حلم في دمشق الآن

تاريخ النشر: 31.12.2018 | 00:12 دمشق

الأسبوع الثالث على اعتقال وسام الطير، مدير الشبكة الإعلامية ذات الشعبية الأوسع في مناطق النظام «دمشق الآن»، بمليونين ونصف مليون معجب على فيسبوك، حيث وضع وسام صورة أسماء الأسد كغلاف لصفحته الشخصية. وكان الجميع يفترض أنها ستظلله بحمايتها التي بدت من الصور التي جمعتهما أكثر من مرة، قبل أن يختفي، بشكل غامض ومرهب، في منتصف الشهر الجاري.

            منذ أيام قليلة فقط أُفرج عن صديقه الذي اعتقل لمجرد وجوده معه، بالصدفة على الأرجح. يعمل الزميل مسؤولاً عن المراسلين في مؤسسة إعلامية خاصة أخرى هي إذاعة «المدينة» التي لم تصدر بياناً عن اختفائه أو عما تعرّض له. فيما اكتفى هو بمنشور قصير يحمد الله فيه «على كل شي»، ويشكر من سأل عنه أثناء «غيابه». من أكثر من ستمئة تعليق كتبها إعلاميون أو ذوو صلة بهذا الوسط في مناطق النظام ستتوالى التهاني والحمد لله على السلامة بصيغة محايدة. قلة فقط ستكتب متمنية الإفراج عن وسام أيضاً، أو ستسأل عما حدث. تلك إحدى ميزات الإعلام «المتجانس» كذلك.

            لم يكن وسام إسماعيل يتصوّر أنه سيصل إلى ما بلغه من شهرة وتأثير. كان صغيراً حين انتقل من قريته وادي الملوك – قلعة بني قحطان، شرق جبلة، للإقامة في حي الورود الملاصق لمدينة قدسيا قرب دمشق. وهو حيٌّ عشوائي تسكنه أغلبية علوية من الوافدين إلى العاصمة للوظيفة الحكومية أو للتعليم. عندما اندلعت الثورة كان وسام قد أنهى دراسته الثانوية للتو، فالتحق بالخدمة العسكرية التي سيقدّر لها أن تطول ثماني سنوات في الدورة 102 الشهيرة. خدم وسام في قوات الحرس الجمهوري، وأسس صفحة خاصة على فيسبوك باسم «مساكن الحرس الجمهوري» المجاورة لقدسيا كذلك، والتي خاضت مع هذه المدينة الثائرة حرب خطوط تماس أهلية وقنص وخطف على الهوية، وأحياناً تصفيات.

            في 2012، عندما قرر النظام أن ينظّم صفوف إعلامه الرديف، رُشِّح وسام، وقد صار يعرّف عن نفسه بكنية «الطير» التي تشتهر بها عائلته في مسقط رأسها، لورشات تدريب نظمتها وزارة الإعلام

ليست المرة الأولى التي يقوم فيها أحد أجهزة النظام الأمنية باحتجاز إعلاميين موالين، إلا أنها ربما كانت الأبرز بسبب طول مدتها ولأنها طالت شخصاً بهذه الشهرة بين المؤيدين

في عهد عمران الزعبي. وأسّس إثرها صفحة «دمشق الآن» التي أنجبت لاحقاً صفحات اختصاصية؛ تعليمية ورياضية وصحية وتقنية وبالإنكليزية، ثم توسعت من فيسبوك لتكون موقعاً إخبارياً، وقناة على يوتيوب، وحسابات على تويتر وتلغرام وإنستاغرام، لتحتل مكاتب في حي الشعلان وسط العاصمة، كما جاء في الأخبار التي نقلت مؤخراً نبأ مداهمتها وضبط بعض أجهزة الكمبيوتر.

            رغم أن هذه ليست المرة الأولى التي يقوم فيها أحد أجهزة النظام الأمنية باحتجاز إعلاميين موالين، إلا أنها ربما كانت الأبرز بسبب طول مدتها ولأنها طالت شخصاً بهذه الشهرة بين المؤيدين، كان قد بدا أنه لا يمسّ لاعتبارات كثيرة أهمها أنه محسوب على «السيدة الأولى»، مما دفع بعض المحللين إلى الاستنتاج أن وراء الأمر معركة كسر عظم على مستوى عال، وأن الإعلامي «المسكين» مجرد بيدق في أوارها.

