداخلية لتركيا على عدة أصعدة وما يهمنا بالطبع التصعيد في الملف السوري، فالموقف الخارجي الأميركي، والموقف الداخلي الموجود على صعيد المعارضة التركية التي تدفع إلى مزيد من التشنج الشعبي ضد السوريين، والحديث عن إرسالهم لبلادهم، وتأسيس علاقات مع النظام وفتح السفارات، فإنَّ كلَّ ذلك يلقى أذناً لدى الشارع التركي، أو على الأقل لدى شريحة لا بأس بها، وهنا تجد الحكومة التركية نفسها أمام مآزق جديدة تتطلب إيجاد حلول لها أيضا، ولهذا فإن تلاقي المواقف الأميركية الداعمة للمعارضة التركية مع الأوضاع الداخلية الضاغطة فيما يخص الملف السوري، سيدفع بالتأكيد الرئيس أردوغان للبحث عن خيارات وحلول حول سوريا مع نظيره الروسي، ليحقق من خلالها نتائج معينة مثمرة، تريح يده قبيل خوض الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في عام 2023.

وبناء على ما سبق، ووفقا للتطورات الميدانية واحتمالية تراجع الاهتمام الأميركي في سوريا، والتوافقات التي يمكن أن تعقدها واشنطن مع روسيا حيال سوريا، خاصة بعد لقاء المبعوث الروسي ألكسندر لافرنتييف، مع المبعوث الأميركي بريت ماكغورك في جنيف مؤخرا، فإن الروس يبدو أنهم باتوا الفاعل الأبرز على الأرض السورية، والتوافق معهم من وجهة نظر تركية ربما يحمل التأثيرات والتطورات الأهم، فيما يخص المناطق التي لا تزال غير محسومة ميدانياً، والقصد هنا شرق الفرات وغربه، حيث إنَّ تركيا لا تزال تبحث عن توحيد مناطق سيطرة المعارضة المسماة بالمنطقة الآمنة، وهذا يتطلب سيطرة المعارضة على مدن تل رفعت ومنبج وعين العرب وغيرها، فيما تطالب روسيا بفتح الطرق الدولية وحل مسألة التنظيمات الراديكالية في المنطقة، وهو ما يعني أن مطالب الطرفين ميدانيا واضحة للوصول إلى تفاهمات، وعلى الصعيد السياسي يرغب البلدان بإجراء انتخابات وفق تفاهم دولي برعاية أممية يقود إلى حكومة جديدة، رغم أن روسيا لا تزال تضغط باتجاه استمرار النظام، ولكن في حال تحقيق التوافقات ربما تذهب إلى انتخابات وإن كانت ظاهرية من أجل تفعيل الحل السياسي بما يتناسب مع القرار الأممي 2254 ودخول مرحلة جديدة من العفو وإطلاق سراح المعتقلين وصولا إلى إعادة الإعمار وعودة المهجرين.

إذا لا تحتاج تركيا ولا روسيا أن يجددان مطالبها الواضحة وفق وجهة نظر كل طرف للمسألة السورية، وبالطبع العلاقات الثنائية بين أنقرة وموسكو هي المحدد الأساسي كذلك في هذا الإطار، ومن الخطأ التعويل على الواقع الميداني السوري كعامل فاعل في هذه التوازنات، حيث سبق أن وجدنا ملفات أخرى كانت سببا في تحقيق التوازنات في إدلب على سبيل المثال، كملفات ليبيا وإقليم قره باغ ومنطقة شبه جزيرة القرم، ومن هنا ربما يفتح أردوغان ورقة الباقة الثانية من صواريخ إس 400 من جهة لتحقيق التوازن مع روسيا، ومن جهة أخرى لممارسة مزيد من الضغوط على واشنطن، وبالطبع أميركا مستعدة لمزيد من العقوبات على أنقرة بسبب ذلك، ومن هنا تكمن أهمية المناورة التي يعتزم أردوغان اللجوء لها في اجتماع سوتشي ومدى إمكانية نجاحه.

نحن أمام أوضاع وتوازنات جديدة في سوريا، ميدانية وإقليمية ودولية، تنبع من حاجات داخلية للدول، ومن العلاقات الثنائية ومن العلاقات الإقليمية، وأيضا من السياسة الأميركية الجديدة في المنطقة، وهذا الأمر يتطلب أيضا حذرا في التعامل معه، من مثل مسألة العقوبات الأميركية الجديدة على أنقرة في حال أقدمت على صفقة جديدة تتعلق بالصواريخ الروسية وهو ما نقل إعلاميا على لسان مسؤول بوزارة الخارجية الأميركية، أن واشنطن ستلجأ لقانون كاتسا لمعاقبة الدول التي تتعامل مع خصوم أميركا، لفرض عقوبات عليها، ولهذا ربما يفهم سبب تأكيد أردوغان أن اللقاء الذي سيجمعه بنظيره الروسي في موسكو سيكون ثنائيا دون لقاء الوفود، أي ربما لن يكون هناك توقيع على عقود واتفاقيات جديدة أي أن التوافقات بين الزعيمين شاملة وجذرية وطويلة الأمد على شكل خارطة طريق متعددة الأوجه، ستبحث في مسائل استراتيجية تتعلق بأمن البلدين وتعاونهما المستقبلي، خاصة أن استحقاق الانتخابات في تركيا سيكون مؤثرا على العلاقة مع روسيا إذا ما جاءت حكومة جديدة تناوئ موسكو وتتقرب أكثر من الغرب، فربما تفقد موسكو حليفا مهما في تركيا، كما أنها ستتناول الملفات الاقتصادية والتعاون العسكري، والملف السوري لجهة وضع خارطة طريق من أجل حل المسائل الميدانية، ومن أجل المضي قدما في العملية السياسية، وصولا إلى إعادة الإعمار، والعودة الطوعية للاجئين السوريين من تركيا ومن دول الجوار، بما يعني حلا جذريا شاملا للملف السوري، كما ستكون هناك توافقات في ملفات أخرى، ومن المؤكد أن سنوات طويلة من العلاقة بين الزعيمين لن تجعلهما يفرطان بما تحقق حتى الآن والاستثمار في المجهول.