حلم لوبي سوري

2022.06.04 | 06:38 دمشق

1582708107.jpg
+A
حجم الخط
-A

ترتفع آمال النازحين في المنزح التركي أو تنخفض مثل البورصة على مقياس ريختر المصائب السورية، قد تعلو بأمانة نازح، أو تسفل بجناية آخر، وهما ليسا سواء في الحساب، فالمغرم أضعاف المغنم في المنفى، والمعارضة التركية هي الدولة العميقة، وتنظر بمكبرة الإعلام الذي تستحوذ عليه على الصغائر كأنها أكبر الكبائر. إن خبر "ثاكل عنتاب" - إذا جاز وصف السيدة ليلى دعاس- ليس شرًا بل هو خير، فمن بطن الألم تأتي المسرّات، وكان من لطائف المأساة أنَّ طائفة تركية عريضة عطفت على الأم المكلومة والضربة هي ركلة بالقدم أهون أعضاء الإنسان على وجهها أعز أعضاء الإنسان، وواستها، وسوى ذلك هي أم، وضعيفة، وعاجزة، ولم تعطف هذه الطائفة على ضحايا مجزرة التضامن حق العطف، فالجاني تركي هذه المرة، وليس سوريًا، والأغلب في معرض التحليل، أنَّ الواقعة من صناعة الدولة التركية العميقة، فعليها بصماتها، وتعليل ذلك أن الفيديو الذي صور واقعة الرفس - والرفس أخلاق البهائم وطباعها لتساوي الأيدي والأقدام عندها- مصوّر بكاميرا محترفة، وليس كاميرا هاتف، ومن مفارقات الواقعة أنَّ الأم ثكلى، فقدت بيتها وولدها.

من لطائف المصيبة، أنّ والي عنتاب زار ثاكل عنتاب مع وفد حكومي واعتذر لها، من غير تعويضات أو وعد بها

مثلُ ثاكل عنتاب ليلى دعاس، ثاكل القامشلي السيدة غزالة الحسين، وهما متقاربتان في العمر والسنّ والمصاب، وشبهتهما واحدة، اعتقلتها أذناب حزب العمال الكردستاني في القامشلي، وبنفس التهمة أو الشبهة، وهي خطف أطفال، وهي سيدة في السبعين، تعيل أحفادها، وقد تعرضت للضرب الشديد، حتى صارت تهذي، اعتقلت وحشرت في صندوق سيارة نقل بيك آب دفع رباعي، وحنّطت بالأربطة من رجال مدججين بالسلاح والذخيرة، وهي حية كأنها مومياء. ولا تزال متهمة، فماذا سيفعلون بها لو ثبتت عليها التهمة؟ وذكرت ثالثة في دويلة الجولاني، الضحية أم في السبعين! كأنَّ مايسترو يقود حملة ضد الثواكل.

من لطائف المصيبة، أنّ والي عنتاب زار ثاكل عنتاب مع وفد حكومي واعتذر لها، من غير تعويضات أو وعد بها، وذكر أنها وعدت بتسهيلات لزيارة إسطنبول حيث يقيم بعض أقاربها بسبب القوانين الصارمة التي منعت السوريين من إسطنبول، أما أمنية المتمنّي السوري فهي أن تعتذر الإدارة الذاتية المحميّة من عامة روسيا وأميركا والأسد عن اعتقال غزالة الحسين ذلك الاعتقال المشين وإيذائها، ولم تثبت عليها التهمة بعد.

ما تكشفه الأخبار أنَّ السوريين يعيشون يومًا بيوم، وهم يموجون بين جبال الأخبار صعودًا أو هبوطًا، حادث قد يرفع آمالهم، وأخر قد يحطّ بهم، فهم يشبهون عملتهم السورية، قليلة القيمة الشرائية ضعيفة القوة الإنسانية. لم يستطع السوريون تشكيل حزب أو صحيفة، جامعة أو مظلة سياسية أو إعلامية تظللهم وتشدهم وترشدهم وتدافع عنهم، مضى عقد وأزيد، ولم يستطع النازحون ليس تشكيل لوبي سوري في تركيا كما فعل المهاجرون المكسيكيون مثلًا، وإنما تكوين لوبي يؤثر على السوريين أنفسهم.

لا يزال الإيرانيون يحتفظون ببعض أمجاد الدول الفارسية والبويهية، فإيران دولية إقليمية، وما يزال الترك على بقية من مفاخر الدولة العثمانية التي حكمت العالم الإسلامي أزيد من ستة قرون، بل وقد انتعشوا من جديد، أما السوريون فهم بلا ميراث وطني أو قومي أو ديني، وهم أشتات سوى بعض الفرائد الفردية، مثل التفوق في شهادات التحصيل العلمي، أو نجاح مطعم للأطعمة السورية في شيكاغو، أو الجبنة الحلوم في بريطانيا. لا نعرف شخصية سورية استطاعت استقطاب السوريين تحت مظلة وطنية جامعة. لم تنجح قيادات الائتلاف والمجلس الوطني في ذلك، وكلها هيئات غير منتخبة، أو هي منتخبة من دوائر القرار العالمي. والشيوخ والوعاظ متأخرون عن لغة السياسة والعصر. كانت التنسيقيات أول ظهورها مبشّرة، لكنها اختفت من غير أثر، أغلب الظنِّ أنها قضت في المعتقلات تحت التعذيب. لا تشبه تجربة النازح السوري تجربة النازح الفلسطيني الذي استقبل أول نزوحه في البلاد العربية استقبالًا حسنًا، بل إنّ السوريين في وطنهم إبان الثورة، كانوا يحتمون بالمخيمات الفلسطينية الضيقة هربا من بطش النظام حتى اكتظت بالنازحين السوريين، وتكشف مجزرة التضامن عن حقد النظام على الفلسطينيين. الصفحات على وسائل التواصل ومجموعات الواتس اب لا تغني عن مظلّة جامعة.

غرض تشويه صورة السوري في تركيا أبعد من معركة الرئاسة الانتخابية، والسوريون نحو أربعة ملايين عددا، وفيهم الأخيار والأشرار، الصالحون والطالحون، أما الغرض من واقعة ثاكل عنتاب التي حصل السوريون من أثرها على بعض العطف، فهو حفر خندق نفسي بين الشعبين، مثل الخنادق الأرضية التي تحفر في تل رفعت ومنبج، القصد منها جعل السوريّ كارها للتركيِّ والتركيّ السوريّ.

النخبة السورية عاجزة عن تكوين أحزاب في المنفى بسبب جرف الحياة السياسية في سوريا مدة نصف قرن

أغلب الظنِّ أنَّ المعارضة التركية تبغي بناء سور من الكراهية بين الترك والسوريين، ستلعب المعارضة بالنازحين قذفا بضربات ترجيحية في مرمى حزب العدالة والتنمية، الذي يكتفي بصدّ الكرات.

نُسيتْ حفرة التضامن، وانشغل السوريون بثاكل عنتاب، وسننشغل غدًا بمصائب غيرها، والنخبة السورية عاجزة عن تكوين أحزاب في المنفى بسبب جرف الحياة الس0ياسية في سوريا مدة نصف قرن. أحيانًا يعطف ميسورون سوريون، على جنرال سوري يلمّ الكرتون من الزبالة، أو على يتيم يحلم بخيمة، لكن ذلك لا يغني عن ضرورة البحث عن هيئة سورية جامعة. لا تزال تفصلنا سنة عن الانتخابات التركية، وسيعاني "الأنصار" كثيرًا إلى أن تنجلي الغمّة الاقتصادية والسياسية.