            أصوات نادرة تلك التي تساءلت علناً عن مصير وسام وطالبت بالإفصاح عن مكانه وسبب احتجازه، وغالبها كان لإعلاميين مؤيدين للنظام في الخارج. أما «دمشق الآن» فلم تكتب حرفاً عن الموضوع، وحظرت التعليق عنه. استمرت في تغطية الأخبار كالمعتاد؛ صور من سوق الحميدية بدمشق، وفيديو نصب شجرة الميلاد في حي الأرمن بحمص، ووفاة رجل بحادث سير قرب تدمر. قبل أن تمتنع مدة عن النشر بناء على اتصال استطاع الطير إجراءه من داخل الفرع المجهول الذي يحتجزه، كما سرّب مطلعون قالوا أيضاً إن من سمح بهذه المكالمة سيطاله الحساب كذلك، لأن الغرض منه استخدام توقف الصفحة كوسيلة ضغط للإفراج عن مديرها الذي يواجه تهماً «قومية» من نوع «المساس بهيبة الدولة»!

            وحدها عائلة إسماعيل/الطير من تكلم بصوت مرتفع، مستظلة بالمكانة الرمزية التي يحوزها أخوه الأكبر، الشيخ محمد، في القرية التي يتحدر منها أيضاً «البرلماني» الصحافي نبيل صالح الذي أثار مؤخراً عدداً من القضايا الإشكالية، كمرسوم وزارة الأوقاف الشهير وموضوع موقوفي النظام في سجن صيدنايا. لكن عضو لجنة الأمن في «مجلس الشعب» التزم الصمت هذه المرة!

*          *          *

            في ظل هذا الغموض تلفت النظر محطات في مسيرة الطير، منها منعه من تغطية زيارة بشار الأسد إلى الغوطة، في آذار 2018، مما أثار حنقه الشديد لهذا التشكيك في ولائه، ودفعه، مؤقتاً، إلى اعتزال العمل الإعلامي وإغلاق الصفحة. ومنها ما يروى عن احتفاظه بصلات مع إعلاميي الثورة والمعارضة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واعداً إياهم بتسهيل «تسوية أوضاعهم» لو عادوا إلى «حضن الوطن». غير أن أهمها، ربما، كان منشوراً بدا عارضاً حين كتبه الطير على صفحته في فيسبوك، أواخر تشرين الأول 2016، وهو منام رآه في الليلة السابقة. وبسبب كثافة هذا الحلم وعمقه ومداه، ننقله كاملاً ثم نفسره وفق المعطيات الأولية المعروفة في التحليل النفسي.

            يقول «الحالم»:

«كنت ماشي بطريق بحرستا وتهت ما بين هالشارع والشارع التاني. بذكر كان معي رفقاتي بس ما بعرف وين اختفوا فجأة. احترت بين شارع عاليمين وشارع عاليسار، كنت ضايع ما بعرف شو أعمل، اتكلت عالله ومشيت يمين الدرب وأمشي بين الأبنية المهدمة والدمار والخراب. كنت حاول أنو أبحث عن حدا شوفو أنا وهو ما يقدر يشوفني، لربما كان مو صديق.

وصلت لبناء بيطلع شي أربع طوابق. صرت أطّلع يميني ويساري وشفت كتابات بتدل أنو المكان يلي وصلتلو مانو آمن. ضبيت الكاميرا وصرت فكر شو ممكن أعمل. صرت أتوقع شو ممكن يصير فيني لو انمسكت.

سمعت صوت من تحت البناء، بشوف تنين حاملين حطب وجايين ومعهم سلاح. قلت أهرب عالقبو وكمان بيطلع هنن طريقهم عالقبو، لكن بلاقي باب بهرب منو وبصير بالشارع. بينادولي بحاول كون طبيعي. قلتلهم: يالله دقيقتين وراجع، طالبني الشيخ. واحد منهم بلقم السلاح وبيركض ورايي وأنا أركض، بصير يقوّس بحيث ما يقتلني.

بشوف وأنا عم أركض علم ودشم للجيش من بعيد وبحاول كون أسرع لأوصل، مع أنو كنت خايف أنو الجيش يفكرني معادي ويقوس عليي لكن ما عندي خيارات. حسيت أنو ممكن أرجع عيش مع أنو الموت كان أقرب بكتير، بس حسيت بالأمل».

انتهى الحلم الذي يتبع بعبارة عيادية نمطية: «قبل ما نام كنت عم فكر بحرستا، ولما شفت الحلم حسيت أنو أنا بحقيقة مو بحلم».

ينتمي هذا الحلم إلى نمط الأحلام الكبرى التي يراجع فيها صاحبها مسيرة طويلة. ويأتي وقعه المؤثر من أمرين؛ إحساسه بأنه في حقيقة لا في حلم، ومن روايته على الملأ. وقد قسّمناه إلى أربعة مشاهد بعد أن جاء في المنشور ككتلة واحدة.

يروي المقطع الأول قصة صاحبه مع الثورة، التي يرمز الحلم لها بحرستا لسبب لا يمكن استنتاجه دون سؤاله، أو ربما أبدل اللاشعور حرستا بقدسيا التي احتفظ فيها وسام بعلاقات مكّنته من دخولها حتى أثناء سيطرة الجيش الحر عليها. تقع الثورة ويتوه الطير بين طريقين. لا يبدو انحيازه محسوماً لأسباب طائفية، بل إرادياً عندما يختار، بعد حيرة معاوِدة، جانب «اليمين»؛ الأب/ الذكر/ السلطة/ المعطى/ الجاهز/ الموجود/ المنجز/ الحاضر/ الواضح/ المفهوم، رغم معرفته أن هذا الطريق سيؤدي إلى الخراب. متنكباً عن «اليسار»؛ وهو الأم بدلالات الثورة/ الحرية/ الولادة/ المستقبل. لكنه يشعر بالخزي من خياره فيبحث عن شخص ليس من الماضي، فقد خسر أصدقاء الأمس. وصار في حاجة إلى شخص يكون قادراً على رؤيته بينما لا يراه الآخر، في إحساس بالعورة والعار. يبدو أن الطير ينتمي إلى الثورة أكثر مما كنا نعتقد!

في المقطع الثاني يظهر ما أنجزه الإعلامي في السنوات الأخيرة، بهياً بأربعة طوابق لكنه غير آمن. يتوقف ليراجع نفسه ويخشى من الاعتقال دون أن يحدد الجهة المسؤولة عن ذلك. إنه يخشى الطرفين في حقيقة الأمر.

انحيازه السحيق يظهر في المشهد الثالث، فهو

ربما عرض بعض إعلاميي الثورة على الطير الانشقاق في تلك المرحلة، مثلما كان يعرض عليهم «المصالحة».

يشترك مع «المسلحين» في «القبو»؛ مستودع اللاشعور/ الحوض الأصلي/ البيئة العميقة قبل الانحياز. لكنه يهرب منه إلى الشارع، مطمئناً إلى أن المسلحين لا يهدفون إلى قتله حتى حين يطلقون النار عليه.

أثناء الركض/الذعر تظهر أمارات النظام. وهنا تتغلب حوافز النجاة بالأنا، فيتجه إلى هذه المواقع رغم قلقه من أن الجيش قد يعتبر/يكتشف أنه «عدو». ربما عرض بعض إعلاميي الثورة على الطير الانشقاق في تلك المرحلة، مثلما كان يعرض عليهم «المصالحة».

ينتهي الحلم، إذاً، بإصرار صاحبه على انحيازه الإرادي الأول، لكن إثر صراع حاد.

*          *          *

يفتتح جورج أورويل روايته البديعة 1984 بأحد المشاهد المؤسِّسة، عندما يزور بطلها ونستون منزل توم بارسونز، جاره وزميله. لعائلة بارسونز طفلان يقتحمان الغرفة، أثناء زيارة ونستون العارضة، وهما يهددان بمسدسين زائفين: «ارفع يديك... خائن...». كانت هذه نتيجة تنشئة الأبناء على الوشاية بأهاليهم إلى «شرطة الفكر» إذا سمعوا عبارة خطرة في المنزل. يلاحظ الراوي أنهما كانا يتقافزان كشبلين من النمور لن يلبثا أن يكبرا فيصبحا من أكلة البشر.

عندما يُعتقَل ونستون سيُفاجأ بدخول توم عليه الزنزانة! ما الذي حدث؟! لقد كان مثالياً للحزب؛ كتلة من الحماس والإخلاص في «رابطة الجواسيس» و«رابطة الشباب» ولجان تنظيم المسيرات والحملات والنشاطات. لكن بارسونز يعترف بخضوع: «جريمة الفكر شيء مرعب يا صديقي. إنها جريمة غادرة! قد توقع بك حتى من غير أن تعرف ذلك. هل تعرف كيف أوقعت بي؟ في نومي! لقد كنت أعمل وأحاول أن أقوم بواجبي... ولم أعرف أبداً أن في رأسي أي شيء سيئ على الإطلاق. حتى صرت أتكلم في نومي. هل تعرف ماذا سمعوني أقول؟ قلت: «يسقط الأخ الأكبر»! نعم، لقد قلتها. قلتها مرة بعد مرة. لكن ابنتي الصغيرة سمعت ما أقول ونقلته إلى الدوريات في اليوم التالي». وحين يسأله ونستون إن كان مذنباً يجيب توم بحماس: «أنا مذنب طبعاً! أنت لا تظن أن الحزب يمكن أن يعتقل شخصاً بريئاً، هل تظن ذلك؟».

كلمات مفتاحية